كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هناك مدنٌ نعيش فيها...
وهناك مدنٌ تعيش فينا.
والقاهرة ليست مجرد مدينة.
إنها ذاكرة طويلة...
كل شارع فيها يحمل حكاية.
وكل مسجد له زمن.
وكل بيت قديم يخفي حياة أناس رحلوا وبقيت آثارهم.
لكن...
من يستطيع أن يرى كل هذا؟
من يستطيع أن يمشي في القاهرة القديمة فلا يرى حجارة فقط، وإنما يرى تاريخًا كاملًا ينبض خلفها؟
كانت هناك امرأة مصرية كرست أكثر من نصف قرن من حياتها للإجابة عن هذا السؤال.
أستاذتنا الفاضلة ليلى علي إبراهيم.
********************
باحثة... ومؤرخة... ومعلمة... وعاشقة للقاهرة...
وأحد الأسماء البارزة في دراسة العمارة والفنون الإسلامية، وبصفة خاصة القاهرة المملوكية.
وقد بلغ تعلقها بالقاهرة وتراثها أن المؤرخ المعماري ناصر رباط وصفها، في تأبين علمي منشور في Mamlūk Studies Review، بأنها كانت بمثابة «حارسة لآثار القاهرة» و«عرّابة» المدينة في أوساط دارسي الفن والعمارة المملوكية.
* وهنا...
تبدأ الحكاية.
ابنة رجلٍ صنع تاريخًا آخر
ولدت ليلى علي إبراهيم عام 1917، وهي ابنة الدكتور علي إبراهيم باشا، أحد رواد الطب الحديث في مصر وأول عميد مصري لكلية طب قصر العيني.
نشأت إذن في بيت علم وثقافة.
لكنها لم تختر الطب الذي صنع به والدها مجده.
اختارت طريقًا مختلفًا تمامًا:
أن تدرس ذاكرة مصر.
وكان لوالدها تأثير عميق في تكوينها؛ فقد كان مهتمًا بالفنون وجمع التحف، وخاصة السجاد الشرقي، وكان شديد الارتباط بالقاهرة.
ومن هذه البيئة نشأ لديها ذلك الحس المبكر تجاه:
الجمال... التفاصيل... الألوان... العمارة...
و القاهرة.
وتشير المصادر التي تناولت سيرتها إلى أنها تعرفت في شبابها إلى عدد من كبار المهتمين بعمارة القاهرة، ومن بينهم عالم العمارة الإسلامية البريطاني K. A. C. Creswell، الذي كرّس جانبًا كبيرًا من حياته لدراسة العمارة الإسلامية في مصر.
* لم تكن البداية من الجامعة:
وهنا واحدة من أجمل المفارقات في قصتها.
لم تبدأ ليلى إبراهيم حياتها كباحثة أكاديمية تقليدية.
بل بدأت علاقتها بالتراث من:
القاهرة نفسها.
كانت تنزل إلى أحياء القاهرة القديمة... إلى الجمالية... والدرب الأحمر...
وغيرهما من المناطق التي كانت تعج بالآثار الإسلامية.
فقد تطوعت لتعليم تلاميذ المدارس في تلك المناطق، وتحدثهم عن الآثار التي تحيط بهم.
وهنا تظهر فلسفتها مبكرًا:
إذا كان الطفل يعيش بجوار الأثر، فلماذا لا يعرف قيمته؟
فالأثر الذي لا يحبه الناس...
لن يستطيعوا حمايته طويلًا.
* القاهرة كانت مدرستها الأولى
كانت ليلى ترى القاهرة بعين مختلفة.
المؤرخ العادي قد يقرأ النص.
والمعماري قد يقرأ المبنى.
أما هي فكانت تحاول أن تقرأ:
النص والمبنى والإنسان معًا.
وهذا ما جعل اهتمامها لا يتوقف عند المساجد والمدارس والقصور الكبرى.
بل امتد إلى:
البيوت... العمارة السكنية... الممرات...
المناطق المتدهورة...
والمباني التي لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي.
وقد أكد ناصر رباط أن من أهم اهتماماتها البحثية العمارة السكنية في القاهرة المملوكية، إلى جانب دراستها لعدد من الآثار الأقل شهرة أو المهددة بالتدهور.
لماذا العمارة السكنية؟
وهذه نقطة تكشف عمق رؤيتها.
فالآثار التي تجذب السائح عادة هي:
المساجد الكبرى... المدارس... القصور...
الأضرحة...
لكن ماذا عن البيت الذي عاش فيه الإنسان العادي؟
ماذا عن شكل المنزل؟
كيف كان الناس يدخلون إليه؟
أين كانت غرفهم؟
كيف تعاملوا مع الحرارة والضوء والخصوصية؟
كيف كانت العلاقة بين البيت والشارع؟
هذه الأسئلة تكشف:
كيف كان المجتمع يعيش ؟؟؟
ولهذا كانت دراستها للعمارة السكنية المملوكية ذات قيمة كبيرة؛ لأنها لم تكن تدرس الحجر لذاته، وإنما كانت تحاول فهم الحياة التي صنعته واستعملته.
* أكثر من نصف قرن مع القاهرة
قد يكتب الباحث بحثًا...
ثم ينتقل إلى موضوع آخر.
لكن ليلى إبراهيم عاشت مع موضوعها طوال حياتها تقريبًا.
ويذكر ناصر رباط أنها أمضت أكثر من نصف قرن في دراسة عمارة القاهرة والتدريس والحديث عنها والدفاع عن آثارها.
نصف قرن!
أي أنها لم تكن تدرس القاهرة لفترة عابرة.
بل أصبحت القاهرة:
مشروع حياتها.
* أستاذة... ولكن من نوع مختلف:
درّست تاريخ القاهرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجعلت من المعرفة بالمدينة وسيلة لتكوين جيل جديد من المهتمين بتراثها.
وكان بابها مفتوحًا للباحثين المصريين والأجانب الذين يريدون دراسة القاهرة المملوكية، كما يذكر تأبينها الأكاديمي.
وهنا تتجلى قيمة الأستاذ الحقيقي.
ليس فقط في عدد طلابه...
بل في عدد الباحثين الذين:
ساعدهم على أن يروا ما لم يكونوا يرونه.
ولم تكن تحتكر المعرفة.
وهذه صفة جميلة جدًا في شخصيتها العلمية.
- كانت تساعد الباحثين...
- وتشارك معرفتها...
- وتوجه المهتمين...
- وتفتح أمامهم أبواب القاهرة القديمة.
- وكانت ترى أن التراث ليس ملكًا لباحث واحد.
بل:
ملك للأجيال.
ولهذا أصبح لها تأثير كبير في الباحثين الذين جاءوا بعدها.
* كتابات قليلة... لكنها عميقة:
قد يظن البعض أن قيمة العالم تقاس بعدد الكتب.
لكن ليلى إبراهيم تقدم لنا درسًا آخر.
فقد كانت كتاباتها محدودة نسبيًا من حيث العدد، لكنها ــ كما وصفها ناصر رباط ــ كانت دقيقة، محكمة البحث، واضحة الأسلوب، وتتناول أحيانًا موضوعات أهملها غيرها.
ومن أبرز اهتماماتها:
- العمارة السكنية المملوكية.
- المباني الأقل شهرة.
- المباني المتدهورة أو المهددة.
- المصطلحات الخاصة بالعمارة المملوكية.
* كتاب أصبح مرجعًا :
ومن أعمالها المهمة كتابها المشترك مع المؤرخ محمد محمد أمين حول مصطلحات العمارة المملوكية، المنشور عام 1990.
ويصفه ناصر رباط بأنه مصدر لا غنى عنه لدارسي القاهرة، لأنه جمع خبرتها الدقيقة بالمباني التاريخية مع المعرفة العميقة بالوثائق القانونية والتاريخية لدى محمد أمين.
وهنا حدث شيء مهم:
الحجر التقى بالوثيقة.
فالمبنى وحده يخبرنا بجزء من الحكاية.
والوثيقة تخبرنا بجزء آخر.
لكن عندما يجتمعان...
تكتمل الصورة.
ولم تكن مجرد باحثة
هناك فرق كبير بين:
من يدرس التراث...
ومن: يدافع عنه.
ليلى إبراهيم كانت من النوع الثاني.
فقد شاركت في جهود عديدة تهدف إلى حماية آثار القاهرة، وكانت تتحدث وتكتب وتشارك في المنظمات والأنشطة التي تدافع عن المدينة التاريخية.
كانت تعرف أن القاهرة القديمة ليست مجرد مجموعة آثار منفصلة.
إنها:
نسيج عمراني حي.
إذا فقدنا منه شارعًا... تأثر المبنى.
وإذا فقدنا البيت... تغيرت المنطقة.
وإذا تغيرت المنطقة... فقدت المدينة جزءًا من ذاكرتها.
وربما لا توجد شهادة علمية أقوى على مكانتها من ذلك الكتاب الذي صدر تكريمًا لها:
The Cairo Heritage: Essays in Honor of Laila Ali Ibrahim
صدر الكتاب عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2000، وضم عشرين بحثًا علميًا كتبها عدد من المتخصصين في تاريخ القاهرة وعمارتها وفنونها وتراثها العمراني.
وتناول الكتاب أربعة محاور كبرى:
تاريخ القاهرة... العمارة والتاريخ العمراني...
الفنون الزخرفية...
و
الحفاظ على التراث العمراني والمعماري.
تخيلوا...
باحثة تُكرَّم في حياتها بكتاب علمي كامل يشارك فيه هذا العدد من كبار الباحثين.
هذا ليس تكريمًا اجتماعيًا.
بل: تكريم علمي.
لماذا استحقت هذا التكريم؟
لأن تأثيرها لم يكن في كتاب واحد.
بل في:
البحث... والتدريس... والتوجيه... والحفاظ على الآثار... وتكوين الباحثين... والدفاع عن القاهرة.
ولهذا وصفت مراجعة علمية للكتاب ليلى إبراهيم بأنها من أكثر الشخصيات تأثيرًا في دراسات القاهرة، وأن تأثيرها امتد إلى التاريخ والفن والتعليم والحفاظ على التراث.
* كانت تحب القاهرة بلا ضجيج:
كانت تبتعد عن المناسبات الاجتماعية الاحتفالية، ولا تهتم إلا بالأعمال التي تراها بناءة ومفيدة.. وهذا يضيف جانبًا إنسانيًا مهمًا إلى شخصيتها.
لم تكن تبحث عن: الأضواء.
بل عن: القيمة.
ولم تكن تريد أن يعرف الناس اسمها بقدر ما كانت تريدهم أن يعرفوا:
القاهرة.
وهذا هو الفارق بين الشهرة والأثر
الشهرة تقول:
«انظروا إليّ.»
أما الأثر الحقيقي فيقول:
«انظروا إلى ما أحببت وحافظوا عليه.»
وليلى إبراهيم اختارت الطريق الثاني.
* القاهرة التي لم تعد موجودة:
ربما كانت ترى شيئًا لا نراه اليوم.
كانت تعرف القاهرة القديمة قبل أن تتغير أجزاء كثيرة منها.
رأت مبانيها... وشوارعها... وتفاصيلها...وسكانها...
وعرفت كيف تتغير المدينة بمرور الزمن.
ولهذا كانت كتاباتها وشهاداتها ذات قيمة خاصة.
فهي لم تكن تدرس القاهرة من صور قديمة فقط.
بل:
- عاشت القاهرة.
- حارسة القاهرة
ولهذا أجد لقب:
«حارسة القاهرة»
*************
مناسبًا جدًا كعنوان أدبي لسيادتها...
لكن علينا أن نوضح أنه وصف تكريمي وليس منصبًا رسميًا؛ وهو قريب من الوصف الذي استخدمه ناصر رباط حين وصفها بحارسة آثار المدينة و«عرّابتها» في الوسط العلمي.
* المرأة التي علمتنا أن نرى
قد يمشي ألف شخص في شارع من شوارع القاهرة القديمة.
لكن ربما واحد فقط يرفع عينيه ويسأل:
- لماذا صُمم هذا البيت بهذه الطريقة؟
- لماذا هذا المدخل؟
- لماذا هذه النافذة؟
- لماذا هذا الحجر؟
- ماذا كان هنا منذ مئات السنين؟
هذا السؤال البسيط...
- هو بداية علم الآثار.
- وبداية التاريخ.
- وبداية الحفاظ.
- وبداية الحب.
* أثرها الأكبر... الإنسان:
" قد تختفي بعض المباني".
و" قد تتغير بعض الشوارع" .
و" قد تتبدل الخرائط" .
لكن الباحث الذي علم أجيالًا كيف ترى المدينة...
يبقى أثره.
وهذا هو أجمل ما في تجربة ليلى علي إبراهيم.
فهي لم تكتفِ بأن تحفظ المعلومات.
بل ساعدت في:
صناعة ذاكرة علمية للقاهرة.
* كلمة من القلب:
أستاذتنا الفاضلة ليلى علي إبراهيم...
لم تختاري أسهل الطرق.
فكان من السهل أن تدرسي الآثار من بعيد...
لكنّك اقتربتِ.
وكان من السهل أن تكتبي عن القاهرة...
لكنّك عشتِها.
وكان من السهل أن تتحدثي عن التراث...
لكنّك دافعتِ عنه.
وكان من السهل أن تحتفظي بعلمك لنفسك...
لكنّك فتحْتِ أبواب معرفتك للباحثين والطلاب.
ولهذا بقي اسمك.
ليس لأنك أردتِ أن يبقى...
بل لأن:
القاهرة نفسها احتفظت بك في ذاكرتها. |