الجمعة, 6 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الدكتور إبراهيم بدوي.. حين يصبح الزجاج أمانةً و الترميم علمًا والأخلاق أجمل
(٣٩)

الدكتور إبراهيم بدوي.. حين يصبح الزجاج أمانةً و الترميم علمًا والأخلاق أجمل
(٣٩)
عدد : 11-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية



ليست كل الشخصيات التي تستحق أن نكتب عنها هي تلك التي تتصدر المشهد، أو تتردد أسماؤها في المناسبات الكبرى؛ فهناك رجال يعملون في صمت، بين الخامة والتصميم، وبين الدراسة والتنفيذ، ويتركون بصمتهم في مشروعات قد يمر الناس أمامها فيتأملون جمالها، دون أن يعرفوا كم من العلم والجهد والأمانة يقف وراءها ومن هؤلاء :
الدكتور إبراهيم بدوي إبراهيم.
********************
المتخصص في ترميم الزجاج والزخارف والتجميل المعماري والترميم؛ وهي مجالات تحتاج إلى عين فاحصة، وعقل علمي، ويد خبيرة، وإحساس جمالي لا ينفصل عن فهم الخامة وطبيعتها.

★ لكن الحكاية هنا ليست حكاية تخصص فني فقط؛ إنها حكاية إنسان يرى أن العمل مسؤولية، وأن الخبرة لا تكتمل بالشهادات وحدها، وأن احترام الآخرين جزء أصيل من قيمة الإنسان المهنية.

★ من الفنون التطبيقية إلى عالم الزجاج والترميم:
بدأت رحلته من دراسة الفنون التطبيقية، ثم اتجه إلى مجال شديد الخصوصية، تتداخل فيه المعرفة الفنية مع الدراسة العلمية والتطبيق العملي.
فالزجاج، على الرغم من شفافيته وما يمنحه للعمارة من جمال وضوء، خامة تحتاج إلى معرفة دقيقة بخصائصها وطرق تشكيلها وتثبيتها وصيانتها.
وعندما يكون الزجاج جزءًا من مبنى تاريخي أو عنصرًا زخرفيًا ذا قيمة فنية، تصبح مسؤولية التعامل معه أكبر؛ لأن المطلوب ليس مجرد إصلاح ما تلف، بل فهم طبيعة العمل، وتحديد أسباب التلف، واختيار الأسلوب الملائم للحفاظ عليه.

★ وهنا تظهر أهمية الجمع بين الدراسة والتنفيذ؛ فالممارسة وحدها لا تكفي، كما أن المعرفة النظرية، مهما بلغت، لا تكتمل دون اختبارها في الواقع.
وهذا هو المجال الذي ارتبط به اسم الدكتور إبراهيم بدوي، من خلال أعماله وأبحاثه في ترميم الزجاج والزخارف والتجميل المعماري.

حين يلتقي العلم بالتطبيق.

ومن الشواهد المهمة على مسيرته العلمية والمهنية مشاركته استاذنا العملاق الدكتور محمد علي حسن زينهم في بحث عن إعادة ترميم وتأهيل سقف الزجاج المعشق بالرصاص في بنك مصر – الفرع الرئيسي.

وهذا النوع من الأعمال ليس مجرد معالجة لعنصر زجاجي؛ فالزجاج المعشق يجمع بين قطع زجاجية ملونة، وتكوين زخرفي، وعناصر تثبيت، وعلاقة متكاملة بالضوء والعمارة. وأي تدخل فيه يحتاج إلى دراسة حالة العنصر، وفهم مكوناته، وتحديد ما يمكن الحفاظ عليه، ثم اختيار وسائل المعالجة المناسبة.

★ تعود علاقتي بالدكتور إبراهيم بدوي إلى ما يقرب من أربعة وثلاثين عامًا، حين جمعتنا ساحات العمل بقصر محمد علي بشبرا الخيمة، في رحاب المهندس الفاضل نبيل شاروبيم، رحمه الله، ذلك الرجل الذي لم نتعلم منه فنون الترميم وحدها، بل كيف نقرأ الأثر بعين الباحث، وكيف نفهم أسرار بنائه وثباته، وكيف نُحكِم العمل بالعلم والدراسة والتمكن، قبل أن نتقدم إليه بأيدينا.

لقد كان، مدرسةً في المهنة ودرسًا في الضمير؛ علّمنا أن ترميم الأثر ليس مجرد معالجةٍ لما أصابه من تلف، وإنما مسؤولية علمية وأمانة تاريخية، وأن الخبرة الحقيقية لا تُقاس بما يملكه الإنسان من مهارة فحسب، بل بقدر ما يتحلى به من دقة وتواضع وإخلاص، وبما يتركه في نفوس من تعلموا على يديه.
وما زلت أرى أن من أعظم صور الوفاء أن نذكر أصحاب الفضل، وأن نعترف بأن ما اكتسبناه من علم وخبرة لم يأتِ من الكتب وحدها، بل جاء أيضًا من رجالٍ جسّدوا المعرفة في العمل، وجعلوا من سلوكهم وأمانتهم جزءًا أصيلًا من الدرس.

رحم الله المهندس نبيل شاروبيم رحمةً واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء؛ فقد مضت السنوات، وبقي أثره فينا شاهدًا على أن بعض المعلمين يرحلون بأجسادهم، لكن ما يزرعونه من علمٍ وخلقٍ وأمانة يظل حيًّا في تلاميذهم، ويتواصل من جيلٍ إلى جيل.

★ كما شارك الدكتور إبراهيم بدوي في أعمال بحثية تتناول الأساليب التكنولوجية الحديثة في ترميم الزجاج المعشق بالرصاص، ومنها دراسة تناولت تطبيق هذه الأساليب على قصر الزعفران.

وتكشف هذه الموضوعات عن مساحة عمل تتطلب أن يتعاون فيها المتخصصون في الزجاج مع المعماريين والمرممين والباحثين؛ لأن نجاح المشروع لا يقوم على مهارة فرد واحد بقدر ما يقوم على تكامل المعرفة والخبرة.

★ مع الأستاذ الدكتور محمد زينهم... الخبرة التي تتبادل المعرفة :
المسيرة المهنية للدكتور إبراهيم بدوي لها صلة كبيرة علمية ومهنية بالأستاذ الدكتور محمد زينهم، أستاذ الزجاج، من خلال أعمال بحثية ، ومشاركات في أنشطة أكاديمية ومهنية مرتبطة بالفنون والعمارة والترميم.
وهذه العلاقة تفتح أمامنا نافذة مهمة لفهم طبيعة العمل في هذا المجال؛ فالمشروعات المتخصصة لا تُبنى على الأوامر وحدها، وإنما تحتاج إلى تبادل الخبرات، ومناقشة الحلول، والاستفادة من التجارب السابقة، والقدرة على تحويل المعرفة إلى نتائج عملية.

★ وفي هذا السياق، لا تُقاس الخبرة بعدد السنوات وحده، بل بما يكتسبه الإنسان من فهم خلال تلك السنوات، وبقدرته على العمل مع الآخرين، واحترام تخصصاتهم، والاستفادة من خبراتهم، وتحمل مسؤولية ما يشارك في تنفيذه.

وهذه هي البيئة التي يمكن فيها للخبرة أن تتحول إلى مدرسة، وللمشروع أن يصبح فرصة للتعلم والتطوير، وللفريق أن يحقق ما قد يعجز عنه العمل الفردي.

★ ما وراء المشروع... أخلاقيات المهنة:

وهنا نصل إلى الجانب الذي لا تقل أهميته عن الإنجاز الفني.

من واقع معرفتي بالدكتور إبراهيم بدوي، أراه إنسانًا يحرص على حسن المقابلة، واحترام زملائه وأصدقائه، والتعامل بأدب وهدوء، والالتزام بما تفرضه المسؤولية المهنية من أمانة وجهد ودراسة.
وهي صفات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحياة العملية تصنع فارقًا كبيرًا.
فالعمل في مجال الترميم والتجميل المعماري يضع صاحبه أمام مسؤوليات متعددة؛ مسؤولية تجاه الخامة، وتجاه قيمة المبنى، وتجاه الجهد الذي يبذله الفريق، وتجاه الثقة التي يمنحها له من يتعاملون معه.

★ ومن هنا، فإن الأمانة ليست مجرد صفة شخصية جميلة؛ إنها جزء من سلامة العمل نفسه. والدراسة ليست إجراءً شكليًا قبل التنفيذ؛ إنها وسيلة لتقليل الخطأ، وفهم المشكلة، واختيار الحل الذي يتناسب مع طبيعة العنصر المراد الحفاظ عليه.

أما احترام الزملاء، فهو الذي يجعل اختلاف الرأي بابًا للوصول إلى الحل الأفضل، بدلًا من أن يتحول إلى خلاف يعطل العمل.
ولهذا أرى أن تقدير الإنسان لا ينبغي أن يقتصر على ما يعرفه أو ما أنجزه، بل يمتد إلى الطريقة التي يستخدم بها معرفته، وإلى الأثر الذي يتركه في نفوس من عملوا معه.

★ الإنسان الذي يكسب التقدير بحسن تعامله:

هناك فرق بين أن يحترم الناس الإنسان بسبب منصبه، وأن يقدروه بسبب معاملته.
فالمنصب قد يمنح صاحبه حضورًا مؤقتًا، لكن حسن الخلق يترك أثرًا يستمر حتى بعد انتهاء العمل أو تغير المواقع والمسؤوليات.

ومن خلال ما عرفته من الدكتور إبراهيم بدوي، فإن حسن المعاملة والاحترام المتبادل يمثلان جانبًا أساسيًا من صورته الإنسانية؛ فهو يحترم زملاءه وأصدقاءه، ويقدر قيمة التعاون، ويؤدي عمله بما يحتاج إليه من جهد ودراسة والتزام.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان في حياته المهنية أن يخرج من المشروع وقد ترك عملًا جيدًا، ومن الفريق وقد حافظ على علاقات طيبة، ومن التجربة وقد أضاف إلى خبرته خبرة جديدة.
فالمشروعات تنتهي، والمواقع تتغير، لكن أثر الكلمة الطيبة، والوفاء بالمسؤولية، واحترام الآخرين، يظل حاضرًا في الذاكرة.

★ الزجاج الشفاف... والإنسان الذي لا تُقاس قيمته بالمظاهر:

للزجاج خصوصية جميلة؛ فهو يسمح للضوء بالعبور، ويكشف ما وراءه، لكنه يحتاج إلى عناية حتى يحتفظ بسلامته وصفائه.

وفي هذا المعنى نستطيع أن نستعير من عالم الزجاج صورةً إنسانية: فالقيمة الحقيقية لا تصنعها المظاهر وحدها، بل ما يستقر في داخل الإنسان من علم وضمير وأخلاق.

وقد يجيد المرء استخدام الأدوات والتقنيات، لكنه لا يبلغ تمام التميز إلا حين يجمع بين الكفاءة والتواضع، وبين قوة المعرفة واحترام الآخرين، وبين القدرة على الإنجاز والأمانة في تحمل المسؤولية.

★ وهذا ما يجعل الحديث عن الدكتور إبراهيم بدوي يتجاوز حدود التخصص الفني؛ فنحن لا نتناول أعمالًا مهنية فحسب، بل نتوقف أيضًا أمام قيمة الإنسان الذي نعرفه من خلال تعامله، وتعاونه، وحرصه على أداء عمله.

(( إذا كان للجمال عنوان، فللذوق الرفيع والأدب والنبل عنوان أيضًا… هو الأستاذ الدكتور إبراهيم بدوي)).

كلمة وفاء

إن الكتابة عن الشخصيات التي نعرفها ونقدرها مسؤولية؛ فلا نريد أن نكتفي بعبارات المديح، ولا أن نحول السيرة إلى قائمة من الألقاب، بل أن نبحث عن المعنى الذي يجعل هذه الشخصية جديرة بأن نتوقف عندها.

وفي حالة الدكتور إبراهيم بدوي، تتجاور أمامنا جوانب متعددة: تخصص فني دقيق، وأعمال بحثية في ترميم الزجاج، وتعاون مهني مع أساتذة ومتخصصين، وشهادة إنسانية في حسن الخلق واحترام الزملاء وأداء العمل بأمانة.

وهذه الجوانب مجتمعة هي التي تمنح الشخصية ملامحها؛ فالعلم يضيف إلى الإنسان معرفة، والعمل يمنحه خبرة، أما الأخلاق فهي التي تحدد كيف يستخدم معرفته، وكيف يعامل من حوله، وكيف يُذكر بعد انتهاء المهمة.

تحية تقدير للدكتور إبراهيم بدوي، ولكل إنسان يجمع بين العلم والعمل، وبين الخبرة والأمانة، وبين النجاح المهني واحترام الناس.

ونسأل الله أن يبارك في علمه وعمله، وأن يوفقه إلى مزيد من الإنجاز النافع، وأن يجعل كل جهد صادق بذله في خدمة الفن والعمارة والترميم في ميزان حسناته.

فالأثر الذي يتركه الإنسان ليس ما يصنعه بيديه وحدها، بل ما يزرعه بأخلاقه في قلوب الآخرين.
 
 
الصور :