بقلم دكتورة/ داليا هلال
خبيرة سياحية وفندقية
ليست السياحة مجرد زيارة لمعلم أثري أو قضاء عطلة على شاطئ البحر، بل هي تجربة متكاملة تجمع بين التاريخ والثقافة والطبيعة والتراث الإنساني، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل. ومن هذا المنطلق، تبرز محافظة الدقهلية باعتبارها إحدى المحافظات المصرية التي تمتلك مقومات سياحية متنوعة تستحق مزيدًا من الاهتمام والتطوير والتسويق، بما يؤهلها لتكون مقصدًا سياحيًا متكاملًا على خريطة السياحة المصرية.
فالدقهلية، التي تتخذ من مدينة المنصورة عاصمة لها، تجمع بين صفحات مهمة من تاريخ مصر، ومواقع أثرية ودينية، وشواطئ البحر المتوسط، والبيئات الطبيعية الغنية، فضلًا عن الحياة الريفية الأصيلة والموروثات الشعبية التي تمنحها شخصية متفردة بين محافظات الدلتا. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نحول هذا التنوع من مقومات متفرقة إلى منتج سياحي متكامل قادر على جذب الزائر وإطالة مدة إقامته وزيادة العائد الاقتصادي للمحافظة؟
المنصورة.. حكاية مدينة صنعتها صفحات التاريخ
تأتي مدينة المنصورة في مقدمة المقومات التاريخية للمحافظة، فهي مدينة ارتبط اسمها بواحدة من أبرز محطات التاريخ المصري خلال العصر الأيوبي، حين تصدى المصريون للحملة الصليبية السابعة، وانتهت أحداثها بأسر الملك لويس التاسع عام 1250م.
وتظل دار ابن لقمان من أهم الشواهد التاريخية التي تجسد هذه الملحمة، بما تحمله من قيمة رمزية وتاريخية، تجعلها نقطة انطلاق مناسبة لمسار للسياحة التاريخية والثقافية داخل المدينة.
وتكتسب دار ابن لقمان أهمية خاصة لارتباطها بأسر الملك الفرنسي لويس التاسع خلال الحملة الصليبية السابعة على مصر عام 1250م، عقب أحداث معركة المنصورة. وتمثل هذه الواقعة إحدى المحطات البارزة في التاريخ المصري والأوروبي، بما تحمله من دلالات تاريخية ارتبطت بمقاومة المصريين للحملة وانتهائها بأسر الملك الفرنسي. ويمكن توظيف هذه الصفحة التاريخية سياحيًا من خلال تقديم محتوى تعريفي باللغتين الفرنسية والإنجليزية، يستعرض تفاصيل الحدث وأبعاده التاريخية، بما يسهم في جذب المهتمين بالتاريخ الأوروبي والسياحة الثقافية، ويعزز مكانة المنصورة على خريطة السياحة التاريخية.
ويمكن تطوير تجربة الزائر من خلال تقديم محتوى تفسيري حديث، ووسائل عرض تفاعلية، وأفلام وثائقية قصيرة، ومرشدين سياحيين مدربين، إلى جانب إعداد مسار يربط الدار بالمعالم التاريخية والدينية والتراثية في المنصورة.
ولا ينبغي أن تقتصر زيارة المدينة على المعالم التاريخية وحدها، بل يمكن توظيف كورنيش النيل والمناطق ذات الطابع العمراني المميز والمقاهي التاريخية في تقديم تجربة تجمع بين الثقافة والترفيه والتسوق المحلي، مع المحافظة على الهوية المعمارية والتراثية للمكان.
السياحة الشاطئية والترفيهية.. جمصة بوابة الدقهلية إلى البحر المتوسط
تمثل مدينة جمصة إحدى أهم الفرص المتاحة لتنشيط السياحة الشاطئية والترفيهية بالمحافظة، بما تتمتع به من موقع على ساحل البحر المتوسط وقدرتها على استقطاب الأسر والمصطافين، خاصة خلال موسم الصيف.
لكن تطوير السياحة الشاطئية لا ينبغي أن يتوقف عند توفير الشواطئ وأماكن الإقامة، بل يتطلب العمل على تنويع التجربة السياحية من خلال الأنشطة البحرية الآمنة، والفعاليات الثقافية والفنية، والأسواق التي تعرض المنتجات المحلية، والمطاعم التي تقدم المأكولات المصرية، إلى جانب تحسين الخدمات والنظافة والإرشاد السياحي وسهولة الوصول.
كما يمكن دراسة فرص تنشيط السياحة خارج موسم الصيف، من خلال تنظيم مهرجانات وفعاليات عائلية وثقافية، وتطوير برامج للرحلات القصيرة، بما يساعد على زيادة معدلات الإشغال وخلق فرص عمل مستدامة لأبناء المحافظة.
بحيرة المنزلة.. كنز طبيعي للسياحة البيئية ومراقبة الطيور
تمثل بحيرة المنزلة، بما تتميز به من تنوع بيئي ووجود الطيور المهاجرة والثروة السمكية، فرصة مهمة لدراسة تطوير نمط سياحي يتوافق مع الطبيعة البيئية للمنطقة.
فالسياحة البيئية لم تعد مجرد اتجاه عالمي، بل أصبحت فرصة لتحقيق التوازن بين حماية الموارد الطبيعية وتحقيق عائد اقتصادي للمجتمعات المحلية.
ويمكن دراسة تنظيم رحلات محدودة ومنضبطة لمراقبة الطيور وتصوير الطبيعة، بالتعاون مع الجهات البيئية المختصة، مع تدريب أبناء المناطق المحيطة على الإرشاد البيئي، وتوفير نقاط مشاهدة آمنة، وإعداد مواد تعريفية بالتنوع البيولوجي للبحيرة.
ويظل نجاح هذا التوجه مرهونًا بحماية النظام البيئي للبحيرة، وعدم السماح بأن تؤدي الأنشطة السياحية إلى الإضرار بالطيور أو الموائل الطبيعية أو الموارد السمكية.
كما تستحق جزيرة ابن سلام دراسة متخصصة لتحديد إمكانات إدراجها ضمن مسارات الزيارة التاريخية والدينية والطبيعية، وفقًا للاشتراطات الأثرية والبيئية، وبعد التحقق من جاهزية الموقع والخدمات اللازمة لاستقبال الزائرين.
السياحة الدينية.. مسارات تجمع بين التاريخ والروحانية
تتمتع الدقهلية بمواقع دينية ذات قيمة تاريخية وروحية، يأتي في مقدمتها دير القديسة دميانة، إلى جانب عدد من المساجد والمواقع المرتبطة بتاريخ المحافظة الديني.
ويمكن تطوير برامج للزيارات الثقافية والدينية تستهدف المهتمين بالتراث الديني والتاريخي، مع مراعاة خصوصية الأماكن المقدسة واحترام طبيعة الشعائر، وتوفير المعلومات الدقيقة عن تاريخ المواقع وأهميتها.
كما يمكن التعاون مع المؤسسات الدينية والثقافية والجامعات وشركات السياحة لإعداد برامج تعريفية ورحلات منظمة، بحيث تصبح هذه المواقع جزءًا من منتج سياحي يحترم الهوية المحلية ويعزز الوعي بالتنوع الحضاري والديني في مصر.
السياحة الريفية والزراعية.. اكتشاف الوجه الأصيل للدلتا
من الأنماط السياحية التي تستحق الاهتمام في الدقهلية السياحة الريفية والزراعية، لما تتميز به المحافظة من طبيعة دلتاوية وأنشطة زراعية وحرف ومأكولات محلية يمكن توظيفها في تقديم تجربة سياحية مختلفة.
وتقوم فكرة هذا النمط على إتاحة الفرصة للزائر للتعرف على الحياة اليومية في الريف المصري، وزيارة المزارع التي تستوفي اشتراطات السلامة، والتعرف على المحاصيل وأساليب الإنتاج، وتذوق الأطعمة التقليدية، وشراء المنتجات المحلية مباشرة من منتجيها.
ويمكن البدء بمشروعات تجريبية صغيرة بالتعاون مع أصحاب المزارع والأسر المنتجة والجمعيات المحلية، مع توفير التدريب اللازم على استقبال الزائرين، والنظافة وسلامة الغذاء، وإدارة الأنشطة السياحية.
ومن شأن هذه البرامج أن تدعم الاقتصاد المحلي، وتفتح مجالات جديدة أمام الشباب والمرأة، وتحقق توزيعًا أوسع لعوائد السياحة بعيدًا عن المراكز الحضرية وحدها.
السياحة الثقافية والطبية والمؤتمرات.. فرص تحتاج إلى التخطيط
تتمتع مدينة المنصورة بوجود جامعي وطبي وعلمي بارز، وهو ما يتيح دراسة فرص تنشيط سياحة المؤتمرات والفعاليات العلمية والمهنية، من خلال استضافة المؤتمرات والندوات والملتقيات المتخصصة، بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات المهنية والقطاع الخاص.
كما يمكن بحث فرص تطوير سياحة الاستشفاء والعافية في إطار الخدمات الصحية المتاحة بالمحافظة، مع التمييز بين السياحة العلاجية المنظمة والخدمات الطبية المعتادة، وعدم الترويج لأي خدمات علاجية سياحية إلا بعد التأكد من استيفاء المنشآت المعنية للمعايير والتراخيص المطلوبة.
ويضاف إلى ذلك إمكانية إعداد برامج للسياحة الثقافية تستهدف طلاب المدارس والجامعات، وتربط بين زيارة المواقع التاريخية والأنشطة التعليمية، بما يعزز معرفة الأجيال الجديدة بتاريخ محافظتهم ويشجع السياحة الداخلية.
توصيات ومقترحات لوضع الدقهلية على خريطة السياحة المصرية
إن تحويل المقومات السياحية للدقهلية إلى فرص تنموية حقيقية يحتاج إلى رؤية متكاملة، تتجاوز الترويج التقليدي إلى تطوير المنتج السياحي نفسه، وتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية والمجتمع المحلي والقطاع الخاص.
وفي هذا الإطار، أطرح عددًا من التوصيات والمقترحات:
أولًا: إعداد خريطة سياحية متكاملة للمحافظة
إعداد خريطة رقمية محدثة تتضمن المواقع الأثرية والدينية والطبيعية والترفيهية، ووسائل الوصول إليها، والخدمات المتاحة، ومعلومات الزيارة، مع توفيرها باللغة العربية واللغات الأجنبية الأكثر ملاءمة للأسواق المستهدفة.
ثانيًا: تصميم مسارات سياحية جاهزة للتسويق
إعداد برامج متنوعة، منها مسار تاريخي وثقافي في المنصورة، وبرنامج شاطئي وترفيهي في جمصة، وبرامج بيئية مدروسة في نطاق بحيرة المنزلة، ومسارات للتراث الديني والريف المصري. ويمكن الربط بين هذه البرامج في رحلات متعددة الأيام وفقًا لاحتياجات السوق.
ثالثًا: إطلاق مبادرة «الدقهلية.. اكتشف حكاية المكان»
مبادرة ترويجية مقترحة تستهدف تعريف المصريين والزائرين بالمقومات السياحية للمحافظة، من خلال محتوى رقمي احترافي، وأفلام قصيرة، وحكايات تاريخية موثقة، وصور للمواقع، وبرامج لرحلات اليوم الواحد، بالتعاون مع الجامعات والمدارس وشركات السياحة.
رابعًا: تطوير دار ابن لقمان بوصفها مركزًا للتفسير التاريخي
دراسة تحديث تجربة الزيارة، وإعداد سيناريو عرض متحفي تفاعلي يوثق أحداث الحملة الصليبية السابعة وأسر الملك لويس التاسع ودور أبناء المنصورة، مع توفير لوحات إرشادية ومحتوى رقمي باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وذلك بالتنسيق مع الجهات الأثرية المختصة وبما يتناسب مع طبيعة المبنى وأهميته التاريخية.
خامسًا: وضع خطة للاستثمار السياحي المستدام في جمصة
دراسة احتياجات المدينة من الخدمات السياحية، وتشجيع الاستثمار المسؤول في أماكن الإقامة والمطاعم والأنشطة الترفيهية، وتحسين جودة الخدمات العامة، مع وضع برامج تستهدف تنشيط الزيارة خارج موسم الصيف.
سادسًا: حماية بحيرة المنزلة وتطوير سياحتها البيئية
إعداد دراسة مشتركة بين الجهات السياحية والبيئية والمحلية لتحديد المناطق الملائمة للزيارة، والطاقة الاستيعابية الآمنة، وضوابط الرحلات، مع إشراك المجتمعات المحلية في تقديم الخدمات والاستفادة من عوائد الأنشطة المسموح بها.
سابعًا: دعم المشروعات الصغيرة والحرف والمنتجات المحلية
تشجيع الأسر المنتجة والحرفيين والمطاعم المحلية على المشاركة في سلاسل القيمة السياحية، وإقامة أسواق منظمة للمنتجات التقليدية، وربط هذه المشروعات بمسارات الزيارة والمهرجانات والفعاليات.
ثامنًا: تأهيل الكوادر السياحية والشباب
تنظيم برامج تدريبية في الإرشاد السياحي، واللغات الأجنبية، وخدمة العملاء، والتسويق الرقمي، وإدارة المشروعات السياحية الصغيرة، بالتعاون مع كليات ومعاهد السياحة والفنادق والجهات المتخصصة.
تاسعًا: بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص
تشجيع التعاون بين المحافظة والجهات المعنية بالسياحة والآثار والبيئة والجامعات وشركات السياحة والمستثمرين، لتحديد الأولويات التنفيذية، وتوفير فرص الاستثمار، وتطوير الخدمات وفقًا لاحتياجات الزائرين.
عاشرًا: قياس النتائج بمؤشرات واضحة
وضع مؤشرات متابعة تشمل أعداد الزائرين، ومتوسط مدة الإقامة، ومعدلات الإشغال، والإنفاق السياحي، ورضا الزائرين، وفرص العمل التي توفرها المشروعات الجديدة، مع نشر نتائج المتابعة وتحديث الخطط وفقًا لما تكشفه البيانات.
الدقهلية.. من مقومات واعدة إلى تجربة سياحية متكاملة
إن مستقبل السياحة في الدقهلية لا يتوقف على امتلاك المواقع التاريخية أو الشواطئ أو الموارد الطبيعية فحسب، بل يرتبط بقدرتنا على تحويل هذه المقومات إلى تجارب سياحية منظمة، يسهل الوصول إليها، وتتمتع بجودة الخدمات، وتحافظ على التراث والبيئة، وتحقق عائدًا اقتصاديًا للمجتمع المحلي.
فالمحافظة قادرة، من خلال التخطيط الجيد والتسويق المدروس والشراكة الفاعلة بين الجهات المعنية، على تقديم نموذج متنوع للسياحة الداخلية والمستدامة في إقليم الدلتا، يجمع بين التاريخ والطبيعة والثقافة والترفيه.
وأؤكد أن وضع الدقهلية على خريطة السياحة المصرية يتطلب الانتقال من مرحلة التعريف بالمقومات إلى مرحلة تطوير المنتج السياحي وقياس أثره الاقتصادي والاجتماعي. فكل موقع تاريخي يمكن أن يتحول إلى تجربة تعليمية وثقافية، وكل منطقة طبيعية يمكن أن تفتح مجالًا للسياحة البيئية المسؤولة، وكل مشروع محلي ناجح يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة سياحية تخلق فرص عمل وتدعم التنمية.
وفي السياق ذاته،الدقهلية ليست مجرد محافظة في قلب الدلتا فحسب ؛ بل حكاية تاريخ وطبيعة وإنسان، تستحق أن تُروى للعالم، وأن تتحول كنوزها السياحية إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة.
|