كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هناك رجال لا تُختصر حياتهم في المناصب التي شغلوها، ولا تُقاس قيمتهم بعدد السنوات التي قضوها في العمل؛ لأن أثرهم الحقيقي يبقى فيما تركوه من علم، وما أسهموا به في بناء العقول، وما حفظوه من ذاكرة الحضارة.
ومن هؤلاء الراحلين الذين تستحق سيرتهم أن تُروى الأستاذ الدكتور /
محمد عبد الستار عثمان
*******************
أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة سوهاج، وأحد الباحثين الذين أسهموا في دراسة العمارة الإسلامية وتاريخ المدن والمنشآت الأثرية، وتركوا إنتاجًا علميًا امتد أثره إلى الباحثين والطلاب في مصر والعالم العربي.
* رحل جسده، لكن سيرته العلمية تظل جديرة بالتوثيق، وفاءً لرجل جعل من البحث والتعليم وخدمة الجامعة والآثار جزءًا أصيلًا من حياته.
" التكوين العلمي... بداية طريق الباحث المتخصص "
بدأت رحلة الدكتور محمد عبد الستار عثمان العلمية بحصوله على ليسانس الآثار الإسلامية من جامعة القاهرة في يوليو 1973، بتقدير جيد جدًا.
ثم نال درجة الماجستير في فبراير 1977 عن رسالته «الأعمال المعمارية للسلطان الأشرف برسباي بمدينة القاهرة»، وهي دراسة تناولت جانبًا مهمًا من العمارة المملوكية، وفتحت أمامه طريق التخصص الدقيق في الآثار الإسلامية.
* أما الدكتوراه، التي حصل عليها من جامعة أسيوط في يناير 1980 بمرتبة الشرف الأولى، فقد تناولت موضوعًا أكثر عمقًا في فهم العمارة الإسلامية، من خلال رسالته «نظرية الوظيفية في العمائر الدينية المملوكية بمدينة القاهرة». وقد أوصت لجنة المناقشة بطبع الرسالة وتبادلها بين الجامعات الأخرى، بما يعكس أهمية موضوعها وقيمتها العلمية.
* ويكشف هذا المسار عن تطور اهتمامه من دراسة أعمال معمارية محددة إلى البحث في العلاقة بين وظيفة المبنى الديني وتكوينه المعماري؛ وهي قضية تتجاوز وصف الأثر إلى محاولة فهم الفكرة التي قامت عليها العمارة، والاحتياجات الدينية والاجتماعية التي استجابت لها.
" العمارة الإسلامية... قراءة تتجاوز الشكل إلى المعنى ".
ركز جانب مهم من أعماله على العمارة الإسلامية والمدن التاريخية والوثائق المرتبطة بالمنشآت المعمارية، ولا سيما في العصرين المملوكي والعثماني.
كما اهتم بدراسة فقه العمران، وتأثير الأحكام الفقهية في تخطيط المساجد والمدن والمنشآت، وبالنقوش والكتابات الإسلامية والمسكوكات في العصور الإسلامية المبكرة.
* ومن الدراسات التي تكشف عن اهتمامه بالوثائق الأثرية بحثه عن وثيقة كشف قبة قلاوون المؤرخة سنة 1167هـ/1754م، وهي وثيقة تتيح قراءة جانب من تاريخ المنشآت الإسلامية وأحوالها الإدارية والفنية.
كما تناول توسعة المساجد في ضوء الأحكام الفقهية، من خلال دراسة تطبيقية على توسعة عبد الرحمن كتخدا بالجامع الأزهر، مستفيدًا من الوثائق التاريخية في فهم أسباب التغيير المعماري وملابساته.
وهكذا جمع منهجه بين قراءة المبنى القائم، وفحص الوثيقة، وتحليل الوظيفة، في محاولة للوصول إلى صورة أكثر اكتمالًا لتاريخ الأثر؛ فالمبنى في نظر الباحث ليس حجارة وزخارف فحسب، بل وثيقة تاريخية تحمل آثار المجتمع الذي أنشأه، وتكشف عن ثقافته واحتياجاته وتحولاته.
«المدينة الإسلامية»... كتاب يتجاوز حدود المكان.
من أبرز مؤلفاته كتاب «المدينة الإسلامية»، الذي صدر ضمن سلسلة «عالم المعرفة» بالكويت عام 1998.
وتنبع أهمية هذا العمل من أن المدينة الإسلامية ليست مجموعة مبانٍ متجاورة فحسب، بل نسيج حضاري تتفاعل داخله عناصر متعددة، من المسجد والأسواق والمساكن إلى طرق الحركة وتنظيم العمران، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تشكيله.
وقد أتاح الكتاب للقارئ والباحث مدخلًا لفهم المدينة الإسلامية باعتبارها نظامًا عمرانيًا واجتماعيًا، لا مجرد مجموعة من العناصر المعمارية المنفصلة.
* ولم يتوقف اهتمامه عند المدن الإسلامية الكبرى، بل امتد إلى دراسة العمارة التقليدية في المجتمعات المحلية، وهو ما يظهر في كتابه «سدوس: عمارتها التقليدية». ويعكس هذا الاتجاه تقديره لقيمة العمارة المحلية بوصفها سجلًا للخبرة المتراكمة، وطرق البناء، والتكيف مع البيئة، وأنماط الحياة التي تشكلت عبر الزمن.
" مؤلفات وبحوث في العمارة والفنون الإسلامية "
امتد إنتاج الدكتور محمد عبد الستار عثمان إلى موضوعات متعددة في تاريخ العمارة والفنون الإسلامية، والوثائق والنقوش والمسكوكات، ومن الأعمال المرتبطة باسمه:
- «المدينة الإسلامية»، الذي تناول المدينة في سياقها التاريخي والعمراني والاجتماعي.
- «سدوس: عمارتها التقليدية»، الذي يعكس اهتمامه بالعمارة المحلية والتخطيط المعماري.
- «دراسات في العمارة التقليدية في المنطقة العربية»، ضمن اهتمامه بتوثيق نماذج العمارة التقليدية وتحليلها.
- «طراز دراهم العنزة والمحراب: رؤية جديدة تنسبه للخليفة عبد الله بن الزبير»، وهو بحث في قراءة الطرز النقدية والعناصر المصورة والنقوش المرتبطة بها.
* كما تناول في أبحاثه موضوعات تتصل بالعمائر المملوكية، والوثائق المعمارية، وفقه العمارة الإسلامية، وتوسعة المساجد.
وتكشف هذه الموضوعات عن عالم لم يحصر اهتمامه في مبنى بعينه أو فترة تاريخية واحدة، بل سعى إلى فهم التراث الإسلامي من زوايا متعددة، تجمع بين العمارة والتاريخ والوثيقة والوظيفة.
" من التخصص الأثري إلى نقل المعرفة عبر اللغات "
لم يقتصر عطاؤه على التأليف والبحث في الآثار الإسلامية، بل امتد إلى الإسهام في نقل المعرفة العلمية إلى القارئ العربي.
- وفي مارس 2007، حصل على جائزة أفضل كتاب مترجم في معرض الكويت الحادي والثلاثين للكتاب لعام 2006، من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، عن ترجمة بحثين تضمّنهما كتاب «تاريخ الكتابة: من التعبير التصويري إلى الوسائط العلمية المتعددة»، المنشور بمكتبة الإسكندرية.
وتضيف هذه الجائزة بُعدًا مهمًا إلى سيرته؛ إذ تكشف عن اهتمامه بإتاحة المعرفة العلمية وتوسيع دائرة تداولها، فلا تبقى حبيسة لغة واحدة أو نطاق محدود من المتخصصين.
* إن نقل المعرفة وترجمتها عملٌ مكمل للبحث والتأليف؛ فالعالم لا يسهم في بناء المعرفة بما يكتبه وحده، بل أيضًا بما يساعد على إتاحته للآخرين، وفتح أبواب جديدة أمام الباحثين والقراء.
" الجوائز... شهادات على تنوع العطاء العلمي "
حظيت أعمال الدكتور محمد عبد الستار عثمان بتقدير عدد من المؤسسات العلمية والثقافية، وجاءت الجوائز التي حصل عليها معبرة عن تعدد مجالات اهتمامه.
- ففي يناير عام 2000، حصل على جائزتين من منظمة المدن والعواصم الإسلامية:
جائزة التأليف في تاريخ المدن الإسلامية عن كتاب «المدن الإسلامية».
- جائزة التخطيط المعماري للمدن عن كتاب «سدوس: عمارتها التقليدية».
وتكشف الجائزتان عن جانبين متكاملين في مشروعه العلمي؛ أولهما دراسة المدينة الإسلامية بوصفها كيانًا تاريخيًا وعمرانيًا، وثانيهما الاهتمام بالعمارة التقليدية باعتبارها سجلًا للخبرة المحلية وطرق البناء وأنماط الحياة.
- ثم جاء تقدير الدولة لإسهاماته العلمية، ففي يونيو 2010 حصل على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، في مجال الآثار، من المجلس الأعلى للثقافة، تقديرًا لإضافاته العلمية المتميزة في تخصص الآثار.
* وعند جمع هذه الجوائز معًا، تتضح صورة عالم لم يحصر اهتمامه في موضوع واحد؛ فقد درس العمائر المملوكية، وبحث في وظائفها، وكتب عن المدن الإسلامية وعمارتها التقليدية، وأسهم في نقل المعرفة عبر الترجمة، حتى امتد تقدير أعماله من المؤسسات المتخصصة في المدن والعمران إلى مؤسسات الدولة المعنية بالبحث العلمي والثقافة.
وهنا تبرز قيمة التكريم الحقيقي؛ فهو لا يقتصر على الاحتفاء باسم صاحبه، بل يشير إلى أعمال علمية يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها، وإلى جهد يستحق أن يبقى حاضرًا في ذاكرة البحث الأكاديمي.
" الأستاذ والباحث وصاحب الأثر الجامعي "
امتدت مسيرته المهنية عبر عدد من المؤسسات الجامعية داخل مصر وخارجها. فقد عمل في جامعة أسيوط، وجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، وجامعة السلطان قابوس بسلطنة عُمان، قبل أن يواصل عمله الأكاديمي في جامعة سوهاج.
وتولى عمادة كلية الآداب بسوهاج، كما شغل منصب عميد كلية الآداب بقنا، وأسهم في إدارة العمل الأكاديمي وتطويره.
ثم تولى منصب نائب رئيس جامعة سوهاج لشؤون التعليم والطلاب خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2010، وهي مسؤولية تتجاوز حدود التخصص العلمي إلى المشاركة في إدارة مؤسسة جامعية تخدم أجيالًا من الطلاب والباحثين.
وإلى جانب مسؤولياته الجامعية، شارك في لجان علمية متخصصة، من بينها لجان مرتبطة بالآثار الإسلامية ومشروعات الترميم، وأسهم في مناقشة قضايا توثيق التراث والحفاظ على المباني التاريخية.
كما ارتبط عمله بالتعاون العلمي في دراسة بعض المواقع الأثرية، ومنها مشاركته في الدراسة الأثرية للدير الأحمر بسوهاج، ضمن مشروع تناول مظاهر التلف، ولا سيما ما يتعلق بالصور الجدارية وأسباب تدهورها وسبل علاجها.
* وهكذا امتدت مسيرته بين قاعة المحاضرات، وميدان البحث الأثري، ومسؤوليات الجامعة؛ وهي مسارات تتكامل حين يكون الهدف هو خدمة العلم وإعداد أجيال قادرة على مواصلة البحث وصون التراث.
" رحيل العالم... وبقاء الأثر "
في 30 يوليو 2026، نعت كلية الآثار بجامعة سوهاج الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار عثمان، مستذكرةً ما قدمه من خدمة للعلم والبحث الأكاديمي، وما تركه من إسهامات في مجال الآثار الإسلامية.
وكان رحيله مناسبة لاستعادة مسيرة عالم جمع بين البحث والتدريس والإدارة الجامعية، وأسهم في تخريج أجيال من الدارسين، وترك مؤلفات وبحوثًا تظل جزءًا من رصيد المعرفة بالعمارة والحضارة الإسلامية.
* وإذا كان رحيل الإنسان حقيقة لا تتغير، فإن العلم الذي يتركه وراءه يظل قادرًا على مواصلة الرحلة؛ يقرؤه طالب، ويستند إليه باحث، وتُفتح به نافذة جديدة لفهم أثر أو وثيقة أو مدينة تاريخية.
كلمة أخيرة... وفاءٌ لمن جعل العلم أثرًا باقيًا
رحم الله الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار عثمان رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.
لقد كان من أولئك الذين أدركوا أن الأثر لا يُفهم من حجارة المبنى وحدها، بل من وظيفته وتاريخه ووثائقه، ومن الإنسان الذي أنشأه وعاش فيه. وقد انعكس هذا الفهم في دراساته للعمارة الإسلامية، واهتمامه بتاريخ المدن والتخطيط المعماري، وسعيه إلى إتاحة المعرفة للأجيال والباحثين.
وفي سلسلة «مصر... حيث يصنع الإنسان أثرًا لا يموت»، نستعيد سيرته وفاءً لعالم ترك بصمته في دراسة العمارة الإسلامية، وأسهم في خدمة الجامعة والبحث الأكاديمي، ونؤكد أن تكريم العلماء لا يكون برثائهم فقط، بل بحفظ أعمالهم، وتداول كتبهم، وتعريف الأجيال بما قدموه من معرفة نافعة.
فقد يرحل صاحب الكتاب، لكن كتابه يظل مفتوحًا أمام قارئ جديد؛ وقد يغيب الأستاذ عن قاعة المحاضرات، لكن أثره يستمر في عقول تلاميذه؛ وقد يغيب الباحث عن موقع الأثر، لكن ما وثقه ودرسه يظل سبيلًا لفهم التاريخ وحماية ذاكرة المكان.
رحم الله عالمنا الجليل، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وجزاه خير الجزاء عما قدمه للعلم والجامعة والتراث الإسلامي.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
|