الجمعة, 30 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

" حسن الباشا" حين يصبح العالم مدرسة
(31)

 - حسن الباشا- حين يصبح العالم مدرسة
 (31)
عدد : 10-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


هناك علماء يكتبون الكتب...
وهناك علماء يكتبون أسماءهم في تاريخ العلم...
لكن هناك قلة نادرة، لا يكتفون بأن يتركوا كتبًا، وإنما يتركون مدرسة كاملة من العلماء والباحثين.
ومن هذه القامات المصرية الكبيرة يأتي اسم الأستاذ الدكتور:
حسن الباشا حسن محمود.
********************
ذلك العالم الذي ارتبط اسمه بالآثار والفنون والعمارة الإسلامية حتى أصبح اسمه عند أجيال من الدارسين عنوانًا للبحث والتدقيق والمنهج.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تطلق عليه الأجيال اللاحقة من تلاميذه ومحبيه تعبيرات مثل «عميد الآثار الإسلامية» و**«سلطان الآثار الإسلامية»**؛ وهي أوصاف تكشف مكانته في الذاكرة العلمية، وليست ألقابًا وظيفية رسمية. وقد استُخدمت هذه اللغة بالفعل في فعاليات تكريمية تناولت سيرته ومنهجه.

★ البداية... من التاريخ إلى الآثار:
ولد حسن الباشا حسن محمود في القاهرة يوم 30 أكتوبر 1919.
بدأ رحلته العلمية بدراسة التاريخ، فحصل على ليسانس الآداب، قسم التاريخ، جامعة القاهرة عام 1943.
ثم لم يتوقف عند التاريخ العام، وإنما اتجه بصورة أكثر تخصصًا إلى عالم الآثار والفنون؛ فحصل على دبلوم معهد الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة عام 1946، ثم درس تاريخ الفن في جامعة لندن، وحصل على دبلوم في تاريخ الفن عام 1950، وعلى B.A. Hons في التاريخ الإسلامي من مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن عام 1951، ثم حصل على الدكتوراه في الآثار الإسلامية من جامعة القاهرة عام 1953.

★وهنا تبدأ ملامح الشخصية.
لقد جمع بين:
التاريخ... والفن... والآثار... واللغة... والوثيقة.
وهذا الجمع هو الذي سيصبح فيما بعد أحد أسرار قوته العلمية.

★ الأستاذ الذي صنع مدرسة:
في عام 1954 بدأ حسن الباشا عمله مدرسًا بقسم الآثار بكلية الآداب بجامعة القاهرة.
ثم أصبح أستاذًا مساعدًا عام 1961، ثم أستاذ كرسي الفنون الإسلامية عام 1966، ثم تولى رئاسة قسم الآثار الإسلامية عام 1977، وأصبح أستاذًا متفرغًا عام 1980.

* لكن الأهم من المناصب هو ما حدث داخل قاعات الدرس.
فبحسب الدراسات المنشورة في تكريمه، أشرف على أكثر من مائة رسالة ماجستير ودكتوراه، وأسهم تأثيره العلمي والتدريسي في تكوين أكثر من خمسة أجيال من أساتذة العمارة والفنون والآثار الإسلامية.

★وهنا نستطيع أن نفهم معنى أن يكون العالم مدرسة.
فكتاب حسن الباشا له عمر...
أما تلميذه الذي يصبح أستاذًا، ثم يخرج أستاذًا آخر، ثم يخرج باحثين...
فهذا هو العلم الذي يتناسل عبر الأجيال.

★ مؤسس قسم الآثار الإسلامية:
ومن العلامات المهمة في مسيرته أنه ارتبط بتأسيس قسم الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، وكان أول رئيس له وفق السيرة المنشورة في مشروع «عاش هنا».
وهذه ليست مجرد مسألة إدارية.
فتأسيس قسم علمي يعني تأسيس
منهج... ومناهج بحث... ومقررات... وباحثين... وتقاليد علمية... وأجيال جديدة.
وهكذا لم يكن حسن الباشا يدرس علم الآثار الإسلامية فقط...
بل ساهم في بناء المؤسسة التي ستدرس هذا العلم من بعده.

★ عندما تحدث الأثر بنفسه:
كان حسن الباشا ينظر إلى الأثر الإسلامي باعتباره وثيقة تاريخية، وليس مجرد عمل فني جميل.
وهذا يظهر بصورة واضحة في عناوين مؤلفاته نفسها.
ففي كتابه:
- «الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار»
يتحول اللقب المكتوب على الأثر إلى مفتاح لقراءة التاريخ.
وفي:
- «الفنون الإسلامية والوظائف على الآثار العربية»
يتحول النص الأثري إلى مصدر لمعرفة الوظائف والمناصب والنظم الاجتماعية والسياسية.
والكتاب صدر في ثلاثة أجزاء خلال 1965–1966، ويعد من أعماله المهمة في هذا المجال.
وهنا تكمن عبقرية المنهج:
لا تمر أمام الكتابة الأثرية باعتبارها زخرفة...
بل اسألها: ماذا تريد أن تقول؟

★ حسن الباشا... المؤرخ الذي قرأ الصورة:
لم يكن اهتمامه مقتصرًا على العمارة والنقوش.
لقد اهتم كذلك بتاريخ التصوير الإسلامي، وأصدر:
- «التصوير الإسلامي في العصور الوسطى»
و «فنون التصوير الإسلامي في مصر».
كما بحث في أثر الفنون الإسلامية في فن النهضة، وكتب عن الفن في العراق القديم وفنون النهضة وتاريخ الدولة العباسية.
وهذا التنوع يكشف اتساع رؤيته.
فالفن الإسلامي عنده لم يكن جزيرة منفصلة عن التاريخ.
كان جزءًا من حركة الحضارة الإنسانية وتفاعل الثقافات.

★ «مدخل إلى الآثار الإسلامية»... الكتاب الذي دخل منه أجيال
ومن أشهر كتبه:
- «مدخل إلى الآثار الإسلامية»
وقد صدرت له طبعة موثقة عن دار النهضة العربية بالقاهرة سنة 1979 في نحو 510 صفحات، مع ببليوغرافيا في نهاية الكتاب.

والكتاب مهم ليس فقط لموضوعه، وإنما لأنه يمثل محاولة لتقديم علم الآثار الإسلامية في إطار منهجي يستطيع الطالب والباحث أن ينطلق منه.
ولذلك ظل اسمه حاضرًا في المراجع الأكاديمية التي تتناول العمارة والفنون الإسلامية.
Al-Furqan Islamic Heritage Foundation
★ موسوعة... لم تكن مجرد كتاب
ثم جاءت واحدة من أعظم ثمار مشروعه العلمي:
«موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية»
وقد صدرت في عدة مجلدات عام 1999، وتضم مجموعة واسعة من أبحاثه في العمارة والآثار والفنون الإسلامية. وتوثق مكتبة الإسكندرية أن المجلد الأول يتناول موضوعات تمتد من تاريخ العمارة الإسلامية إلى دراسة المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وأصول الفن الإسلامي وعلاقاته بالحضارات والفنون الأخرى.

كما تسجل فهارس المكتبات المتخصصة أجزاء أخرى من الموسوعة، بما يؤكد اتساع المشروع وتنوع موضوعاته.

★ وهنا لا بد أن نتوقف:
لأن الموسوعة ليست مجرد تجميع للمعلومات.
إنها محاولة لأن يضع عالم واحد خريطة واسعة لعالم العمارة والآثار والفنون الإسلامية.
من المسجد... إلى القصر...
ومن النقش... إلى التحفة...
ومن العمارة... إلى الصورة...
ومن مصر... إلى العالم الإسلامي.

★ «الفنون الإسلامية والوظائف على الآثار العربية»
وهذا العمل تحديدًا يكشف عبقرية الرجل في قراءة النصوص.
فالآثار بالنسبة إليه ليست مباني صامتة.
الكتابة على الحجر تتحدث...
واللقب يكشف صاحبه...
والوظيفة تكشف النظام الإداري...
والتاريخ يكشف العصر...
والنقش قد يحفظ لنا معلومة ربما لم تصلنا من مصدر آخر.
ولهذا أصبح عمله في هذا المجال مرجعًا مهمًا للباحثين في التاريخ والآثار الإسلامية.

★ حسن الباشا... والقاهرة
ومن الموضوعات التي اهتم بها أيضًا مدينة القاهرة نفسها.
ومن أعماله:
«القاهرة: تاريخها، فنونها، آثارها»
كما تناول موضوعات دقيقة مثل أثر المرأة في فنون القاهرة، ودراسات حول شخصيات وأعمال فنية ومعمارية داخل المدينة.

وهنا يبدو واضحًا أنه لم يكن يرى القاهرة مجرد تجمع من المباني.
بل كان يراها:
مدينة لها ذاكرة... وفن... وإنسان... وتاريخ.

★ العالم الذي خرج من حدود الجامعة
لم يكن نشاطه محصورًا في جامعة القاهرة.
فقد شارك في عدد من اللجان العلمية والثقافية، وكان:
- عضو اللجنة الاستشارية لمشروع طرق الحديد باليونسكو.
- عضو شعبة التراث بالمجالس القومية المتخصصة.
- عضو اللجنة العليا لتطوير دار الكتب.
- عضو مجلس إدارة الفن الإسلامي/متحف الفن الإسلامي.
- مقرر لجنة الآثار بالمجلس الأعلى للثقافة.
-:مقرر اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين بالجامعات المصرية.
- عضوًا في لجان أثرية وتاريخية وفنية وثقافية متعددة.
وهكذا انتقل علمه من قاعة المحاضرة إلى المؤسسات العلمية والثقافية الوطنية والدولية.

★ الجوائز... شهادة الدولة والعلم:
حصل حسن الباشا خلال حياته على عدد من الجوائز والأوسمة، من أبرزها:
- جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية – 1966.
- وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة – 1966.
- وسام الجمهورية من الطبقة الثانية – 1982.
- درع جامعة القاهرة والوشاح الأكبر – 1991.
- جائزة الدولة التقديرية في الفنون – 1992.
- وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى – 1995م.
وهذه الجوائز لا تكفي وحدها لقياس قيمة العالم، لكنها توثق أن الدولة المصرية والمؤسسات العلمية والثقافية كرمت إسهاماته على مدى عقود.

★ خمسة أجيال تحمل اسمه العلمي:
من أجمل ما وجدته في البحث أن تكريمًا علميًا أقيم عن مسيرته عرض أسماء عدد من تلاميذه عبر أجيال متعاقبة، ومنهم:
- الدكتور حسين عبد الرحيم عليوة،
- الدكتور رأفت محمد النبراوي،
- الأستاذ الدكتور محمد محمد الكحلاوي
- الدكتور حسين رمضان،
- الدكتور إيهاب إبراهيم.
وقد قُدمت هذه الأسماء باعتبارها أمثلة على امتداد تأثير مدرسته العلمية عبر أكثر من خمسة أجيال.
وهذا عندي من أجمل ما يمكن أن نقوله عن عالم:
أن تراه في تلاميذه بعد رحيله.

★ حسن الباشا... الإنسان قبل اللقب:
ولعل أجمل ما يلفت النظر في كلمات تلاميذه عنه أن تكريمه لم يكن بعنوان علمه فقط.
فندوة الاحتفاء بمسيرته حملت عناوين مثل:
«الباشا... معالم على درب العلم والإنسانية»
و**«حسن الباشا: علم ومنهج»**
و**«عبقرية الفكرة والتناول»**
و**«قراءة في المنهج العلمي للأستاذ الدكتور حسن الباشا»**.
بل إن الدكتور محمد الكحلاوي تحدث عن «مدرسة حسن الباشا سلطان الآثار الإسلامية» في مقاربة مع مدرسة السلطان حسن المعمارية.
وهذا يكشف أن تلاميذه لم يروا فيه صاحب علم فقط... بل صاحب مدرسة.

★ رحل الجسد... وبقيت المدرسة:
رحل الدكتور حسن الباشا في 12 أبريل 2001، عن عمر ناهز 81 عامًا، لكن رحيله لم يكن نهاية قصته العلمية.
فبعد أكثر من عشرين عامًا على رحيله، ظل تلاميذه ومحبو علمه يعقدون الندوات العلمية لدراسة منهجه واستحضار أثره.
وهذا في حد ذاته شهادة.
فالإنسان قد يموت...
لكن العلم الذي علّمه للآخرين لا يموت معه.

★ كلمة وفاء:
**********
الأستاذ الدكتور حسن الباشا...
يا من أخذت من التاريخ لغته،. ومن الأثر وثيقته، ومن الفن جماله، ومن العمارة أسرارها،
ثم جمعت ذلك كله في مدرسة علمية واحدة...
لقد كنت من أولئك الذين جعلوا من الآثار الإسلامية علمًا له أصول ومنهج، لا مجرد مشاهدة للمباني والتحف.
علمت أجيالًا أن تقرأ النقش...
وأن تفهم اللقب...
وأن تتأمل العمارة...
وأن تسأل عن الإنسان الذي صنع الأثر، وعن المجتمع الذي عاش فيه، وعن الحضارة التي أنجبته.
وما أعظم أن يترك العالم وراءه مئات الصفحات...
لكن الأعظم أن يترك وراءه مئات العقول.

رحم الله الأستاذ الدكتور حسن الباشا، وجزاه عن العلم والآثار والحضارة خير الجزاء.
لقد رحل الرجل...
لكن مدرسته ما زالت تمشي بيننا في كتب تلاميذه، وأبحاثهم، ومحاضراتهم، وطلابهم.

★ حسن الباشا في سطر واحد
لم يكن حسن الباشا مؤرخًا يكتب عن الآثار الإسلامية...
بل كان عالمًا جعل الآثار الإسلامية نفسها تتحدث بلغة التاريخ.
 
 
الصور :