الخميس, 5 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الأستاذ الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف... من بين الآثار بدأ الطريق... وبالعلم والأخلاق اتسعت الرسالة
(٤٣)

الأستاذ الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف... من بين الآثار بدأ الطريق... وبالعلم والأخلاق اتسعت الرسالة
(٤٣)
عدد : 11-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


هناك رجالٌ لا يكتفون بقراءة التاريخ، بل ينزلون إلى مواقعه، ويعملون بين جدرانه، ويحملون مسؤولية الحفاظ على شواهده؛ ثم يعودون إلى قاعات الجامعة ليمنحوا الأجيال الجديدة خلاصة ما تعلموه من الميدان.
ومن هؤلاء: الأستاذ الدكتور العميد / محمد أحمد عبد اللطيف
********************

أستاذ الآثار الإسلامية والقبطية بقسم الإرشاد السياحي بكلية السياحة والفنادق، جامعة المنصورة، الذي جمع في مسيرته بين العمل الأثري الميداني، والبحث العلمي، والمسؤولية الإدارية، والتدريس الجامعي.

لكن ما يجعلنا نتوقف أمام هذه الشخصية ليس تعدد المناصب وحده، ولا كثرة الأعمال التي ارتبط بها اسمه؛ بل ذلك الجانب الإنساني الذي يظل، في نهاية المطاف، أعمق ما يبقى في ذاكرة زملاء العمل وأصدقاء الرحلة.

*من سوهاج... جذور طيبة وبداية الطريق:

وُلد الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف في محافظة سوهاج عام 1969، ونشأ في أسرة صعيدية عُرفت بمكانتها الدينية؛ فوالده، الشيخ أحمد عبد اللطيف إبراهيم، كان من رجال الدين، وقد نشرت الأهرام عنه حديثًا تناول أثر هذه النشأة في تكوينه.

وليس من الإنصاف أن ننسب كل صفة في شخصية الإنسان إلى نشأته وحدها، لكن البيئة التي يتربى فيها تظل أحد روافد تكوينه، بما تغرسه من قيم، وما تتيحه من نماذج، وما تمنحه من تصور عن المسؤولية واحترام الآخرين.
وفي حالة الدكتور محمد عبد اللطيف، تبدو هذه الخلفية جزءًا مهمًا من حكايته؛ حكاية رجل اتجه إلى الآثار، فجمع بين المعرفة التاريخية والعمل الميداني، ثم حمل خبرته إلى الجامعة وإلى مواقع المسؤولية.

" الآثار... مهنة بدأت من الميدان"

* لم تكن رحلته إلى عالم الآثار مجرد اختيار أكاديمي؛ فقد بدأ العمل مفتشًا للآثار عام 1991، في وقت كانت فيه الخبرة الميدانية هي الباب الذي يعبر منه الأثري إلى فهم المواقع والمعالم، والتعامل مع ما تفرضه من مسؤوليات عملية وعلمية.

وتدرج في مواقع العمل الأثري، من التفتيش على الآثار الإسلامية والقبطية إلى مسؤوليات إدارية وفنية، وصولًا إلى العمل في الإدارة العامة للبعثات الأجنبية واللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية.

وخلال هذه المسيرة، شارك في الإشراف على أعمال ترميم مسجد الناصر محمد بن قلاوون ومسجد أبي بكر مزهر بشارع المعز، كما ارتبط عمله بمنطقة صحراء المماليك وبمشروعات أثرية أخرى في القاهرة وخارجها.

* وهذه التجارب لا تعني مجرد الانتقال من موقع إلى آخر؛ فكل مسجد تاريخي يفرض أسئلة مختلفة، وكل مبنى أثري يحتاج إلى فهم تاريخه وخصائصه، وكل مشروع ترميم يذكّرنا بأن الحفاظ على التراث مسؤولية لا تحتمل الاكتفاء بالانطباعات أو الحلول السريعة.

فالأثري الجيد لا يرى المبنى جدرانًا فقط، بل يقرأ ما تحمله عناصره من معلومات، وما شهدته من تحولات، وما تحتاج إليه من دراسة وعناية.

"القاهرة التاريخية... حين يصبح الحفاظ على التراث مسؤولية عامة"

* من المحطات المهمة في مسيرته مشاركته في الإعداد لمشروع القاهرة التاريخية، إلى جانب إسهامه في أعمال ارتبطت بترميم وتطوير متحف قصر محمد علي باشا بشبرا.

وهنا يلتقي الجانب العلمي بالمسؤولية العامة؛ فالقاهرة التاريخية ليست مجموعة من المباني المنفصلة، وإنما نسيج عمراني متكامل، تتجاور فيه المساجد والمدارس والبيوت والأسواق والمنشآت التاريخية، وتحمل شوارعه طبقات متعاقبة من تاريخ مصر.

أما قصر محمد علي باشا بشبرا، فهو شاهد على جانب من تاريخ العمارة والقصور في مصر الحديثة، وتطويره لا يقتصر على تحسين مظهره، بل يتطلب فهم قيمته التاريخية والمعمارية والحفاظ على عناصره ذات الدلالة.

* ومن هنا تأتي أهمية مشاركة المتخصصين في هذه المشروعات؛ لأن كل قرار يتعلق بأثر تاريخي ينبغي أن يستند إلى دراسة، وأن يراعي أصالة المبنى، وأن يوازن بين متطلبات الحفاظ عليه واحتياجات إتاحته للزائرين.

"من الإدارة الأثرية إلى رئاسة القطاع"

في يناير 2015، صدر قرار بتعيين الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف رئيسًا لقطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، خلفًا للدكتور محمد فوزي الذي بلغ السن القانونية للتقاعد.

وكانت هذه المسؤولية امتدادًا لخبرة سابقة في التفتيش والعمل الفني واللجان المتخصصة والبعثات الأثرية.

وقد تولى القطاع في مرحلة تتطلب تنسيقًا بين أعمال الصيانة والترميم، ومتابعة المواقع الأثرية، والتعامل مع الملفات الإدارية والفنية المتعددة التي تتصل بحماية التراث الإسلامي والقبطي.

وفي عام 2017، عُيّن مساعدًا لوزير الآثار لشؤون المناطق الأثرية، وهي مسؤولية أخرى ارتبطت بمتابعة تنفيذ سياسات الوزارة الخاصة بالمناطق الأثرية وتطويرها وتحسين الخدمات بها.

وهكذا انتقلت خبرته من الموقع الأثري إلى الإدارة، ومن تفاصيل العمل الميداني إلى مسؤوليات أوسع تتطلب رؤية شاملة وتنسيقًا بين فرق العمل والقطاعات المختلفة.

"الباحث الذي لم يتوقف عند حدود الوظيفة"
* لم تكن المسؤوليات الإدارية نهاية الطريق العلمي؛ فقد قدم الدكتور محمد عبد اللطيف أبحاثًا في مجال الآثار الإسلامية والقبطية، وشارك في مؤتمرات علمية داخل مصر وخارجها، كما ارتبط اسمه بعدد من المؤلفات والدراسات المتخصصة.
ومن أبرز الأعمال التي تسجلها سيرته العلمية:
- موسوعة المآذن العثمانية، في مجلدين.
- أبرز المعالم الأثرية الإسلامية والمسيحية في مصر والعالم.
- المدن والقرى المصرية في البرديات العربية.
- الجيش والأسطول المصري في العصر الإسلامي.
وتكشف هذه العناوين عن تنوع اهتماماته؛ من العمارة الدينية إلى المعالم الأثرية، ومن الوثائق والبرديات إلى التاريخ العسكري والحضاري.

* كما حصل على منح دراسية متخصصة، واستفاد من فرص علمية في جامعات ومؤسسات بحثية خارج مصر، من بينها جامعة ليدن بهولندا وجامعة هايدلبرج بألمانيا.

* إن قيمة الباحث لا تكمن في عدد ما ينشره فحسب، بل في قدرته على إضافة معرفة جديدة، وتقديم المعلومة في إطار علمي، وربط الشاهد الأثري بسياقه التاريخي والحضاري.

"من الميدان إلى الجامعة... بناء الإنسان قبل بناء المعرفة"

في عام 2007 انتقل إلى العمل الأكاديمي بجامعة المنصورة، حيث تدرج في مسؤوليات جامعية متعددة، شملت إدارة وحدة ضمان الجودة، ورئاسة قسم الإرشاد السياحي، والعمل وكيلًا للكلية في أكثر من اختصاص، قبل توليه عمادة كلية السياحة والفنادق.
وفي الجامعة تتسع مسؤولية المتخصص؛ فهو لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يسهم في إعداد من سيحملونها إلى المستقبل.
فالطالب الذي يتعلم كيف يقرأ الموقع الأثري قراءة صحيحة، وكيف يتحقق من المعلومة، وكيف يحترم الدليل قبل إصدار الحكم، لا يتلقى معلومات فحسب؛ بل يتعلم منهجًا في التفكير والعمل.

* وهنا تلتقي الخبرة الميدانية بالتدريس الجامعي: فالميدان يمنح الباحث التجربة، والبحث يمنحه أدوات التحليل، والتدريس يتيح له نقل ما تعلمه إلى أجيال جديدة.

* وقد نال الدكتور محمد عبد اللطيف جوائز أكاديمية، من بينها جائزة التميز العلمي الأكاديمي عام 2011 وجائزة جامعة المنصورة التشجيعية في العلوم الإنسانية عام 2012، وفق ما نشرته الجامعة في سيرته المهنية.

" أما الإنسان... فله حكاية أخرى"

الدكتور محمد عبد اللطيف من خلال العمل والعلاقات المهنية، يشهد له الجميع بحسن الخلق واللباقة والنشاط والود مع زملائه، سواء في مجال الآثار أو في المجال السياحي.

وهذه شهادة تستحق أن تُذكر؛ لأنها تأتي من شخص عرف طبيعة العمل الأثري، وعرف ما تتطلبه المهنة من صبر وتعاون واحترام متبادل.

* فالعمل في الآثار يجمع أشخاصًا من تخصصات متعددة، وقد تختلف وجهات النظر في تقدير بعض المسائل الفنية أو في ترتيب الأولويات، لكن ما يصنع الفرق في النهاية هو القدرة على الحوار، وحسن إدارة الاختلاف، واحترام الخبرة، والحرص على المصلحة العامة.

فإن الدكتور محمد عبد اللطيف يتميز بالود في التعامل، وبالقدرة على التواصل مع زملائه، وبالحضور الذي يجمع بين الكفاءة المهنية وحسن المعاملة.

وهنا تظهر قيمة الأخلاق في الحياة العملية؛ فهي ليست أمرًا منفصلًا عن الإنجاز، بل عنصر يساعد على بناء الثقة، ويمنح التعاون فرصة أكبر للنجاح.

وقد تتغير المناصب، وتنتهي المسؤوليات، وتتبدل المواقع، لكن المواقف الطيبة تظل حاضرة في ذاكرة من شاركوا الإنسان رحلته.

لماذا يستحق أن يكون ضمن شخصيات صنعت أثرًا؟

لأن سيرته تجمع بين أكثر من مسار: العمل الميداني ... والبحث العلمي ... والإدارة الأثرية ... والتعليم الجامعي ...
ولأنه عمل في مواقع ومشروعات ترتبط بتراث مصر، وأسهم في ملفات تتصل بالآثار الإسلامية والقبطية، ثم انتقل بخبرته إلى الجامعة، حيث تتواصل مسؤولية التعليم والتأهيل.

ولأن الإنسان، كما تعلمنا تجارب الحياة، لا يُقاس بمنصبه وحده، بل بما يقدمه من معرفة، وبما يتحمله من مسؤولية، وبالطريقة التي يعامل بها الآخرين.

إننا حين نكتب عن هذه الشخصية، لا نكتب سجلًا وظيفيًا باردًا، وإنما نحاول أن نرى العلاقة بين العلم والعمل، وبين المسؤولية والأخلاق، وبين ما ينجزه الإنسان في حياته وما يتركه في ذاكرة من عرفوه.

كلمة وفاء

الأستاذ الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف،
تحية تقدير لمسيرة بدأت من العمل الأثري الميداني، وامتدت إلى البحث العلمي والإدارة الجامعية، وظلت مرتبطة بتراث مصر وتاريخها.

وتحية تقدير كذلك لما يشهد به زملاؤك ومحبوك من دماثة الخلق، وحسن التعامل، والود الذي يجعل العلاقة الإنسانية أوسع من حدود الوظيفة.

ونسأل الله أن يبارك في علمك وعملك، وأن يوفقك إلى مزيد من العطاء في خدمة الآثار والسياحة والتعليم، وأن يجعل ما قدمته من جهد نافع في ميزان حسناتك.

فالأثر الحقيقي ليس فقط ما ننجح في الحفاظ عليه من حجارة التاريخ، بل ما نزرعه في الإنسان من علم، وما نتركه في القلوب من احترام ومحبة.
 
 
الصور :