الخميس, 29 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

محمد محمد مرسي الكحلاوي.. رجلٌ جعل من حماية التراث رسالةً ومن العلم موقفا
(22)

 محمد محمد مرسي الكحلاوي.. رجلٌ جعل من حماية التراث رسالةً ومن العلم موقفا
 (22)
عدد : 10-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


- هناك رجالٌ يدرسون التراث...
- وهناك رجالٌ يعيشون بين جنباته...
- وهناك قلةٌ نادرة، لا تكتفي بأن تقرأ التاريخ، وإنما تشعر بمسؤولية الدفاع عنه، كلما تعرض أثرٌ أو مبنى أو ذاكرةُ مكانٍ للخطر.

ومن هذه القلة يأتي الأستاذ الدكتور محمد محمد مرسي الكحلاوي؛ أستاذ الآثار الإسلامية، المتخصص في العمارة الإسلامية، وأحد الأسماء المصرية التي امتد عطاؤها من مدرجات الجامعة إلى مواقع التراث، ومن البحث العلمي إلى قضايا حماية الآثار في مصر والعالم العربي.
ولذلك، فإن وجوده بين شخصيات هذه السلسلة ليس تكريمًا لشخصية علمية فحسب، وإنما هو احتفاء بفكرةٍ أعمق: أن حماية التراث تحتاج إلى عالمٍ يعرف قيمة الحجر قبل أن يعرف قيمة الشهرة.

من القاهرة... بدأت الحكاية.
وُلد الدكتور محمد محمد مرسي الكحلاوي في القاهرة في 24 أكتوبر 1952.
وحصل على ليسانس الآثار الإسلامية من كلية الآثار بجامعة القاهرة عام 1978، ثم حصل على الماجستير في الآثار الإسلامية عام 1981 بتقدير ممتاز، ثم درس في إيطاليا وحصل على دبلوم المدرسة الشرقية بجامعة روما عام 1983، قبل أن يحصل على دكتوراه في الآثار الإسلامية من كلية الآثار بجامعة القاهرة عام 1985 بمرتبة الشرف الأولى.
وكان تخصصه العام الآثار والحضارة الإسلامية، بينما جاء تخصصه الدقيق في العمارة الإسلامية.

* وهنا بدأت ملامح شخصية علمية لا ترى الأثر قطعةً منفصلة عن تاريخها، وإنما تقرأه في علاقته بالإنسان والمجتمع والمدينة.

* من قاعة الدرس... إلى ميدان التراث

لم يكن طريقه أكاديميًا منعزلًا عن الواقع.
فقد عمل بالتدريس في كلية الآثار بجامعة القاهرة، وامتد نشاطه العلمي إلى جامعات عربية وأجنبية؛ فكان محاضرًا في جامعة روما، وأستاذًا مشاركًا بجامعة الملك سعود، وأستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات العربية والأوروبية، منها فاس والجزائر وقسنطينة وتلمسان وصنعاء، كما حاضر في جامعة ريفرسايد بكاليفورنيا.
وهكذا أصبح الطالب أمام أستاذ لا يقدّم له تاريخ العمارة باعتباره صفحات محفوظة، وإنما باعتباره لغةً لها مفرداتها، وروحٌ لها هوية، ومسؤوليةٌ يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل.

* حين يتحول العلم إلى حماية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الدكتور الكحلاوي بالنسبة لفكرة هذه السلسلة.
فالسيرة العلمية المنشورة له توثق مشاركته في أعمال مرتبطة بالآثار والترميم، ومنها عمله خبيرًا استشاريًا للمجلس الأعلى للآثار في إعداد تقارير علمية عن مجموعة من آثار القاهرة التاريخية وتقييم أعمال الترميم بها، وترؤسه لجانًا لفحص أعمال ترميم، ومنها مجموعة قلاوون، فضلًا عن تكليفه بدراسة واستشارة فنية بشأن الجامع العباسي ببورسعيد.
كما شارك في إعداد مشروع إعادة تأهيل باب العزب، ووضع دراسة علمية لتطوير المنطقة بما يحافظ على ما بها من مواقع ومبانٍ أثرية.

* وهنا تظهر قيمة مهمة في تجربته:
فالحفاظ على الأثر عنده لم يكن شعارًا يُقال... وإنما قضية تحتاج إلى دراسة، ووثيقة، ورأي علمي، وموقف.
وحين أصبح الصمت خطرًا على التراث... تكلم
ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر تميزًا في شخصية الدكتور الكحلاوي.

* ففي سيرته العلمية المنشورة، ترد مجموعة من القضايا التي تصدى لها دفاعًا عن التراث، من بينها قضايا تتعلق بـباب العزب، والمتحف الإسلامي، وقصر البارون، ومشيخة الأزهر، وأبراج منطقة القلعة، والاعتداءات على الآثار الإسلامية.
وهنا لا أريد أن أختصر هذه المواقف في عبارة "مدافع عن التراث" فقط؛ فالأدق أن نقول:
كان يرى أن عالم الآثار لا تنتهي مسؤوليته عند حدود البحث والنشر، وإنما تمتد إلى حماية ما يبحثه حين يصبح مهددًا.
وهذه، في تقديري، إحدى أهم الرسائل التي يحتاج شباب الآثار والترميم إلى فهمها.

من القاهرة إلى العالم العربي... التراث لا يعرف الحدود
لم يتوقف اهتمامه عند الآثار المصرية.
فقد ارتبط اسمه بالعمل العربي في مجال التراث، وشغل أدوارًا قيادية في الاتحاد العام للآثاريين العرب، كما كُلّف بملف القدس لدى جامعة الدول العربية، واختير عام 2006 خبيرًا لدى اليونسكو في ملفات تتصل بالآثار العراقية والفلسطينية.
كما شارك في قضايا حماية التراث في القدس، وناقش مخاطر الحفائر التي قد تمس سلامة المسجد الأقصى، وشارك في أعمال ومبادرات عربية ودولية تتعلق بحماية التراث الثقافي.
وفي هذا السياق، لم يكن دفاعه عن التراث العربي مجرد انتماء عاطفي، وإنما ارتبط بالبحث والتوثيق والمشاركة في المؤتمرات واللجان العلمية.

* والكتاب عنده... أثرٌ آخر.
ترك الدكتور الكحلاوي إنتاجًا علميًا واسعًا في مجال الآثار والعمارة الإسلامية.
ومن بين كتبه وأعماله:
- آثار مصر الإسلامية في كتابات الرحالة المغاربة والأندلسيين.
- ومساجد المغرب والأندلس.
- والمزارات الدينية في مصر.
- والتراث المعماري المصري في القرنين التاسع عشر والعشرين.
- ومخاطر الحفائر الإسرائيلية على المسجد الأقصى.
إلى جانب بحوث ودراسات تناولت تخطيط المساجد، والعمارة المملوكية، والمدارس المغربية، والعلاقة بين العقيدة وتخطيط العمارة الدينية، وقضايا الحفاظ على التراث العمراني.
وهذا الإنتاج يكشف شيئًا مهمًا:
أنه لم يكن يكتفي بأن يرى المبنى... بل كان يريد أن يفهم لماذا بُني، وكيف تطور، وما الذي يهدده، وكيف يمكن أن يبقى.

* العلم... حين يصبح موقفًا.
ولعل أجمل ما في مسيرته أن اهتمامه بالتراث لم يبقَ حبيس الكتب والمؤتمرات.
فقد شارك في برامج وأفلام وثائقية عن التراث المصري، والمساجد الأثرية، والمصحف الشريف، والخط العربي، كما قدم برامج عن التراث الحضاري في عدد من الدول العربية.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
فالعالم الذي يعرف قيمة التراث عليه ألا يحتفظ بالمعرفة لنفسه؛ لأن الأثر الذي لا يعرف الناس قيمته يصبح أكثر عرضة للضياع.

* تكريمٌ جاء من أهل التراث
.. وفي عام 2022 كرّم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري الدكتور محمد الكحلاوي ضمن الشخصيات المؤثرة في الحفاظ على التراث الحضاري والإنساني للعمران المصري.
.. ثم جاء تقدير أحدث وأكثر دلالة؛ ففي 2026 اختاره الجهاز القومي للتنسيق الحضاري شخصية العام التراثية، تقديرًا لإسهاماته في الحفاظ على التراث المعماري والعمراني المصري والعربي.
.. وفي يناير 2025 مُنح كذلك نجمة الاستحقاق، وسام دولة فلسطين تقديرًا لدوره في حماية التراث الفلسطيني وجهوده في الدفاع عن الرواية التاريخية والتراثية الفلسطينية.

* وليس المهم هنا تعداد الأوسمة...
بل أن نقرأ ما وراءها:
أن الرجل الذي قضى عمره يدافع عن قيمة التراث، أصبح هو نفسه جزءًا من ذاكرة هذا التراث.
محمد الكحلاوي... حين يكون الأثر أمانة
في زمنٍ تتغير فيه المدن سريعًا، وتتصارع فيه مشروعات التطوير مع ذاكرة المكان، يصبح وجود علماء يعرفون الفرق بين التطوير والتغيير، وبين الترميم وإعادة الصياغة، وبين استثمار التراث واستهلاكه، ضرورةً لا ترفًا.

* ومن هنا تأتي قيمة الدكتور محمد الكحلاوي.
فهو نموذج للعالم الذي لم يفصل بين المعرفة والمسؤولية، ولا بين البحث والموقف، ولا بين الأثر والإنسان.
وقد تختلف الآراء حول بعض مشروعات الحفاظ أو أساليب إدارتها، وهذه طبيعة العمل العلمي؛ لكن الثابت في مسيرته الموثقة أنه جعل قضية التراث وحمايته محورًا رئيسيًا من نشاطه العلمي والمهني والعربي.

* وفي النهاية...
- هناك من يترك وراءه كتابًا...
- وهناك من يترك تلميذًا...
- وهناك من يترك موقفًا.
أما الذين يتركون علمًا، وتلاميذ، ومواقف، ودفاعًا عن ذاكرة المكان... فهؤلاء لا تنتهي سيرتهم بانتهاء أعمارهم.
لأنهم، ببساطة، يصبحون جزءًا من الأثر الذي أحبوه.
الأستاذ الدكتور محمد محمد مرسي الكحلاوي...
أستاذٌ في الآثار الإسلامية، وباحثٌ في العمارة، وخبيرٌ في قضايا التراث، وصوتٌ عربيٌّ ظل حاضرًا كلما احتاج الحجر إلى من يتحدث باسمه. -------------------------------
بقلم : فاروق شرف.
 
 
الصور :