كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت
هناك من ينظر إلى القاهرة...
فيرى شوارع وميادين وعمارات.
وهناك من ينظر إليها...
فيرى زمنًا كاملًا يمشي فوق الأرض.
يرى في المبنى حكاية صاحبه...
وفي الشرفة أسلوب حياة...
وفي الشارع ذاكرة مدينة...
وفي الميدان تاريخًا لا ينبغي أن يضيع.
ومن هذا النوع النادر من البشر:
أستاذتنا الفاضلة الدكتورة سهير زكي حواس.
********************
معمارية... وأستاذة... وباحثة... وخبيرة في العمران...
لكن قبل كل ذلك:
إنسانة اختارت أن تدافع عن ذاكرة القاهرة.
* من أين جاءت الحكاية؟
ربما لم يكن غريبًا أن تصبح سهير حواس واحدة من أبرز الأصوات المصرية المدافعة عن التراث المعماري.
فهي نشأت في بيئة ارتبطت بالعمارة، وكان والدها المعماري زكي حواس أحد المؤثرين في تكوينها العلمي والمهني.
وتروي في حواراتها أنها ورثت عن أبيها العلم وعشق العمارة، وأن تأثيره امتد معها طوال رحلتها العلمية.
* وهنا نفهم شيئًا مهمًا:
لم تكن العمارة بالنسبة إليها مجرد تخصص جامعي.
كانت:
لغة تعلمتها في البيت قبل أن تتعلمها في الجامعة.
العمارة ليست حجارة
وهذه ربما أهم فكرة يمكن أن نفهم بها شخصية سهير حواس.
فالمعماري الذي يرى المبنى مجرد واجهة...
لن يستطيع أن يحافظ على مدينة.
أما الذي يرى خلف الواجهة:
إنسانًا... و تاريخًا... و مجتمعًا...
فهو الذي يستطيع أن يفهم معنى التراث.
ولهذا اتجه اهتمامها بصورة واضحة إلى:
العمارة التاريخية والعمران والحفاظ على التراث.
وأصبحت القاهرة الخديوية واحدة من أهم ساحات عملها العلمي والمهني.
القاهرة الخديوية...
تخيلوا أن تمشوا في وسط القاهرة.
شارعًا بعد شارع... ميدانًا بعد ميدان...
مبنى وراء مبنى.
قد يمر الإنسان بجوار عمارة عمرها أكثر من قرن... ولا يتوقف.
أما الباحث الحقيقي فيسأل:
- من صممها؟
- متى بنيت؟
- لماذا اختير هذا الطراز؟
- من عاش فيها؟
- كيف ارتبطت بالشارع؟
- وماذا حدث لها عبر الزمن؟
* هنا تبدأ القاهرة في الكلام.
ست سنوات من أجل القاهرة
ومن أهم أعمال سهير حواس:
. موسوعة «القاهرة الخديوية».
ولم تكن هذه الموسوعة عملًا عابرًا.
فقد استغرق إعدادها قرابة ست سنوات، ونشرت عام 2002، وكانت من الأعمال التي لفتت الانتباه بقوة إلى القيمة المعمارية والتراثية لمنطقة وسط القاهرة.
وهنا حدث شيء بالغ الأهمية.
فقد بدأت القاهرة الخديوية تُقرأ ليس باعتبارها مجرد منطقة حديثة نسبيًا من تاريخ القاهرة...
بل باعتبارها:
جزءًا أصيلًا من التراث العمراني المصري.
* ومن الكتاب إلى الميدان
قد يكتب الباحث كتابًا...
وينتهي الأمر.
لكن سهير حواس انتقلت من:
التوثيق... إلى: الفعل.
ففي عام 2004 انضمت إلى الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، في مرحلة تأسيسية مهمة للجهاز، وتولت رئاسة الإدارة المركزية للدراسات والبحوث والسياسات حتى عام 2013.
وهنا بدأت مرحلة مختلفة من حياتها.
لم تعد تدرس القاهرة فقط...
بل أصبحت مشاركة في:
حمايتها.
عشر سنوات في قلب قضية التراث
خلال عملها بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ارتبط اسمها بالدراسات والسياسات المتعلقة بالتراث العمراني.
وكان من بين الملفات التي شاركت فيها:
المباني ذات القيمة... المناطق التراثية...
التنسيق الحضاري... وضع الاشتراطات الخاصة بالحماية... والمشاركة في أعمال مرتبطة بالتشريعات المنظمة للحفاظ على التراث.
وتصف هي نفسها تلك الفترة بأنها من أهم المراحل التي غيرت حياتها المهنية.
وليس من الصعب أن نفهم لماذا.
* فقد أصبحت أمام مسؤولية شديدة الصعوبة:
كيف نحافظ على الماضي دون أن نقتل المستقبل؟
سؤال ليس سهلًا
هل نحافظ على المبنى القديم كما هو؟
أم نسمح للمدينة بالتطور؟
هل نترك القاهرة التاريخية متحفًا؟
أم نجعلها مدينة حية؟
كيف نحمي المبنى التراثي...
دون أن نحوله إلى جسم غريب عن حياة الناس؟
هذه ليست أسئلة تجميلية.
إنها أسئلة:
تخطيط... وقانون... واقتصاد... وهوية.
* وهنا تظهر قيمة المتخصص الحقيقي.
وسط القاهرة... متحف مفتوح.
* ارتبط اسم سهير حواس بمشروع تطوير القاهرة الخديوية، وبفكرة التعامل مع وسط القاهرة باعتباره ثروة عمرانية يمكن إعادة إحيائها.
وقد وصفت في حوار صحفي القاهرة الخديوية بأنها من أهم مشروعاتها، كما ارتبط المشروع بفكرة تحويل وسط القاهرة إلى متحف مفتوح.
لكن كلمة «متحف» هنا لا تعني أن نضع المدينة خلف الزجاج.
بل تعني:
أن يعيش الإنسان داخل التاريخ... دون أن يهدمه.
* وهنا تكمن عبقرية الفكرة
القاهرة الخديوية ليست مبنى واحدًا.
إنها: نسيج عمراني.
شارع... ثم ميدان... ثم واجهة... ثم مبنى...
ثم مبنى آخر... ثم فراغ عمراني...ثم حركة الناس.
إذا فقدنا جزءًا من هذا النسيج...
فإننا لا نفقد حجرًا فقط.
بل نفقد: جزءًا من معنى المدينة.
وهذا هو أحد أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من تجربة سهير حواس.
المعمارية التي لم تؤمن بنسخ الماضي
ومن أجمل ما تكشفه حواراتها عن شخصيتها المهنية أنها لا تتعامل مع التراث بمنطق:
انسخ القديم... ثم ضع النسخة في مبنى جديد.
بل تؤكد على الاستفادة من روح الطرز التاريخية مع التعبير عنها بلغة معاصرة.
* وتروي تجربة تصميم فيلا بالمنصورية طلب صاحبها أن تكون على الطراز المصري القديم، فاختارت أن تستفيد من روح العمارة المصرية القديمة دون أن تقوم باستنساخها حرفيًا.
وهذا موقف معماري مهم.
لأن:
التراث ليس قناعًا نرتديه... بل قيمة نفهمها ثم نعيد التعبير عنها.
* القاهرة... كتاب مفتوح.
لو أردنا أن نلخص مشروع سهير حواس في جملة واحدة، فقد نقول:
لقد حاولت أن تجعل المصري يرى القاهرة التي اعتاد عليها بعين جديدة.
أن يمشي في شارع وسط البلد...
ثم يرفع عينيه إلى المبنى.
أن يعرف أن هذه الشرفة ليست مجرد شرفة.
وأن هذا الطراز ليس صدفة.
وأن هذا الشارع ليس مجرد طريق.
وأن خلف كل مبنى:
قصة.
ولهذا أصبحت «حارسة القاهرة الخديوية»
هذا الوصف تكرر في الكتابات الصحفية التي تناولت تجربتها؛ لأنها كرست جانبًا مهمًا من حياتها لتوثيق القاهرة الخديوية والدفاع عن تراثها المعماري.
لكنني أفضل وصفًا آخر:
أستاذة قرأت المدينة... ثم علمتنا كيف نقرأها.
الأستاذة قبل الخبيرة.
وهي في الأصل:
أستاذة العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة – جامعة القاهرة.
* أثرها لم يكن في المباني فقط.
بل في:
الأجيال التي تعلمت منها.
فالجامعة ليست مكانًا لإلقاء المحاضرات فحسب.
إنها المكان الذي تتشكل فيه عقول المهندسين الذين سيصنعون مدن المستقبل.
- وإذا تعلم الطالب أن المبنى له قيمة...
- وأن المدينة لها ذاكرة...
- وأن التراث مسؤولية...
فإن أثر الأستاذ يستمر عشرات السنين بعد انتهاء المحاضرة.
* ثم جاءت الجائزة...
بعد عقود من العمل العلمي والمهني، حصلت الدكتورة سهير زكي حواس عام 2022 على:
جائزة الدولة التقديرية في الفنون.
وهذه ليست جائزة عابرة.
فهي من أرفع جوائز الدولة المصرية في هذا المجال، وقد ورد اسمها رسميًا ضمن الحاصلين على الجائزة في فرع الفنون لعام 2022 في سجلات المجلس الأعلى للثقافة.
وكانت الجائزة بالنسبة إليها ذات معنى خاص.
فقد عبرت عن سعادتها بأن يأتي التكريم من وطنها، رغم حصولها على جوائز خارجية.
* وهنا ربما تكمن أجمل لحظة في الرحلة:
أن يكرم الوطن من دافع عن ذاكرته.
الجوائز ليست كل شيء
لكن الجائزة لا تصنع القيمة.
إنها فقط: تعلن عنها.
والقيمة الحقيقية كانت قد بدأت قبلها بسنوات طويلة.
في:
الكتب... والخرائط... والدراسات... والقوانين...
واللجان... والمشروعات...
وفي المعركة اليومية من أجل ألا يتحول التراث إلى مجرد صور قديمة في الكتب.
* وهنا نصل إلى فلسفة أعمق.
الحفاظ على التراث لا يعني أن نعيش في الماضي.
كما أن الحداثة لا تعني أن نهدم الماضي.
المدينة الناجحة هي التي تعرف:
كيف تتقدم دون أن تنسى من أين جاءت.
وهذه الفكرة تكاد تكون عنوانًا لتجربة سهير حواس كلها.
* أستاذتنا الفاضلة...
حين نضع اسمها في هذه السلسلة، فنحن لا نحتفي فقط بامرأة مصرية ناجحة.
بل نحتفي بمدرسة فكرية تقول:
إن التراث ثروة.
وأن المبنى التاريخي ليس عبئًا.
وأن القاهرة القديمة ليست عائقًا أمام القاهرة الجديدة.
وأن الإنسان يستطيع أن يبني المستقبل...
دون أن يمحو الماضي.
ماذا تركت لنا؟
تركت: علمًا... كتبًا... توثيقًا... دراسات... خبرة مؤسسية... أجيالًا من الطلاب...
وأهم من ذلك كله:
وعيًا بقيمة المدينة.
فالتراث الذي لا يعرفه الناس...
يصعب أن يدافعوا عنه.
أما حين يعرف الإنسان قيمة المكان الذي يعيش فيه...
فإنه يصبح: حارسًا له.
* كلمة أخيرة من القلب.
أستاذتنا الفاضلة الدكتورة سهير حواس...
في زمن تتغير فيه المدن بسرعة...
وتختفي بعض ملامحها تحت ضغط الزمن والتوسع والعمران الحديث...
اخترتِ طريقًا صعبًا:
أن تقفي إلى جوار الذاكرة.
لم تكتفي بأن تقولي إن القاهرة جميلة...
بل بحثتِ:
لماذا هي جميلة؟
ولم تكتفي بأن تقولي إن مبانيها مهمة...
بل وثقتِ:
لماذا يجب أن تبقى؟
ولم تكتفي بقراءة التاريخ...
بل حاولتِ أن تجعلي المدينة نفسها:
وثيقةً حية.
ولهذا فإن اسمك لا يرتبط بكتاب عن القاهرة الخديوية فقط...
بل يرتبط بفكرة أكبر:
أن المدينة ذاكرة... وأن الذاكرة مسؤولية. |