الخميس, 5 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الأستاذ الدكتور محمد مصطفى نجيب...حين يقرأ عالم الآثار العمارةَ بوصفها وثيقةً تتكلم
(٤١)

الأستاذ الدكتور محمد مصطفى نجيب...حين يقرأ عالم الآثار العمارةَ بوصفها وثيقةً تتكلم
(٤١)
عدد : 11-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


هناك علماء يكتبون عن الآثار... وهناك علماء يجعلون الأثر نفسه يكتب التاريخ.
وبين هؤلاء وهؤلاء يقف اسمٌ علمي بارز من أعلام الآثار والعمارة الإسلامية في مصر؛ الأستاذ الدكتور محمد مصطفى نجيب، أستاذ العمارة الإسلامية بكلية الآثار – جامعة القاهرة، الذي امتدت مسيرته العلمية عبر عقود طويلة، تاركًا وراءه دراسات أصبحت مراجع للباحثين في العمارة الإسلامية، ولا سيما عمائر القاهرة المملوكية والعثمانية.
لم يكن الأثر عنده مجرد مبنى جميل، ولا مجرد واجهة مزخرفة، ولا مجموعة من الأحجار القديمة؛ بل كان وثيقةً تاريخية ومعمارية وإنشائية، يستطيع الباحث أن يقرأ في جدرانها حركة المجتمع، ووظيفة المكان، وتطور الفكر المعماري، وتبدل العصور.

* ومن هنا جاءت قيمة تجربته العلمية.

من خاير بك إلى مدرسة قرقماس... بداية الطريق
من العلامات المبكرة في مسيرته العلمية دراسته:
«مسجد خاير بك – دراسة معمارية وأثرية»، التي ارتبطت برسالته للماجستير بجامعة القاهرة سنة 1968م.
وكان اختيار هذا الأثر تحديدًا مدخلًا إلى عالم العمارة المملوكية الجركسية، بما تحمله عمائر القاهرة من تعقيدات تاريخية وفنية وإنشائية.

* ثم جاءت مرحلة الدكتوراه، وكانت حول واحد من أبرز مجمعات القاهرة المملوكية:
«مدرسة الأمير كبير قرقماس وملحقاتها – دراسة أثرية معمارية»، سنة 1975م.
وهنا لم يعد الباحث يدرس مبنى منفردًا، وإنما يتعامل مع منظومة معمارية متكاملة؛ مدرسة، ومنشآت ملحقة، وتكوين معماري يعكس عصرًا من أكثر عصور القاهرة ثراءً في فن العمارة الإسلامية.

* وهكذا أخذ اسم محمد مصطفى نجيب مكانه تدريجيًا بين المتخصصين في دراسة العمارة الإسلامية.
العمارة المملوكية... حين يتحول الحجر إلى لغة
كان للعمارة المملوكية حضور كبير في مشروعه العلمي.
فقد درس عناصرها، وتكويناتها، وتطوراتها، ولم يتوقف عند الوصف الظاهري، وإنما حاول الكشف عن الفكر الذي أنتج العمارة.

* ومن أعماله التي ارتبطت بهذا المجال دراساته حول العمارة في عصر المماليك، وهي أعمال ظلت حاضرة في الدراسات الأكاديمية التي تناولت العمائر المملوكية وعناصرها المعمارية.
وهنا تظهر إحدى سمات منهجه:

لم يكن يسأل فقط: ماذا نرى؟
بل كان يسأل أيضًا: لماذا بُني بهذا الشكل؟ وكيف نشأ هذا الحل المعماري؟ وما الذي أراد المعمار أن يحققه؟
وهذه هي المسافة بين وصف الأثر وفهم الأثر.

الأقبية والمروحات... هندسةٌ تختبئ داخل الفن
ومن المجالات اللافتة في إنتاجه العلمي اهتمامه بالأقبية، ولا سيما الأقبية المروحية، وما ارتبط بها من تطور في الفكر المعماري.
فقد تناول هذا الموضوع في دراسات وكتب متخصصة، وارتبط اسمه ببحث الفكر المعماري لابتكار المروحات والقبو المروحي.
وهنا نكتشف جانبًا بالغ الأهمية في شخصيته العلمية.
فهو لم ينظر إلى العمارة الإسلامية باعتبارها تاريخًا للفنون والزخارف فقط، وإنما رأى فيها كذلك تاريخًا للفكر الهندسي والإبداع الإنشائي.
فالقبو ليس مجرد شكل جميل...
والمروحة ليست مجرد زخرفة...
وراء كل عنصر منهما عقلٌ هندسي يبحث عن الحل، ومعمارٌ يوازن بين الوظيفة والجمال والاستقرار.

* وهكذا كان محمد مصطفى نجيب يفتح للباحث بابًا آخر لقراءة العمارة الإسلامية؛ بابًا يجمع بين الأثر والفن والهندسة والتاريخ.
دار الضرب بالقلعة... عندما يصبح المبنى سجلًا اقتصاديًا
ومن الدراسات المهمة في تجربته العلمية دراسته لـ:
«دار الضرب بالقلعة – دراسة أثرية معمارية».
وهي دراسة تكشف كيف يمكن لمبنى واحد أن يحمل بين جدرانه طبقات متتابعة من تاريخ مصر.
فقد كشفت الدراسة عن مراحل متعددة في تطور دار الضرب، شملت مرحلة مملوكية جركسية، ثم مرحلة عثمانية، ثم مرحلة ارتبطت بعصر محمد علي وأسرته.
كما ارتبطت المنشأة بعناصر ذات طبيعة صناعية مباشرة؛ من أفران سبك المعادن، إلى أحواض التبريد، ومصاطب العمل، وجرن القص، وسندان الطرق.

* وهنا تتحول العمارة إلى شيء أكبر من مجرد عمارة.
إنها تصبح وثيقة عن الدولة والاقتصاد والصناعة والحرفة والنظام النقدي.
وهذا هو جمال علم الآثار حين يخرج من حدود الحجر إلى حياة الإنسان.
من المبنى إلى الإنسان
ولم تتوقف اهتماماته عند العمائر الدينية أو المنشآت الرسمية.
فقد تناول كذلك الدور والقصور والمنشآت السكنية، ومن بينها دراسة دار خوند شقرا، مع بحث المكونات المعمارية للدور والقصور القاهرية خلال العصرين المملوكي والعثماني.
وكان هذا الاتجاه مهمًا؛ لأن تاريخ المدن لا تصنعه المساجد والمدارس وحدها.
فالبيت أيضًا وثيقة ... والقصر وثيقة...
والدرب وثيقة. والسوق وثيقة...
وكل حجر في مدينة القاهرة القديمة يمكن أن يحمل جزءًا من حكاية المجتمع الذي عاش فيه.

* علم الآثار... ليس وصفًا للماضي فقط:
ومن الجوانب التي تمنح تجربته أهمية خاصة اهتمامه بقضايا الحفاظ على العمائر الإسلامية.
فقد تناول في أحد أبحاثه قضية نقل العمائر الأثرية الإسلامية بالقاهرة، في إطار البحث عن الوسائل المناسبة للحفاظ عليها وتهيئة البيئة الأثرية الملائمة لها.
وهنا يقترب فكر المؤرخ الأثري من فلسفة الترميم.
فالأثر لا يكفي أن نعرف تاريخه...
بل علينا أن نعرف كيف نحميه من المستقبل.
وهذه الفكرة تحديدًا تجعل أعمال العلماء الذين جمعوا بين الدراسة الأثرية وقضايا الحفاظ ذات قيمة خاصة بالنسبة للأجيال الجديدة من المرممين والباحثين.

* الأستاذ الذي لم يكتفِ بتأليف الكتب:
لم يكن أثر الدكتور محمد مصطفى نجيب محصورًا في الكتب والأبحاث.
فقد شارك في الإشراف على رسائل علمية، وخرج من تحت مظلة المدرسة العلمية التي يمثلها باحثون وطلاب درسوا العمارة والآثار الإسلامية.
ومن الشواهد على ذلك إشرافه على دراسات جامعية في العمارة والآثار الإسلامية، ومنها أبحاث تناولت الأربطة الباقية بالقاهرة في العصر المملوكي وغيرها من موضوعات التراث المعماري.
وهكذا أصبح تأثير الأستاذ لا يُقاس فقط بعدد الصفحات التي كتبها، وإنما أيضًا بعدد العقول التي ساعدها على أن ترى الأثر بصورة أكثر عمقًا.

* وهذه هي أعظم قيمة للأستاذ الحقيقي:
أن ينتهي عمره...
وتستمر طريقته في التفكير داخل تلاميذه.

* مدرسة علمية تحمل اسم صاحبها:
حين نستعيد مسيرة محمد مصطفى نجيب، نجد أننا أمام عالم جمع بين أكثر من دائرة:
الآثار الإسلامية... العمارة المملوكية...
العمارة العثمانية... الفكر المعماري...
الدراسة الإنشائية... التوثيق التاريخي...
وقضايا الحفاظ على التراث.
ولهذا فإن الحديث عنه ليس حديثًا عن مؤرخ للعمارة فحسب.
إنه حديث عن باحث كان يرى في العمارة لغةً لها قواعدها، وفي الأثر وثيقةً لها ذاكرة، وفي الحجر شاهدًا لا ينبغي أن نخسره.

وفي الخامس من أبريل... صمت صوتٌ وبقي الأثر
في فجر الجمعة 5 أبريل 2019م رحل الأستاذ الدكتور محمد مصطفى نجيب.
ورحل الجسد...
لكن الكتب لا ترحل.
والأبحاث لا تدفن.
والأجيال التي تعلمت على أيدي أصحاب العلم تحمل شيئًا من أصواتهم إلى المستقبل.
وهكذا تبقى قيمة العالم الحقيقي؛
أن يترك وراءه علمًا يستطيع الآخرون أن يكملوا من حيث توقف.

كلمة وفاء
رحم الله الأستاذ الدكتور محمد مصطفى نجيب؛
ذلك العالم الذي أمضى جانبًا كبيرًا من حياته بين صفحات الكتب، وخرائط العمائر، وتفاصيل الحجر، وتاريخ القاهرة الإسلامية.

رحم الله رجلًا جعل من دراسة العمارة وسيلةً لفهم الإنسان، ومن الأثر طريقًا إلى قراءة التاريخ.
لقد ترك لنا درسًا لا يقل أهمية عن كتبه وأبحاثه:
أن الحضارة لا تُحفظ بالحديث عنها فقط، وإنما بفهمها أولًا، وتوثيقها ثانيًا، وصونها للأجيال القادمة.
وفي سجل مصر الطويل، ستظل أسماء أمثال محمد مصطفى نجيب جزءًا من ذلك الجسر الهادئ الذي يصل علماء الأمس بباحثي اليوم، وحجارة الماضي بوعي المستقبل.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه من علم في ميزان حسناته، وأن يظل علمه نافعًا لكل باحث يفتح كتابًا من كتبه، أو يقف أمام أثرٍ من آثار القاهرة، فيسأل نفسه:
كيف استطاع هذا الحجر أن يحفظ كل هذا التاريخ؟
وهنا...
ربما يكون صوت العالم الراحل ما زال يجيبنا:
اقرأ الأثر جيدًا... فالحجر لا يصمت، وإنما نحن الذين لم نتعلم بعد كيف نصغي إليه.
 
 
الصور :