كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هناك رجالٌ يعملون في صمت...لا يبحثون عن الأضواء، ولا تُقاس قيمة ما يقدمونه بعدد الصور التي تُلتقط لهم، وإنما بما يبقى بعد أن تنتهي أعمالهم.
وفي مجال العمارة والهندسة، تصبح هذه الحقيقة أكثر وضوحًا؛ لأن المهندس قد يضع يده على مبنى قائم منذ مئات السنين، فيكون أمام مسؤولية تتجاوز حدود التصميم والتنفيذ.
إنه أمام ذاكرة وطن.
ومن بين الأسماء المصرية التي ارتبطت بالعمل الهندسي والاستشاري، وبصورة خاصة بالمشروعات الكبرى التي تجمع بين العلم والحفاظ على التراث، يأتي اسم: الأستاذ الدكتور مختار محمود صديق.
أستاذ هندسة الكباري والمنشآت المعدنية بكلية الهندسة – جامعة القاهرة، ومؤسس مكتب مصر للاستشارات – بيت خبرة هندسي.
وإذا كان بعض المهندسين يبنون للمستقبل، فإن قيمة تجربة الدكتور مختار صديق تكمن أيضًا في أنه أسهم، من خلال مكتبه وفرق العمل التي يقودها، في التعامل مع مبانٍ كان المطلوب منها أن تصل من الماضي إلى المستقبل دون أن تفقد هويتها.
★ البداية... من الجامعة إلى بيت الخبرة
أسس الدكتور مختار صديق مكتب مصر للاستشارات عام 1986، ليصبح المكتب على مدى سنوات بيت خبرة يعمل في مجالات الدراسات والاستشارات الهندسية والتصميم المتكامل وإدارة المشروعات والإشراف على التنفيذ وضبط الجودة. وتذكر بيانات المكتب أنه راكم خبرة واسعة من خلال المشاركة الاستشارية في مشروعات كبرى داخل مصر وخارجها.
★ ولم يكن التخصص في مجال واحد هو فلسفة المكتب؛ فقد جمع بين التخصصات الهندسية المختلفة، وهو أمر بالغ الأهمية عندما يكون المشروع مبنى تاريخيًا لا يمكن التعامل معه باعتباره منشأة عادية.
فالمبنى الأثري أو التراثي يحتاج إلى أن تتجاور فيه:
الهندسة الإنشائية... والعمارة... والتوثيق...
والدراسات الفنية... والترميم...وإدارة المشروع...
وكل ذلك في إطار واحد يحترم طبيعة المبنى وقيمته التاريخية.
★ من المنشأة إلى الأثر:
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر أهمية في تجربة الدكتور مختار صديق.
فقد امتد عمل مكتب مصر للاستشارات إلى مجال المباني التاريخية والتراثية، حيث أصبح التعامل مع المنشأة مختلفًا عن التعامل مع مبنى حديث.
في المبنى الحديث يستطيع المهندس أن يفكر في الشكل والوظيفة والإنشاء والتكلفة.
أما في الأثر، فهناك سؤال آخر يسبق كل هذه الأسئلة:
كيف نحافظ على ما بقي من الأصل؟
وهذا السؤال وحده يغير فلسفة العمل كلها.
٭ المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية:
من أبرز المشروعات التي توثق هذا الاتجاه مشروع ترميم وتطوير المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية.
فالمتحف الذي أنشئ عام 1892 كان قد تعرض لمشكلات إنشائية وتدهور أدى إلى إغلاقه، ثم مرت أعمال الترميم بمراحل وتوقفات قبل أن تستأنف بصورة واسعة في إطار التعاون بين وزارة الآثار والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وفي عام 2018 كُلّف مكتب مصر للاستشارات، لصاحبه الدكتور مختار صديق، بالعمل كاستشاري مصمم ومشرف على التنفيذ، وفق ما نشرته مصادر صحفية عن المشروع.
وهنا لم يكن التحدي مجرد إعادة المبنى إلى حالته.
فالمتحف كان أمام مهمة أكبر:
كيف يمكن الحفاظ على مبنى تاريخي، وفي الوقت نفسه تطويره ليصبح متحفًا حديثًا قادرًا على استيعاب مجموعاته وخدمة الباحثين والزائرين؟
ولهذا شملت الأعمال الدراسات والاختبارات والتوثيق المعماري والفوتوغرافي، إلى جانب معالجة المشكلات الإنشائية والخامات والأخشاب والمعادن والأملاح والإصابات المختلفة.
ثم جاءت إعادة تنظيم الوظائف المتحفية.
وبعد اكتمال المشروع أصبح المتحف يضم 22 قاعة عرض بالدور الأرضي وثلاث قاعات بالدور الأول، إلى جانب حديقة متحفية ومركز لحفظ وترميم الآثار، ومركز لبحوث العملة، ومخازن وقاعات للدارسين والأرشيف والجبسوتيكا ومكتبة متخصصة وقاعة محاضرات.
وهكذا لم يكن المشروع مجرد ترميم مبنى...
بل كان إعادة إحياء مؤسسة ثقافية كاملة داخل مبنى تاريخي.
وقد افتتح المتحف بعد أعمال التطوير والترميم في أكتوبر 2023.
★ قصر الجوهرة... حين تصبح الوثيقة جزءًا من الترميم:
وفي قلب قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، يأتي قصر الجوهرة باعتباره أحد المشروعات التي شارك فيها مكتب مصر للاستشارات.
وتشير بيانات المكتب إلى دوره في الإشراف على التنفيذ وإدارة المشروع، وتنفيذ أعمال التوثيق المعماري والدراسات الفنية والترميم.
وهنا تظهر أهمية التوثيق.
ففي المباني التاريخية لا يمكن أن تكون يد الترميم أسرع من عين التوثيق.
كل حجر... كل شق... كل تفصيلة معمارية...
كل طبقة أو إضافة تاريخية...
قد تكون وثيقة.
ولهذا يصبح التوثيق قبل التدخل وأثناءه وبعده جزءًا أساسيًا من حماية ذاكرة المبنى.
★ قصر عزيزة فهمي:
ومن المشروعات اللافتة كذلك قصر عزيزة فهمي بالإسكندرية.
وتوضح بيانات مكتب مصر للاستشارات أن المكتب عمل استشاريًا عامًا ومشرفًا على تنفيذ مشروع ترميم وإعادة تأهيل القصر، بتكليف من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة – إدارة الأشغال العسكرية، مع التأكيد على الحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري للقصر.
وهنا نلتقي مرة أخرى بالفكرة نفسها:
ليس الهدف أن يصبح المبنى «جديدًا».
فالترميم الحقيقي لا يعني محو الزمن.
إنما يعني أن نسمح للمبنى بأن يعيش زمنًا جديدًا دون أن نفقد ذاكرته القديمة.
★ مدرسة هندسية تعرف قيمة الأثر:
ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من هذه المشروعات أن الحفاظ على التراث لم يكن نشاطًا هامشيًا بالنسبة إلى بيت الخبرة.
فالمكتب يضم تخصصات هندسية متعددة، كما ظهر في مشروعاته الاعتماد على التوثيق والدراسات الفنية وأعمال الترميم والحفاظ على المباني ذات القيمة التاريخية.
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم مهم جدًا:
«الترميم ليس تخصصًا منفردًا... وإنما منظومة علوم.»
فالمهندس الإنشائي يحتاج إلى المعماري.
والمعماري يحتاج إلى المتخصص في الترميم.
والجميع يحتاج إلى التوثيق والتحليل والدراسات العلمية.
والقرار النهائي يجب أن يكون لصالح الأثر نفسه.
★ أستاذ جامعي... ومهندس يعلّم أجيالًا:
والجانب الأكاديمي في شخصية الدكتور مختار صديق لا يقل أهمية عن الجانب المهني.
فهو أستاذ في هندسة الكباري والمنشآت المعدنية بكلية الهندسة – جامعة القاهرة، وظهر اسمه ضمن لجان أكاديمية وعلمية مرتبطة بأعمال الدراسات العليا والأكواد الهندسية المصرية.
ومن ذلك وروده ضمن اللجنة الفنية الدائمة الخاصة بالكود المصري للمنشآت المعدنية.
كما يظهر اسمه مشرفًا على رسائل دراسات عليا في الهندسة الإنشائية بجامعة القاهرة، بما يعكس امتداد دوره من الممارسة المهنية إلى التعليم والبحث العلمي.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
لأن العلم الحقيقي لا يكتفي بأن ينجز مشروعًا...
بل يترك وراءه تلاميذ يعرفون كيف ينجزون المشروعات التالية.
★ بيت خبرة... وليس مجرد مكتب:
ربما يكون التعبير الأدق عن تجربة الدكتور مختار صديق هو:
«بيت خبرة».
فالخبرة لا تعني عدد السنوات وحدها.
الخبرة هي أن تتراكم المشروعات، وتتراكم معها المعرفة، وتنتقل المعرفة إلى أجيال جديدة من المهندسين والمتخصصين.
مكتب مصر للاستشارات يعمل منذ تأسيسه عام 1986 في مجموعة واسعة من مجالات الاستشارات والتصميم وإدارة المشروعات والإشراف، مع اعتماد تقنيات حديثة مثل BIM في عدد من المشروعات.
وهذا الجمع بين الخبرة المتراكمة والتقنيات الحديثة يصبح أكثر أهمية عندما نتعامل مع مبنى تاريخي.
فالتكنولوجيا الحديثة يجب ألا تكون خصمًا للتراث...
بل أداة لحمايته.
★ من مصر إلى آفاق أوسع:
ولم يتوقف النشاط المهني للدكتور مختار صديق عند المشروعات المصرية.
ففي السنوات الأخيرة ظهر اسمه في مجال الاستشارات المرتبطة بالتراث وإدارة المكان، كما شارك في فعاليات ومؤتمرات تناولت تقنيات التوثيق الرقمي للتراث والحفاظ عليه وإدارته، ومنها مؤتمر التراث الرقمي الذي نظمته هيئة التراث في المملكة العربية السعودية.
وهنا يصبح المشهد أكثر اتساعًا:
- من الحجر المصري القديم...
إلى أدوات التوثيق الرقمي الحديثة.
- ومن الرسم الهندسي التقليدي...
إلى النمذجة الرقمية.
- ومن دراسة المنشأة...
إلى إدارة التراث.
إنها رحلة تؤكد أن حماية الماضي لا تعني الوقوف عند أدوات الماضي.
عندما يلتقي المهندس بالمرمم:
وهنا، من موقعنا نحن الذين عشنا العمل في مجال ترميم الآثار، نستطيع أن نقول إن العلاقة بين المهندس والمرمم يجب أن تكون علاقة تكامل لا تنافس.
فالمرمم يعرف قيمة المادة الأثرية.
والمهندس يعرف سلوك المنشأ.
والمعماري يقرأ التكوين.
والمؤرخ يقرأ الزمن.
والتوثيق يجمع كل ذلك في ذاكرة يمكن الرجوع إليها.
وعندما تعمل هذه العلوم معًا...
يصبح الأثر هو المستفيد الأول.
وهذه هي القيمة الحقيقية التي يمكن أن نلمسها في المشروعات التراثية التي ارتبط بها مكتب الدكتور مختار صديق.
قصر... متحف... قلعة... وذاكرة وطن
عندما ننظر إلى أسماء مثل:
- المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية...
- قصر الجوهرة بقلعة صلاح الدين...
- قصر عزيزة فهمي...
فإننا لا نتحدث عن مبانٍ متفرقة.
نحن نتحدث عن أجزاء من ذاكرة مصر.
متحف يحفظ آثار الإسكندرية وحضارات البحر المتوسط.
وقصر داخل قلعة تحمل قرونًا من التاريخ.
وقصر تاريخي على كورنيش الإسكندرية يمثل جانبًا من التراث المعماري للمدينة.
ومن هنا تصبح مسؤولية من يعمل في هذه المشروعات أكبر من مجرد إنهاء بنود عقد.
إنها مسؤولية تجاه الأجيال التي لم تولد بعد.
★ كلمة وفاء
في سلسلة «مصر... حيث يصنع الإنسان أثرًا لا يموت»، نبحث دائمًا عن الإنسان الذي وقف خلف الأثر، لا عن الحجر وحده.
واليوم نقف أمام شخصية جمعت بين:
الأستاذ الجامعي... والمهندس الاستشاري...
وصاحب بيت الخبرة... والباحث...
والقائد لفِرق متعددة التخصصات...
والمشارك في مشروعات تمس ذاكرة مصر المعمارية.
الأستاذ الدكتور مختار محمود صديق.
وقد يكون أجمل ما في مسيرته أن اسمه لا يقف عند مشروع واحد.
فالمتحف اليوناني الروماني يحمل جزءًا من أثر تجربته.
وقصر الجوهرة يحمل جزءًا آخر.
وقصر عزيزة فهمي يحمل جزءًا ثالثًا.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن وراء هذه المشروعات علمًا متراكمًا وأجيالًا من المهندسين والمتخصصين.
وهكذا فإن العمل الحقيقي لا ينتهي عند تسليم المشروع...
بل يستمر في كل حجر بقي آمنًا، وكل مبنى استعاد قدرته على الحياة، وكل شاب تعلم كيف يحترم التراث قبل أن يضع يده عليه.
وأخيرًا...
إلى الأستاذ الدكتور مختار محمود صديق...
نقول:
جزاكم الله خيرًا عن علمٍ نفعتم به، وعن جهدٍ أسهم في حماية جانب من ذاكرة مصر، وعن سنوات جعلتم فيها من الهندسة وسيلة للبناء والحفاظ معًا.
ونسأل الله أن يمنّ على سيادتكم بموفور الصحة والعافية، ودوام البركة في العمر، وأن يمدكم بالعطاء، وأن يظل علمكم وخبرتكم نورًا ينتفع به أبناؤكم وتلاميذكم وكل من يعمل في خدمة مصر وتراثها.
فمصر لا تحتاج فقط إلى من يبني لها المستقبل...
بل تحتاج أيضًا إلى من يعرف كيف يحمي لها الماضي.
والأثر لا يعيش بالحجر وحده...
وإنما يعيش بالإنسان الذي يعرف قيمته، والعلم الذي يحميه، والضمير الذي يصونه.
حفظ الله أستاذنا الدكتور مختار صديق، وأدام عليه الصحة والبركة والعطاء. --------------------------
|