السبت , 31 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

محمد حمزة الحداد...«المؤرخ» الذي قرأ التاريخ في الحجر
(23)

محمد حمزة الحداد...«المؤرخ» الذي قرأ التاريخ في الحجر
 (23)
عدد : 10-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية



هناك علماء يدرّسون علم الآثار، وهناك علماء يجعلون من الأثر نفسه كتابًا مفتوحًا لقراءة التاريخ...
ومن هؤلاء العلماء الأجلاء الأستاذ الدكتور محمد حمزة إسماعيل الحداد؛ أستاذ الآثار والعمارة الإسلامية، وعميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الأسبق، وأحد الأساتذة الذين ارتبطت أسماؤهم بالبحث العلمي والتدريس وتكوين أجيال متتابعة من المتخصصين في الآثار الإسلامية والعمارة والتراث.


* وقد عُرف بين بعض زملائه ومحبيه بلقب «المؤرخ»؛ وهو لقب أراه جديرًا بالتأمل، ليس لأنه مجرد وصف أدبي، وإنما لأن جانبًا مهمًا من منهجه العلمي يقوم على قراءة الأثر باعتباره وثيقة تاريخية؛ فالنقش، والعمارة، والتخطيط، والعناصر المعمارية، ليست عنده مجرد تفاصيل فنية، وإنما شواهد يمكن من خلالها أن نقرأ تاريخ المجتمع وحضارته.

* ومن هنا جاء اهتمامه بالربط بين علم الآثار والتاريخ والحضارة، وهو منهج يظهر بوضوح في أعماله وبحوثه العلمية.

- ومن أمثلة ذلك بحثه المنشور بعنوان «أثر الخط العربي في فنون أوروبا في ضوء الأدلة الأثرية»، الذي يؤكد أهمية الأدلة الأثرية في فهم حركة التأثير الحضاري وتبادل الفنون بين الحضارات.

* من قاعات الدراسة... إلى صناعة أجيال:
والحديث عن الدكتور محمد حمزة الحداد لا يمكن أن يقتصر على مؤلفاته وأبحاثه؛ فهناك جانب آخر ربما يكون أكثر بقاءً من الكتاب نفسه...

- إنه الأجيال التي تعلمت على يديه.

فالأستاذ الجامعي الحقيقي لا يترك أثره فقط في صفحات الكتب، وإنما يتركه أيضًا في عقول طلابه وباحثيه، وفي رسائل الماجستير والدكتوراه التي أشرف عليها، وفي المتخصصين الذين خرجوا من قاعات المحاضرات ليحملوا علم الآثار إلى مواقع العمل والبحث والتعليم.

- وقد ظهر اسمه عبر سنوات طويلة في الإشراف والمشاركة العلمية في الرسائل والبحوث المتخصصة في الآثار والعمارة الإسلامية، وهو ما يؤكد امتداد دوره الأكاديمي إلى أجيال متعاقبة من الباحثين.

* وحين تولى عمادة كلية الآثار بجامعة القاهرة، لم يكن حضوره إداريًا فقط؛ بل ظل حاضرًا في المؤتمرات والندوات والأنشطة العلمية وقضايا الآثار والتراث. فقد شارك بصفته عميدًا للكلية في فعاليات علمية تناولت علاقة الآثار بالتاريخ، كما ترأس مؤتمرًا علميًا دوليًا ناقش قضايا الآثار والترميم وصيانة التراث والتعاون بين المتخصصين في دول البحر المتوسط.

* عالمٌ لم يبقَ داخل أسوار الجامعة:

ومن أجمل ما يميز هذه الشخصية العلمية أن اهتمامه لم يتوقف عند البحث الأكاديمي؛ فقد ظل حاضرًا في القضايا العامة المتعلقة بالآثار والتراث.

ففي أكثر من مناسبة تحدث عن ضرورة التعامل العلمي مع الآثار، وأهمية الاستعانة بالمتخصصين، وربط الدراسة الأكاديمية بالتطبيق العملي.

كما ارتبط اسمه خلال فترة عمادته بعدد من المبادرات والأنشطة التي جمعت بين الجامعة والعمل الأثري، وبين المعرفة العلمية وخدمة التراث.

وكان يرى أن كلية الآثار لا ينبغي أن تكون مجرد مكان للحصول على شهادة، وإنما مؤسسة علمية تُنتج المعرفة، وتُكسبها للطلاب، وتعمل على توظيفها في خدمة المجتمع وحماية التراث.

* وحين التقيتُ به...

وهنا اسمحوا لي أن أخرج قليلًا من صفحات الكتب والمراجع، لأتحدث عن موقف شخصي أعتز به.
فقد تشرفت بلقاء الأستاذ الدكتور محمد حمزة الحداد في مكتبه بعمادة كلية الآثار بجامعة القاهرة، وكان ذلك لقاءً أعتز به كثيرًا.

ذهبت إليه وأنا أحمل معي نسختين من أحد إصداراتي العلمية بعنوان «ترميم المنشآت الحجرية»، لأهديهما إلى كلية الآثار، تقديرًا لدورها العلمي الكبير في إعداد المتخصصين في مجالات الآثار والترميم.
ولم يكن إهداء الكتاب بالنسبة لي مجرد تقديم مؤلف إلى مكتبة جامعية؛ وإنما كان بالنسبة لي نوعًا من الحوار بين أبناء مهنة واحدة، وإن اختلفت مواقع العمل وتخصصاته.
فأنا الذي عشت سنوات طويلة وسط الأحجار والعمائر والمواقع الأثرية، وكان شغلي الشاغل هو الحفاظ على المادة الأثرية وصيانتها وترميمها، كنت سعيدًا بأن يصل كتاب يتناول خبرة عملية في ترميم المنشآت الحجرية إلى مؤسسة علمية خرجت أجيالًا من علماء الآثار والمتخصصين.

* وكان اللقاء بالدكتور محمد حمزة الحداد بالنسبة لي لقاءً مع عالم أقدره وأحترم علمه، وأحد أبناء المدرسة المصرية التي آمنت بأن حماية الأثر لا تبدأ من موقع الترميم فقط، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير... من العلم والدراسة والفهم الصحيح لقيمة الأثر.

* «المؤرخ» الذي يرى في الحجر ذاكرة:

ولعل أجمل ما يمكن أن نفهمه من تجربة الدكتور محمد حمزة الحداد أن الأثر عند العالم الحقيقي ليس حجرًا صامتًا.
- فالعمارة تتحدث.
- والنقوش تتحدث.
- والتخطيط يتحدث.

والتفاصيل الصغيرة التي قد يمر عليها الإنسان العادي دون انتباه، يستطيع عالم الآثار أن يحولها إلى معلومة، ثم إلى دليل، ثم إلى صفحة جديدة في كتاب التاريخ.

وهنا تحديدًا أفهم لماذا أطلق عليه بعض زملائه لقب «المؤرخ».
فالمؤرخ قد يقرأ الوثيقة ليعرف ما حدث، وعالم الآثار يستطيع أن يقرأ الأثر نفسه ليكتشف ما حدث.
وعندما يلتقي الاثنان في عقل عالم واحد، تصبح العمارة وثيقة، ويصبح الحجر شاهدًا، وتتحول القاهرة التاريخية إلى كتاب مفتوح.

* عميدٌ وأستاذٌ وباحث.

وتكشف مسيرته الأكاديمية عن امتداد طويل في مجال الآثار الإسلامية والعمارة والحضارة الإسلامية، حتى أصبح اسمه حاضرًا في الدراسات المتعلقة بالعمارة الإسلامية والنقوش والفنون والتراث.
وقد نُشر له عدد من الدراسات المتخصصة، كما ارتبط اسمه بمؤلفات تناولت موضوعات متعددة في العمارة والفن الإسلامي، وهو ما يعكس اتساع اهتمامه العلمي وتنوعه.

ولم يكن حضوره مقتصرًا على مجال تخصصه الضيق، بل امتد إلى قضايا أوسع تتصل بتاريخ القاهرة وتراثها وعمارتها، وهو أمر ظهر أيضًا في حديثه عن القاهرة القديمة وخططها ومعالمها، وعن العلاقة بين العمارة والتاريخ والحياة الاجتماعية.

* أثر العالم لا ينتهي بخروجه من مكتبه

- قد ينتهي الأستاذ من محاضرته...
- وقد يغلق الباحث كتابه...
- وقد يغادر العميد مكتبه بعد انتهاء سنوات العمادة...
لكن أثر العالم لا ينتهي.
- يبقى في طالبٍ أصبح أستاذًا.
- وفي باحثٍ أصبح عالمًا.
- وفي رسالة علمية أصبحت مرجعًا.
- وفي أثرٍ تم فهمه وحمايته بصورة أفضل.
- وفي معلومة صحيحة انتقلت من جيل إلى جيل.
وهذا هو المعنى الحقيقي للعنوان الذي اخترناه لهذه السلسلة:
«مصر... حيث يصنع الإنسان أثرًا لا يموت».
فليس كل أثر من حجر...
بعض الآثار عقولٌ تفتح الطريق أمام عقول أخرى.

كلمة وفاء.
********

الأستاذ الدكتور محمد حمزة الحداد...
عالمٌ جليل، وأستاذُ أجيال، وباحثٌ متميز في الآثار والعمارة الإسلامية، وأحد الذين حملوا مسؤولية العلم لا باعتباره وظيفة، وإنما باعتباره أمانة ورسالة.

وفي زمن نحتاج فيه إلى أن نعيد للعلماء مكانتهم، وأن نُعرّف الأجيال الجديدة برجال صنعوا المعرفة، وخدموا الآثار، ودافعوا عن التراث، تصبح الكتابة عن هذه الشخصيات نوعًا من رد الجميل والوفاء.

* وهنا يفرض نفسه سؤال من القلب:

أفلا يجدر بنا أن نستعين بمثل هذا العالم الجليل، بما يملكه من علم وخبرة ورؤية تاريخية، في القضايا التي تمس تراث مصر وآثارها؟

أفلا نستفيد من عالمٍ أفنى جانبًا كبيرًا من عمره في دراسة آثار مصر وعمارتها وتاريخها، وأصبح شاهدًا علميًا على مراحل مهمة من تطور الفكر الأثري والمعماري؟

* إن مصر تمتلك تراثًا لا يقدَّر بثمن؛ تراثًا يفخر به كل مصري وطني محب لوطنه، وكل من يعرف قيمة هذه الأرض التي تراكمت فوقها طبقات الحضارة عبر آلاف السنين.

ومن حق هذا التراث علينا أن يكون للعلماء الكبار صوتٌ مسموع، ورأيٌ مستنير، ومشاركةٌ حقيقية في القضايا التي تتعلق بالحفاظ عليه وصيانته وتوثيقه، وأن نستفيد من خبراتهم قبل أن نفقد جزءًا من الذاكرة التي حملوها معنا عبر عقود طويلة.

والدكتور محمد حمزة الحداد واحد من هؤلاء العلماء الذين يمثلون ذاكرة علمية حية؛ بما يحمله من معرفة بالآثار والعمارة الإسلامية، وبما قدمه من علم وبحث وتعليم، وبما عُرف عنه من اهتمام بقضايا التراث والدفاع عنه بالعلم والحجة التاريخية.

ولذلك فإن تكريم العلماء لا يكون فقط بإطلاق الألقاب عليهم أو الاحتفاء بهم في المناسبات، وإنما يكون أيضًا بالاستماع إليهم، والاستفادة من علمهم، وإتاحة المجال أمام خبراتهم لخدمة تراث الوطن.

ومن القلب، ندعو الله أن يبارك في عمر أستاذنا الجليل الأستاذ الدكتور محمد حمزة الحداد، وأن يمنحه دوام الصحة والعافية، وأن يمد في عمره، ويعينه على مواصلة رسالته العلمية، ومواصلة الدفاع عن تراث مصر وآثارها بالعلم، والمعرفة، والبحث، والكلمة الصادقة، والحجة التاريخية.

ونسأل الله أن يظل عطاؤه ممتدًا، وأن ينتفع بعلمه طلابه وتلاميذه والأجيال القادمة، وأن يجعل كل كتاب كتبه، وكل بحث أنجزه، وكل طالب علّمه، وكل كلمة قالها دفاعًا عن تراث مصر، في ميزان حسناته.

بارك الله في علمكم وعُمركم وعطائكم، أستاذنا الجليل، وحفظكم لمصر ولعلمها ولتراثها، وأدامكم منارةً يهتدي بها الباحثون، وصوتًا علميًا مخلصًا في الدفاع عن ذاكرة هذا الوطن العظيم.
فالأوطان لا تحفظ تراثها بالحجارة وحدها...

وإنما تحفظه بعلمائها، وبمن يعرفون قيمته، وبمن يحملون أمانة الدفاع عنه إلى الأجيال القادمة.
دام عطاؤكم، ودام علمكم، ودامت مصر حافظةً لتراثها، معتزةً بعلمائها وأبنائها المخلصين.
 
 
الصور :