الخميس, 29 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السيد القصبي... حين أصبحت الهندسة حارسًا لذاكرة
(33)

السيد القصبي... حين أصبحت الهندسة حارسًا لذاكرة 
(33)
عدد : 10-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


من التربة والأساسات... إلى المباني التي تحمل ذاكرة مصر
ماذا يحدث عندما يبدأ الخطر...
تحت الأثر؟
ليس في واجهته...
ولا في زخارفه...
ولا في حجارته الظاهرة أمام العين...
بل في:
التربة... الأساسات... المياه الجوفية... وحركة المنشأ.
هنا لا يكفي أن يكون الإنسان مهندسًا.
بل يحتاج إلى أن يفهم:
الأرض التي يحمل عليها الأثر.
ومن هذه المنطقة شديدة الحساسية في هندسة الحفاظ على التراث، تبدأ حكاية عالم مصري كرّس جانبًا كبيرًا من علمه لخدمة المباني التاريخية والأثرية.
إنه:
الأستاذ الدكتور المهندس السيد عبد الفتاح أحمد القصبي.
********************
البداية من بيلا
في الأول من فبراير عام 1950، وُلد السيد القصبي بمدينة: بيلا – محافظة كفر الشيخ.
نشأ في بيئة دينية انعكست ــ كما يروي المقربون منه ــ على شخصيته؛ فكان الالتزام والانضباط وحب العمل وخدمة الآخرين من السمات التي لازمته في حياته العلمية والمهنية.

* ثم بدأت رحلته مع الهندسة.
عين شمس... البداية الأكاديمية
التحق بكلية الهندسة بجامعة عين شمس، وحصل على:
بكالوريوس الهندسة المدنية – شعبة الإنشاءات عام 1974.
لكن الهندسة المدنية بالنسبة إليه لم تكن نهاية الطريق.
فقد اتجه إلى واحد من أكثر فروعها ارتباطًا بسلامة المنشآت:
" ميكانيكا التربة والأساسات ".
وحصل على درجة الماجستير عام: 1978م
في هندسة أسيوط.
ثم جاءت خطوة أكبر... إلى موسكو
سافر إلى الاتحاد السوفيتي لاستكمال دراسته، وحصل عام: 1983م
على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية من معهد موسكو للهندسة الإنشائية.
وهكذا أصبح يمتلك ثلاثة مفاتيح مهمة:
★ الإنشاءات...
★ ميكانيكا التربة والأساسات...
★ والخبرة الدولية.
لكن أحدًا ربما لم يكن يتوقع أن هذه العلوم ستقوده لاحقًا إلى:
" قلب القاهرة التاريخية ".
لماذا التربة مهمة للأثر؟
قد يسأل القارئ:
ما علاقة أستاذ متخصص في التربة والأساسات بالآثار؟
والإجابة تكشف واحدة من أخطر حقائق الترميم.
فالمبنى الأثري لا يعيش فوق الأرض منفصلًا عنها.
إنه مرتبط بها ارتباطًا عضويًا.
إذا تغيرت: منسوب المياه... أو: خواص التربة...
أو: قدرة التحمل... أو: الضغوط أسفل الأساسات...
فإن المبنى نفسه قد يبدأ في:
الهبوط... أو: التشقق... أو: الميل...
وقد يصل الأمر إلى:
" فقدان الاستقرار "
وهنا تظهر أهمية عالم مثل السيد القصبي.

* من المبنى الحديث إلى المبنى الأثري:
كان يمكن للدكتور القصبي أن يقصر عمله على المنشآت الحديثة.
لكنه دخل مجالًا أكثر حساسية:
ترميم وحماية المباني الأثرية والتاريخية.
وأصبح مستشارًا إنشائيًا في مشروعات تابعة للمجلس الأعلى للآثار ووزارة الثقافة، وفي مشروعات ترميم بالقاهرة التاريخية.
وهنا تغيرت طبيعة السؤال الهندسي.
في المنشأ الحديث يمكن أن تقول:
نزيل الجزء ونبني غيره.
لكن في الأثر:
لا توجد نسخة ثانية.
ولا يجوز أن يكون الحل الهندسي سببًا في فقدان القيمة التاريخية.

* مدرسة جديدة في ترميم الآثار
من خلال خبرته وأعماله، شارك الدكتور القصبي في ترسيخ اتجاه هندسي يهتم بأن يكون الترميم قائمًا على:
الدراسة... التحليل... القياس... فهم التربة...
فهم الأساسات... فهم المنشأ...
" ثم اتخاذ القرار ".
وهذه نقطة جوهرية.
فالترميم العلمي لا يبدأ من:
«ماذا نريد أن نفعل؟»
بل من:
«ماذا يحدث للأثر؟ ولماذا؟»

* الماء... العدو الصامت:
من أخطر المشكلات التي تواجه كثيرًا من آثار مصر:
( المياه الجوفية ).
فالمياه لا تحتاج إلى أن تهدم جدارًا بضربة واحدة.
قد تفعل شيئًا أكثر خطورة:
تتسلل... وتحمل الأملاح... وتغير خصائص التربة... وتؤثر في الأساسات...وتزيد من مظاهر التلف.
ولهذا أصبحت دراسة المياه الجوفية جزءًا أساسيًا من كثير من مشروعات الحفاظ.

* ومن الأعمال التي ارتبط بها الدكتور القصبي:
الإشراف على دراسات إنقاذ معبدي الكرنك والأقصر من تأثيرات المياه الأرضية.
وهنا نكتشف مرة أخرى أن إنقاذ الأثر قد يبدأ:
من الأرض... وليس من الحجر.
الكرنك والأقصر...
تخيلوا المشهد.
معبد عمره آلاف السنين.
أعمدة... وصروح... ونقوش... وأرض تحمل طبقات من التاريخ.
ثم يأتي الخطر من مكان لا يراه السائح:
تحت قدميه.
( المياه الأرضية ).
وهنا يصبح العمل الحقيقي بعيدًا عن الصورة السياحية الجميلة.
إنه:
قياسات... دراسات... نماذج... تحاليل...وحسابات.
وهذه هي المنطقة التي يعمل فيها المهندس.

* مشروع المتحف المصري
وامتدت خبرته أيضًا إلى:
دراسات ترميم المتحف المصري بميدان التحرير.
ذلك المبنى الذي أصبح هو نفسه جزءًا من ذاكرة القاهرة الحديثة.
وهنا تتكرر الفكرة:
كيف نحافظ على مبنى تاريخي...
دون أن نفقد:
أصالته... ووظيفته... وقيمته المعمارية والتاريخية.

* وزارة الصحة... شهادة من الميدان
وهنا أترك المجال لشهادة شخصية.
فقد تشرفت بالعمل مع الدكتور السيد القصبي في:
اللجنة العلمية الخاصة بدراسة وترميم مبنى وزارة الصحة المسجل أثرًا إسلاميًا.
وأذكر أنني التقيت معه في هذه المهمة مع:
الدكتور إسماعيل سلام، وزير الصحة الأسبق.
وكانت المناقشة حول:
حالة المبنى... المشكلات الإنشائية...
ومتطلبات الحفاظ عليه.
وهنا أدركت أن العمل مع القصبي ليس مجرد اجتماع فني.
بل حوار بين: الأثر... و الهندسة... و المسؤولية.

* سور القاهرة الشمالي...
ومن ذكرياتي معه أيضًا:
الدراسة المتعلقة بسور القاهرة الشمالي.
وهنا كانت المسألة شديدة الحساسية.
سور تاريخي... كتل إنشائية قديمة... تربة...
أحمال... وتغيرات حدثت خلال قرون.
والحل لا يمكن أن يكون قرارًا سريعًا.
كان لابد من:
الفهم أولًا... ثم التدخل.
وهذا هو الدرس الذي تعلمته منه.

* الأستاذ قبل أن يكون المستشار
لم يكن القصبي مستشارًا إنشائيًا فقط.
لقد أمضى حياته في التعليم الجامعي.
عمل في كليات الهندسة في:
أسيوط... بنها... و صنعاء.
وتدرج في السلم الأكاديمي:
معيدًا... فمدرسًا مساعدًا... فمدرسًا... فأستاذًا مساعدًا... فأستاذًا.
ثم تولى مناصب إدارية وأكاديمية، من بينها:
رئاسة قسم... و وكالة كلية... و عمادة.
وهكذا أصبح علمه متصلًا بالتعليم والإدارة والممارسة المهنية.

* ثمانية مجلدات... وأجيال من الطلاب
ومن أبرز ما يرويه عن مسيرته العلمية إنتاجه في مجال الكتب والمراجع الهندسية.
فقد وضع مؤلفات جامعية متعددة في تخصصه، وصلت ــ إلى:
- ثمانية مجلدات، بنحو 25 طبعة.
وهنا تظهر قيمة الكتاب.
فالمشروع الهندسي قد ينتهي.
أما الكتاب فيستمر في:
مدرج الجامعة... ومعملها... ومكتب المهندس...
وعقل الطالب.

* ليس عالمًا في مكتبه
ومن الجوانب اللافتة في مسيرته مشاركته في إنشاء وتطوير عدد من:
المعامل الهندسية... و المباني الجامعية...
داخل مصر وخارجها.
كما شارك في إنشاء أقسام وكليات ومعاهد هندسية، وفي تطوير النظم الإدارية واللوائح الخاصة بها.
وهذا يعني أن أثره لم يكن في الأبحاث فقط.
بل في:
- بناء البيئة التي تنتج العلم.
- أكثر من عشرين مؤتمرًا دوليًا
- شارك الدكتور القصبي في مؤتمرات دولية عديدة، وقدم أبحاثًا علمية في تخصصه.
مشاركته في أكثر من:
23 مؤتمرًا دوليًا
وتقديم أكثر من:
24 بحثًا علميًا.
كما شارك في تحكيم رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث العلمية في جامعات مصرية وعربية.

* وهذا الدور مهم.
فالعالم لا يُقاس فقط بما يكتبه...
بل أيضًا بما:
يراجعه ويعلّمه ويحكمه وينقله إلى الجيل التالي.

بعد زلزال 1992 في عام: 1992م
تعرضت مصر لزلزال أكتوبر الشهير.
وكانت آثاره واسعة على المباني والمنشآت.
وفي هذا السياق كُرّم الدكتور القصبي من نقابة المهندسين تقديرًا لجهوده في خدمة المجتمع والمشاركة في معالجة آثار الزلزال.

وهذا يوضح جانبًا آخر من شخصيته:
الهندسة عنده مسؤولية اجتماعية.
يوم المهندس... وفي: 30 مارس 2013
كُرّم الدكتور القصبي في يوم المهندس بحضور رئيس الجمهورية باعتباره من رواد المهندسين المصريين، تقديرًا لدوره في خدمة المهنة والوطن.
ثم توالت التكريمات والدروع وشهادات التقدير.
لكن التكريم الحقيقي للعالم ليس الدرع.
التكريم الحقيقي هو ما يبقى بعده.
أستاذ... ومستشار... ومربي
وهذه هي الثلاثية التي أراها الأجمل في شخصية الدكتور القصبي:
أستاذ يعلم...
مستشار يطبق...
مربٍ يصنع أجيالًا...
ولذلك لم يكن اهتمامه بالترميم مقتصرًا على إنقاذ مبنى بعينه.
كان يريد:
تخريج مهندسين يعرفون كيف يحافظون على التراث.
ومن هنا جاءت رؤيته للشباب
كان يؤمن بأهمية تدريب الشباب علميًا وعمليًا.
أن يعرف المهندس:
ميكانيكا التربة... و الأساسات... و الإنشاءات...
لكن في الوقت نفسه يعرف:
قيمة الأثر... أصالته... والمواثيق الدولية للحفاظ عليه.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لأننا لا نريد مهندسًا يعرف كيف يقوي المبنى فقط.
نريد:
مهندسًا يعرف متى يقوي، ولماذا، وكيف، وبأي قدر.

* العالم الذي رأى العالم
من الجوانب اللافتة في سيرته أنه زار أكثر من:
150 مدينة في نحو 23 دولة.
وكان الهدف من هذه الرحلات الاطلاع على:
التصميمات الحديثة... تكنولوجيا التنفيذ...
النظم الهندسية... و التجارب العالمية.
وهذه الخبرة الدولية مهمة للمهندس الذي يعمل في الحفاظ.
فالأثر مصري...
لكن:
علم الحفاظ على التراث علم عالمي.

* الكود المصري...
ومن الملفات التي شارك فيها:
إعداد الكود المصري لميكانيكا التربة والأساسات وتنفيذ الأساسات.
وهنا نراه مرة أخرى يعمل في منطقة تتجاوز المشروع الفردي.
الكود يعني: قاعدة علمية مشتركة.
أي أن المعرفة لا تبقى في عقل فرد...
بل تتحول إلى مرجع يستفيد منه:
المهندس... المكتب الاستشاري...
الجامعة... و. المشروع.
وهذا ما يفسر قيمة تجربته في الآثار
لأن ترميم الأثر يحتاج إلى:
هندسة قوية...
لكنها يجب أن تكون:
هندسة منضبطة.
فالهدف ليس أن نجعل المبنى «أقوى» بأي ثمن.
بل أن نحافظ على:
أصالته... مواده... تاريخه...ووظيفته...
مع تحقيق القدر الضروري من الاستقرار والأمان.

الترميم مسؤولية قبل أن يكون تخصصًا.
وأن الأثر لا يحتمل:
التجربة العشوائية... ولا: الحلول السريعة...
ولا: التدخل الذي لا ضرورة له.

★ كلمة أخيرة من صديق
أكتب هذه الكلمات لا باعتبارها شهادة كاتب عن عالم...
بل شهادة: زميل وصديق.
تشرفت بأن أشاركه العمل في دراسات ومشروعات تخص تراث مصر.
وتعلمت منه الكثير علميًا وإنسانيًا.
وأتمنى أن يأتي يوم نرى فيه:
كودًا مصريًا متكاملًا لترميم الآثار والحفاظ عليها،
يشارك في إعداده أصحاب الخبرة الحقيقية من:
مهندسين... أثريين... معماريين... مرممين...
جيولوجيين... و علماء مواد.
فمصر التي أعطت العالم أقدم نماذج العمارة والهندسة...
تستحق أن يكون لها:
مدرستها العلمية المصرية في الحفاظ على تراثها.
 
 
الصور :