كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
ليست كل الشخصيات التي صنعت تاريخ مصر قد حملت معاول البناء، أو وضعت أحجار المعابد والمساجد، أو نقشت أسماءها على جدران الآثار؛ فثمة رجال كان دورهم أن يحموا ما بناه الأجداد، وأن يصونوا ما تركته الحضارة من شواهد، وأن يقفوا بالعلم والخبرة أمام كل ما قد يهدد ذاكرة الوطن ومن هؤلاء يأتي:
٠ الأستاذ الدكتور عبد الله كامل موسى
********************
أحد المتخصصين في الآثار الإسلامية والقبطية، الذي جمع بين العمل الأكاديمي وتربية الأجيال الجامعية، وبين المسؤولية الإدارية في المجلس الأعلى للآثار، حين تولى رئاسة قطاع الآثار الإسلامية والقبطية في مرحلة مهمة من تاريخ العمل الأثري المصري.
★ إنها سيرة تستحق أن تُروى؛ ليس لمجرد تقلد المناصب، وإنما لما تكشف عنه من طبيعة المسؤولية التي تقع على عاتق من يتولى حماية تراث يمتد عبر قرون، ويضم بين جنباته صفحات متعاقبة من تاريخ مصر وهويتها الحضارية.
* أولًا: عالم يحمل التاريخ إلى الأجيال:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
في رحاب الجامعة، لا تقتصر رسالة الأستاذ الجامعي على شرح المعلومة أو تدريس المقرر، بل تتجاوز ذلك إلى تكوين العقل، وصقل أدوات البحث، وغرس احترام التراث في نفوس الطلاب.
وقد ارتبط اسم الدكتور عبد الله كامل موسى بالتدريس الجامعي في مجال الآثار الإسلامية والقبطية، كما شغل منصب عميد كلية الآثار بقنا، التابعة لجامعة جنوب الوادي، في مسيرته الأكاديمية.
وهنا تتجلى أهمية دوره؛ فالآثار الإسلامية والقبطية ليست مجرد مبانٍ قديمة أو زخارف بديعة، بل هي وثائق مادية تسجل تطور العمارة والفنون، وتحكي عن أنماط الحياة والعقائد والمؤسسات، وتكشف عن قدرة المصريين على الإبداع عبر عصور مختلفة.
ومن يتخصص في هذا المجال يدرك أن قراءة الأثر تحتاج إلى معرفة دقيقة بالتاريخ والعمارة والفنون والنقوش، فضلًا عن فهم السياق الذي نشأ فيه الأثر، والتغيرات التي طرأت عليه عبر الزمن.
ولذلك فإن تعليم الآثار ليس نقلًا للمعلومات فحسب، بل هو تدريب للأجيال على قراءة الشواهد، والتمييز بين الحقيقة التاريخية والانطباع الشخصي، وإدراك أن الحفاظ على الأثر يبدأ أولًا بفهم قيمته.
ثانيًا: من قاعات الجامعة إلى مسؤولية القيادة الأثرية:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، تولى الدكتور عبد الله كامل موسى رئاسة قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار، خلال فترة تُقدَّر بنحو عام 2004 إلى 2007، وفق المعلوماتى المتاحة التي أحتاج إلى مزيد من التوثيق الرسمي لتحديد بدايتها ونهايتها بدقة.
وكانت هذه المسؤولية تضعه أمام ملف بالغ الاتساع والتنوع؛ فمصر تمتلك ثروة هائلة من المساجد التاريخية، والمدارس والمآذن والأسبلة، والقصور والمنشآت المدنية، إلى جانب الكنائس والأديرة والمواقع القبطية التي تمثل حلقات أساسية في تاريخ البلاد.
ولم يكن قطاع الآثار الإسلامية والقبطية جهة هندسية تنفذ أعمال البناء والترميم بنفسها؛ بل كانت له مسؤوليات أثرية وفنية ورقابية، تتصل بمتابعة حالة الآثار، وإبداء الرأي المتخصص، ومراجعة أعمال التدخل في المباني التاريخية، والتنسيق مع الجهات التنفيذية المختصة.
أما تنفيذ مشروعات الترميم والأعمال الهندسية، فكان يدخل في اختصاص قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، الذي كان يرأسه في تلك المرحلة اللواء المهندس عصام السعيد .
وهذا التمييز مهم لفهم طبيعة العمل المؤسسي؛ فنجاح مشروع ترميم أثر تاريخي لا يتوقف على المهارة الهندسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة أثرية دقيقة تحدد ما يجوز التدخل فيه، وما ينبغي الحفاظ عليه، وكيفية صون أصالة المبنى وملامحه التاريخية.
وهكذا تبرز قيمة التنسيق بين العالم الأثري والمهندس المتخصص؛ فالأول يحمي الهوية التاريخية، والثاني يتولى الجوانب التنفيذية والهندسية، وتتكامل المسؤوليتان في سبيل إنقاذ الأثر وصيانته.
ثالثًا: ترميم الآثار... معركة العلم ضد عوامل الزمن:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
إن المبنى الأثري ليس مجرد جدران يمكن إصلاحها بمواد حديثة، ولا كتلة حجرية يمكن تجديدها كلما أصابها التلف؛ إنه كيان تاريخي يحمل في مادته الأصلية شواهد لا تتكرر.
فالحجر القديم قد يحمل آثار أدوات البناء الأولى، والمونة التاريخية قد تكشف عن تقنيات التشييد، والزخرفة قد تسجل مرحلة فنية بعينها، بينما تستطيع النقوش والكتابات أن تقدم معلومات لا تتوافر في أي مصدر آخر.
ومن هنا تأتي أهمية دور قطاع الآثار الإسلامية والقبطية في مراجعة مشروعات الترميم ومتابعتها من الناحية الأثرية، بالتنسيق مع قطاع المشروعات والجهات المختصة.
وخلال تولي الدكتور عبد الله كامل رئاسة القطاع، كانت هذه المسؤوليات جزءًا من طبيعة المنصب، بما يشمل التعامل مع اللجان الأثرية والإجراءات الفنية اللازمة لصيانة المباني التاريخية.
غير أن الإنصاف العلمي يقتضي التمييز بين المسؤولية العامة التي يفرضها المنصب، وبين مشروع بعينه يمكن إثبات أنه أشرف عليه شخصيًا أو اتخذ قرارًا محددًا بشأنه.
فالتاريخ لا يكتفي بذكر أن مسؤولًا كان موجودًا في موقعه؛ بل يسعى إلى معرفة ما فعله، وما القرارات التي اتخذها، وما النتائج التي ترتبت على عمله.
رابعًا: الجامع الأزهر... حين تصبح أصالة الأثر موضع نقاش:
""""""”""""""”""""""""""""""""""
ليس هناك ما يوضح حساسية العمل الأثري أكثر من مشروعات التدخل في المباني التاريخية الكبرى، وفي مقدمتها الجامع الأزهر، أحد أهم المعالم الدينية والمعمارية في تاريخ القاهرة.
فقد ارتبط اسم الدكتور عبد الله كامل موسى بنقاش مهني حول أعمال ترميم الجامع الأزهر، إذ نقلت عنه صحيفة «اليوم السابع» في تقرير منشور في ديسمبر 2010 موقفًا ينتقد استبعاد المجلس الأعلى للآثار من مراحل الترميم التي نفذتها وزارة الإسكان في عهد الوزير محمد إبراهيم سليمان.
وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من القضية التي تثيرها: من الجهة التي ينبغي أن تتولى الإشراف الأثري على التدخل في مبنى تاريخي بهذا الحجم والقيمة؟ وكيف يمكن ضمان ألا تؤدي الأعمال الهندسية، مهما حسنت النوايا، إلى تغيير عناصر أصيلة أو الإضرار بالهوية المعمارية للأثر؟
إن صيانة المباني التاريخية تتطلب احترامًا دقيقًا لقواعد الترميم، وتعاونًا بين الجهات التنفيذية والخبراء الأثريين، وتوثيقًا لما يُنفذ من أعمال؛ لأن الحفاظ على الأثر لا يعني تجديد مظهره فحسب، بل يعني صون أصالته التاريخية والمادية.
★ ومن هنا يمكن قراءة هذا الموقف بوصفه جزءًا من النقاش الأوسع حول حدود الاختصاص ومسؤولية المؤسسات في حماية التراث.
خامسًا: قلعة صلاح الدين... التراث في مواجهة تحديات المدينة:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
وفي قلب القاهرة التاريخية، تقف قلعة صلاح الدين الأيوبي شاهدًا على صفحات من التاريخ العسكري والسياسي والمعماري لمصر.
ولا تنحصر قيمة القلعة في أسوارها وأبراجها ومنشآتها الداخلية؛ فهي جزء من نسيج تاريخي أوسع، تتصل به المساجد والمنشآت الأثرية ومشاهد القاهرة التاريخية، بما يجعل الحفاظ على محيطها العمراني أمرًا بالغ الأهمية.
وقد تناولت تحقيقات صحفية، منها تحقيق نشرته مؤسسة «أريج» حول التحديات التي تواجه القلعة، قضايا حماية المناطق الأثرية من آثار المشروعات العمرانية والتدخلات التي قد تؤثر في سلامتها أو في المشهد التاريخي المحيط بها.
ويأتي هذا الملف في صميم طبيعة المسؤولية الأثرية؛ إذ لا يكفي أن نحافظ على المبنى التاريخي وحده، بينما يتغير محيطه على نحو يفقده جانبًا من قيمته البصرية أو التاريخية.
ومع ذلك، ينبغي عند توثيق موقف الدكتور عبد الله كامل موسى من هذا الملف تحديد التصريح أو الإجراء الذي صدر عنه شخصيًا، حتى لا ننسب إليه قرارات أو تدابير لم تثبتها الوثائق المنشورة بصورة قاطعة.
فحماية القلعة وما يحيط بها ليست مسألة هندسية فقط، بل قضية تتصل بذاكرة المدينة وحق الأجيال المقبلة في رؤية القاهرة التاريخية وفهمها كما تشكلت عبر القرون.
سادسًا: دينار ذهبي من زمن صلاح الدين... حين تتكلم النقود:
""""""""""""""""""""""""""""""""
ومن المحطات التي ارتبطت باسم الدكتور عبد الله كامل موسى خبر أثري لافت نشرته الجزيرة نت في 2 يونيو 2006، بشأن العثور على دينار ذهبي يعود إلى العصر الأيوبي، في منطقة تل الشيخ زين بمحافظة القليوبية.
وقد أشار الخبر إلى أن الدينار يرجع إلى سنة 583هـ/1187م، وهي السنة التي شهدت معركة حطين وانتصار صلاح الدين الأيوبي على القوات الصليبية.
وتكمن روعة هذا الخبر في أن قطعة صغيرة من الذهب يمكن أن تفتح نافذة على عصر كامل؛ فالنقود الأثرية ليست وسيلة للتبادل المالي فحسب، بل وثائق تاريخية تحمل أسماء الحكام وألقابهم، وكتابات دينية وسياسية، وأحيانًا إشارات إلى أماكن السك وتواريخه.
★ ومن خلال دراسة هذه العناصر، يستطيع الباحث أن يربط القطعة بسياقها التاريخي، وأن يقارنها بقطع أخرى، وأن يستخلص معلومات عن السلطة والاقتصاد والتداول النقدي في العصور الماضية.
وهنا تتضح أهمية العمل الأثري المتخصص: فالعثور على قطعة أثرية هو بداية الطريق، أما تسجيلها ودراستها وحفظها وتفسير دلالاتها، فهو ما يحول الاكتشاف إلى معرفة نافعة.
وهكذا يلتقي دور الباحث بدور المؤسسة الأثرية؛ إذ لا تكتمل قيمة الاكتشاف إلا حين يصبح جزءًا من الذاكرة العلمية والتاريخية لمصر.
سابعًا: الأمانة المهنية... حماية الأثر مسؤولية لا تقبل التهاون:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
إن المسؤولية عن الآثار لا تنتهي عند اتخاذ قرار إداري أو اعتماد تقرير فني، بل تبدأ من إدراك أن كل أثر يمثل جزءًا من ذاكرة الوطن، وأن أي خطأ غير محسوب قد يؤدي إلى فقدان عنصر أصيل لا يمكن استعادته.
ولذلك فإن العمل في مجال الآثار يتطلب اليقظة في مواجهة السرقة والتعديات، والدقة في إجراءات الترميم، والالتزام بالمعايير العلمية، والتعاون بين المتخصصين والجهات المعنية.
وقد نقلت صحيفة «اليوم السابع» في ديسمبر 2010 تصريحات للدكتور عبد الله كامل موسى في أعقاب واقعة سرقة منبر مسجد قانيباي الرماح، تناولت مسؤولية تأمين الآثار والتنسيق بين الجهات المعنية.
وتعيدنا هذه الواقعة إلى حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان: أن الأثر قد يبقى قرونًا طويلة، لكنه قد يتعرض في لحظة واحدة لخطر يهدد بقاءه، إذا غابت الحماية أو قصرت إجراءات التأمين.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي الأثري، ليس بين المتخصصين وحدهم، بل بين المواطنين أيضًا؛ فالمواطن الذي يدرك قيمة الأثر يصبح شريكًا في حمايته، والطالب الذي يتعلم تاريخ بلاده يصبح أكثر قدرة على الدفاع عن هويتها، والمؤسسة التي تتعامل مع التراث باعتباره أمانة تسهم في ضمان بقائه.
ثامنًا: ما الذي يبقى من سيرة العالم؟
""""""""""""""""""""""""""""""""
قد تتغير المناصب، وتنتهي فترات التكليف، وتتبدل الهياكل الإدارية، لكن الأثر العلمي والمعرفي يمكن أن يظل حاضرًا في عقول الطلاب، وفي الوثائق التي حفظت تاريخ المواقع، وفي المواقف التي فتحت نقاشًا جادًا حول حماية التراث.
وفي سيرة الدكتور عبد الله كامل موسى، تلتقي ثلاثة مسارات تستحق التوثيق والتأمل: مسار الأكاديمي الذي يشارك في تعليم الأجيال، ومسار المتخصص الذي يفهم القيمة العلمية للمباني والقطع الأثرية، ومسار المسؤول الذي يتعامل مع تحديات حماية التراث من داخل مؤسسة رسمية.
ولا تكتمل صورة هذه المسيرة إلا بتوثيق المزيد من أعماله المنشورة، ومشروعات الترميم التي شارك في متابعتها، والقرارات التي صدرت خلال فترة رئاسته للقطاع، وأسماء اللجان أو الملفات التي تولى مسؤوليتها.
فالشخصيات التي خدمت التاريخ تستحق أن نكتب عنها كتابة دقيقة؛ نمنحها حقها من التقدير، وفي الوقت نفسه نحفظ للحقيقة حقها من التوثيق.
كلمة وفاء وتقدير
الأستاذ الدكتور عبد الله كامل ....
إن العمل في مجال الآثار ليس وظيفة عادية؛ إنه اقتراب يومي من ذاكرة وطن، ومسؤولية تجاه أجيال لم تولد بعد، وأمانة تفرض على صاحبها أن يجمع بين المعرفة والضمير والحرص على أصالة ما تركه السابقون.
وإن الاحتفاء بعالم من علماء الآثار هو احتفاء بكل جهد يبذل من أجل أن تظل آثار مصر شاهدة على حضارتها، وبكل معرفة تنقل إلى طالب، وبكل موقف يثير الانتباه إلى ضرورة حماية التراث وصون هويته.
فتحية تقدير لعالم ارتبط اسمه بالآثار الإسلامية والقبطية، وجمع في مسيرته بين التعليم الجامعي والعمل الأثري والمسؤولية الإدارية.
وتحية لكل من يرى في المسجد التاريخي أكثر من جدران، وفي الكنيسة القديمة أكثر من أحجار، وفي الدينار الأثري أكثر من قطعة ذهب؛ يرى في كل ذلك صفحات من قصة مصر، تستحق أن تُقرأ بعلم، وتُحفظ بأمانة، وتُروى للأجيال.
فخلف كل أثر حكاية، وخلف كل حضارة رجال صانوا ذاكرتها... ومن واجبنا أن نصون الحقيقة ونحن نوثق أسماءهم. |