الجمعة, 6 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الأستاذة الدكتورة أمنية عامر... حين تلتقي قيمة العلم بأصالة الإنسان
(٥٨)

الأستاذة الدكتورة أمنية عامر... حين تلتقي قيمة العلم بأصالة الإنسان
(٥٨)
عدد : 11-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية



ليست كل الشخصيات التي تستحق التقدير هي تلك التي تتصدر المشهد، أو تتحدث كثيرًا عن إنجازاتها؛ فهناك شخصيات تترك أثرها بهدوء، من خلال علمها، وأخلاقها، وحرصها على التواصل مع الناس، وإيمانها بأن الثقافة ليست حكرًا على المتخصصين، بل حق لكل إنسان يبحث عن المعرفة والجمال وجذوره الحضارية.

ومن بين هذه الشخصيات التي أعتز بمعرفتها، الأستاذة الدكتورة أمنية محمد رشاد عامر.
********************

التي أجد في شخصيتها نموذجًا يجمع بين الجدية العلمية، والاهتمام بالحياة الثقافية، والرقي في التعامل، وروح التعاون التي تجعل للمعرفة وجهًا إنسانيًا جميلًا.

* وإذا كان عنوان سلسلتنا هو «مصر... حيث يصنع الإنسان أثرًا لا يموت»، فإن الحديث عن الدكتورة أمنية يتيح لنا أن نتأمل معنى آخر للأثر؛ فالأثر ليس حجرًا صامدًا في مواجهة الزمن فحسب، بل قد يكون علمًا نحفظ به الذاكرة، أو كلمة طيبة نشجع بها الآخرين، أو موقفًا كريمًا يبقى في النفوس مهما مرت السنوات.

أولًا: " العلم الذي يحفظ ذاكرة الوطن"

ترتبط المسيرة الأكاديمية للدكتورة أمنية عامر بمجال المكتبات والوثائق والمعلومات، وبوجه خاص دراسة الوثائق والأرشيف؛ وهو مجال بالغ الأهمية، لأن الوثيقة ليست مجرد ورقة قديمة، بل شاهد على عصرها، ومصدر لفهم أحداث التاريخ، وأداة لحماية الذاكرة الوطنية من النسيان.

* ومن المحطات العلمية المهمة في مسيرتها رسالتها للدكتوراه، التي حملت عنوان:

«دفاتر الالتزام بديوان الرزنامة أثناء الحكم العثماني لمصر (1069–1252هـ/1658–1836م): دراسة أرشيفية وباليوجرافية ودبلوماتية».

وتناولت رسالتها للماجستير موضوعًا آخر يجمع بين القيمة الدينية والفنية والتاريخية، هو المصحف الشريف وخطوطه وفنونه، من خلال مجموعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة.

* وتكشف هذه الموضوعات عن أهمية البحث في الوثيقة بوصفها مصدرًا أصيلًا للمعرفة؛ فقراءة التاريخ لا تكتمل بالاعتماد على الروايات وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى فحص الوثائق، ودراسة أساليب كتابتها، وفهم ظروف إنتاجها وحفظها، وربطها بسياقها التاريخي.

* وهنا تبرز قيمة المتخصص في الوثائق والأرشيف؛ فهو لا يحفظ الماضي لمجرد الاحتفاظ به، بل يساعد على تقديمه للأجيال الجديدة بصورة علمية موثوقة.

* كما تشير البيانات الأكاديمية المنشورة عن الدكتورة أمنية إلى مشاركتها في أعمال ومشروعات ذات صلة بوصف الوثائق وفهرستها، وهو جانب مهم في إتاحة مصادر المعرفة للباحثين، وتيسير الوصول إليها، وصونها للأجيال القادمة.

ومن واقع خبرتي في ترميم الآثار والمنشآت التاريخية، أرى أن هناك صلة وثيقة بين علم الوثائق وعلم الترميم؛ فكلاهما يسعى إلى حماية الذاكرة، وإن اختلفت الوسائل. فنحن نحافظ على الشواهد المادية التي تركها الإنسان، بينما يسهم علم الوثائق في حفظ الشواهد المكتوبة التي تكشف عن حياته وأحداث عصره. وكلاهما جزء من منظومة أوسع لصيانة التراث المصري.

ثانيًا: " من التخصص العلمي إلى رحابة الثقافة "

ما يستوقفني في شخصية الدكتورة أمنية ليس الجانب الأكاديمي وحده، وإنما امتداد اهتمامها إلى الحياة الثقافية العامة، وإيمانها بأن الثقافة الحقيقية تتسع للجميع.

وقد ظهر اسمها ضمن فعاليات الدورة الثانية من مهرجان الصورة المصرية، التي أقيمت في القاهرة في يوليو 2024، تحت شعار «لحماية وتعزيز التراث الثقافي»، حيث ورد اسمها بصفتها أستاذ الوثائق والأرشيف بجامعة القاهرة، وضيفة شرف افتتاح المهرجان والمعارض الفنية المصاحبة له.

* وتكتسب هذه المشاركة دلالتها من طبيعة المهرجان نفسه؛ فقد جمع بين التصوير والفنون التشكيلية والحرف التراثية والفنون الفلكلورية والعروض الموسيقية والأفلام القصيرة، في محاولة لتقديم التراث من خلال أكثر من نافذة فنية وثقافية.

فالتراث لا يعيش بالكتب وحدها، ولا تقتصر حمايته على المختصين في الآثار والمتاحف؛ إنه يحتاج إلى الصورة والفن والكلمة والموسيقى، وإلى كل جهد يستطيع أن يجعل الناس أقرب إلى هويتهم وتاريخهم.

* كما ظهرت الدكتورة أمنية في لقاء تلفزيوني ببرنامج «في بيت ندى.. كل مثل وله حكاية» على قناة الشمس، وهو ما يعكس جانبًا من حضورها في الفضاء الإعلامي والثقافي.

وهكذا تتعدد مساحات التواصل مع الجمهور، ويبقى الهدف الأهم هو أن تتحول المعرفة من معلومات محفوظة إلى وعي حي، يشعر معه الإنسان بقيمة وطنه وتراثه وثقافته.

ثالثًا: "الثقافة في رحاب المساجد المصرية "

ومن الجوانب التي أقدّرها في نشاط الدكتورة أمنية اهتمامها بالجولات التراثية والثقافية في المساجد المصرية، ومشاركتها في مجموعات ثقافية، من بينها مجموعة «حلاوة مصرنا».

* وللمساجد التاريخية في مصر مكانة تتجاوز وظيفتها الدينية؛ فهي صفحات مفتوحة من تاريخ العمارة والفنون، وشواهد على تطور المجتمع المصري، وعلى ما تعاقب عليه من عصور ومدارس فنية وحرفية.

فحين يدخل الإنسان مسجدًا تاريخيًا، ويتأمل زخارفه وكتاباته وأعمدته وأخشابه ورخامه، فإنه لا يرى بناءً فحسب، بل يقرأ تاريخًا صنعته أيدٍ مصرية، وتراكمت فيه خبرات المعماريين والصناع والفنانين عبر القرون.

* ومن هنا تأتي أهمية الجولات التراثية؛ لأنها تقرّب الناس من آثارهم، وتنقلهم من مجرد المشاهدة إلى الفهم والتقدير، وتفتح أمامهم أبوابًا لاكتشاف جمال قد يكون حاضرًا أمام أعينهم منذ سنوات، لكنهم لم يعرفوا قصته بعد.

* وهذا النوع من النشاط الثقافي يستحق التشجيع، لأنه يسهم في بناء علاقة حية بين المواطن وتراثه، ويجعل حماية الآثار مسؤولية مجتمعية، لا مهمة إدارية أو فنية تقتصر على المؤسسات والمتخصصين.

رابعًا: " ما بين المعرفة وحسن الخلق "

وهنا أترك مساحة للمعلومات المنشورة، وأتحدث عن الجانب الإنساني الذي عرفته بنفسي.
لقد التقيت بالدكتورة أمنية عامر أكثر من مرة في رحاب مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك، خلال محاضرات وفعاليات ثقافية، وكانت تلك اللقاءات فرصة للتعرف عن قرب إلى شخصية أقدّر فيها حسن الخلق، ورقي التعامل، والذوق الرفيع.

كما لمست منها روحًا طيبة في التعاون والتشجيع، وحرصًا على مساندة الآخرين فيما تستطيع، ومن ذلك اهتمامها بالمساعدة في محاولة ترتيب محاضرة لي بمكتبة مصر العامة بالدقي عن هرم الملك زوسر المدرج؛ ذلك الصرح الذي يمثل واحدة من أهم محطات عبقرية البناء في مصر القديمة، والذي أعتز بما ارتبط به من دراسات وأعمال في مجال الترميم.

وأذكر هذا الموقف لا باعتباره إنجازًا مكتملًا أو مناسبة للمجاملة، وإنما لأنه يعبر عن قيمة إنسانية أراها جديرة بالتقدير: أن يجد الإنسان من يشجعه، ويهتم بفكرته، ويسعى إلى أن يفتح أمامها بابًا للوصول إلى الجمهور.
فكم من فكرة جيدة تحتاج إلى كلمة تشجيع، وكم من جهد ثقافي يحتاج إلى يد تمتد بالمساندة، وكم من عمل نافع يمكن أن يرى النور حين يتعاون أصحاب الاهتمام والمعرفة!

* إن حسن الخلق ليس أمرًا منفصلًا عن الثقافة؛ بل هو أحد أجمل تجلياتها، حين يتحول العلم إلى تواضع، والمعرفة إلى حوار، والقدرة إلى مساعدة، والاختلاف إلى احترام متبادل.

خامسًا: " بنت مصر الأصيلة "

وأصل هنا إلى المعنى الأقرب إلى قلبي في هذه الحلقة.

حين أصف الدكتورة أمنية بأنها «بنت مصر الأصيلة»، فإنني لا أقصد مجرد تعبير عاطفي، ولا أستخدمه بوصفه مجاملة عابرة؛ وإنما أعني به ما ارتبط في وجداني بصورة الإنسان المصري الأصيل: حسن التربية، والتمسك بالمبادئ، واحترام الآخرين، والذوق في التعامل، والحرص على أن تكون العلاقة الإنسانية قائمة على التقدير والود.
وقد عرفنا في مجتمعنا المصري نماذج كثيرة تؤكد أن الأصالة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمناصب وحدها، وإنما تظهر في سلوكه، وفي طريقته في التعامل مع الناس، وفي الأثر الذي يتركه في نفوسهم.
وهذا ما يجعلني أعتز بمعرفتي بالدكتورة أمنية؛ فإلى جانب مكانتها العلمية واهتماماتها الثقافية، أجد فيها شخصية طيبة المعشر، راقية السلوك، تستحق أن يُشار إليها بالتقدير.

ولا أزعم هنا أنني أحيط بكل تفاصيل مسيرتها، ولا أن حديثي يغني عن توثيق أعمالها العلمية كاملة؛ إنما أكتب في حدود ما أمكن الوقوف عليه من معلومات، وما عرفته من لقاءات ومواقف شخصية.
فالإنصاف يقتضي أن نذكر للناس ما نعرفه عنهم بصدق، وأن نُبقي مساحة التقدير مفتوحة لما قد تكشف عنه الأيام من أعمال أخرى تستحق التعريف.

كلمة أخيرة:

في نهاية هذه الحلقة، أعود إلى سؤال السلسلة: كيف يصنع الإنسان أثرًا لا يموت؟
قد يصنعه عالمٌ بدراسة تكشف جانبًا من تاريخ وطنه، أو باحثٌ يحفظ وثيقة من الضياع، أو مثقفٌ يفتح نافذة للمعرفة، أو إنسانٌ يشجع غيره على مواصلة الطريق.

وقد تجتمع هذه المعاني كلها في شخصية واحدة، فتغدو قيمة الإنسان أوسع من عنوان وظيفي أو قائمة مؤهلات.
والدكتورة أمنية عامر، في حدود ما عرفته عنها وما أمكن توثيقه من جوانب مسيرتها، تقدم لنا صورة تستحق التأمل: علمٌ يتصل بذاكرة الوطن، واهتمامٌ بالشأن الثقافي، وتواصلٌ مع الناس، وسمات إنسانية أعتز بها شخصيًا.

* ومن هنا أكتب عنها لا من باب المجاملة، وإنما من باب الوفاء لكل إنسان يضيف إلى حياتنا معنى طيبًا، ويؤكد لنا أن مصر لا تصنع تاريخها بالحجر والوثيقة والفن وحدها، بل تصنعه أيضًا بأبنائها وبناتها الذين يحملون في قلوبهم محبة الوطن، وفي سلوكهم أصالته، وفي أعمالهم ما يستحق أن يبقى.

تحية تقدير واحترام للأستاذة الدكتورة أمنية عامر، ولكل بنت مصر أصيلة تجعل من العلم رسالة، ومن الثقافة جسرًا للتواصل، ومن حسن الخلق أثرًا جميلًا لا يزول.
 
 
الصور :