بقلم: عبد الرحمن صقر
حين تشرق شمس السادس من أكتوبر من كل عام على أرض الكنانة، لا تتوقف الذاكرة عند حدود استرجاع أمجاد العبور العظيم فحسب، بل تتسع لتلتقي بقدسية الأرض ووديعة الأجداد، وتستعيد مصر واحدة من أعظم صفحات تاريخها، يوم سطر أبطال القوات المسلحة ملحمة وطنية خالدة، أعادت للوطن أرضه وكرامته، وأثبتت للعالم أن إرادة المصريين قادرة على عبور أصعب التحديات.
فلم يكن نصر أكتوبر المجيد مجرد معركة عسكرية حطمت أسطورة العدو الغاشم، بل كان آية من آيات الصدق والإيمان، حين صدق أبطال قواتنا المسلحة الباسلة ما عاهدوا الله عليه، فكانوا حقًا خير أجناد الأرض، وقدموا نموذجًا خالدًا في التضحية والفداء من أجل الوطن.
ولكن حين نتأمل مسيرة هذا الوطن العظيم، ندرك بيقين ووعي أن مصر وجيشها لم يتوقفا يومًا عن الحرب، وإنما تنوعت الجبهات وتعددت الميادين.
فحرب الأسلحة والدبابات يخوضها أولئك الأبطال المرابطون على الثغور، بينما يمتد باقي الجيش المصري العظيم ليكون بلا عداد ولا حصار، في ميادين العمل والبناء والتنمية والعطاء.
هناك الجيش الأبيض من الأطباء وهيئات التمريض، الذين يرتدون دروع الرحمة في كل مستشفى وميدان، وهناك جيش البناء من المهندسين والمقاولين والعمال الذين يعمرون الأرض ويشيدون الغد، وهناك الجيش الاقتصادي والصناعي والسياحي من صناع ورواد أعمال وقائمين على القطاعات المختلفة، الذين يحاربون بالتقدم والازدهار، ويخوضون معركة التنمية بسواعدهم وعقولهم.
ويبرز أيضًا جيش الإيمان والعقيدة، جيش شعاره الخالد: مسلم ومسيحي إيد واحدة، ينشأ فيه الأبناء على المحبة والرباط إلى يوم الدين.
جيش يتطهر بالوفاء قبل الماء؛ ففينا كتيبة يقوم تقويمها على هدي الأزهر الشريف ووصية المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بأقباط مصر خيرًا، فإن لنا فيها صهرًا ونسبًا»، وفينا كتيبة ترعاها الكنيسة بالمحبة والأخوة، ويهتدي الجميع بنور قوله تعالى في سورة المائدة: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى».
ويضاف إلى ذلك جيش الأجيال الصغيرة من طلاب المدارس والمعاهد والجامعات، مصانع الرجال التي تعد للوطن دروعًا واقية ومستقبلًا مشرقًا، وتحمل راية مصر من جيل إلى جيل.
السياحة.. جيش مصر الناعم
ومن قلب هذه الجيوش المتنوعة، نقف نحن أبناء قطاع السياحة، وخاصة من صرحنا الأكاديمي العظيم جامعة 6 أكتوبر، لنعرف أننا لسنا مجرد عاملين في قطاع خدمي عابر، وإنما نحن جزء من الجيش الأدبي والرديف للدولة.
فنحن نحمل رسالة مصر إلى العالم، ونقدم وجهها الحضاري والثقافي والإنساني، ونحارب بالتقدم والازدهار، ونثبت للقاصي والداني قوة هذا الوطن حين يشهد العالم المنتج السياحي الأعظم على الأراضي المصرية.
إن السائح الذي يطأ أرض مصر لا يرى مجرد مقصد سياحي، وإنما يلتقي بتاريخ أمة وحضارة ممتدة عبر آلاف السنين، ويعيش تجربة تتكامل فيها الحضارة مع الطبيعة، والآثار مع الثقافة، والنيل مع الصحراء، والبحر مع المدن التاريخية.
وهنا تتجلى قيمة السياحة بإعتبارها واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، فهي لا تكتفي بتحقيق العائد الاقتصادي وتوفير فرص العمل، وإنما تحمل صورة مصر إلى مختلف شعوب العالم، وتفتح جسورًا للتواصل والتقارب بين الحضارات.
ونحن أبناء هذا القطاع نحمل أمانة إرث لا يُثمن، تركه لنا الأجداد، ومسؤولية الحفاظ عليه والتعريف به والترويج له، حتى تظل مصر حاضرة بقوة على الخريطة السياحية العالمية.
وإذا كان أبطال أكتوبر قد عبروا قناة السويس لتحرير الأرض، فإن أبناء السياحة اليوم يخوضون معركة أخرى من أجل تعظيم قيمة هذه الأرض، وإبراز ما تمتلكه من مقومات سياحية وحضارية، وجذب المزيد من الزائرين من مختلف أنحاء العالم.
إنها معركة مختلفة في أدواتها، لكنها واحدة في هدفها: رفعة مصر وصناعة مستقبلها.
ومن هنا، فإن كل فندق يستقبل سائحًا، وكل مرشد سياحي ينقل قصة حضارة، وكل أستاذ جامعي يعد طالبًا للمستقبل، وكل عامل يشارك في صناعة التجربة السياحية المصرية، إنما يؤدي دوره في معركة البناء والتنمية.
من روح أكتوبر إلى الجمهورية الجديدة
وفي ظل ما تشهده مصر من مشروعات قومية ونهضة تنموية في مختلف المجالات، تتواصل مسيرة البناء في الجمهورية الجديدة، لتؤكد أن روح أكتوبر لم تكن مرتبطة بلحظة تاريخية وانتهت، وإنما أصبحت منهجًا في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
فكما كانت الإرادة المصرية مفتاح العبور في أكتوبر، أصبحت الإرادة نفسها وقودًا لمعركة التنمية، ودعم مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفي مقدمتها السياحة التي تمثل أحد أهم روافد الاقتصاد المصري وأحد جسور التواصل بين مصر والعالم.
وهكذا تلتقي قدسية انتصار السادس من أكتوبر مع نهضة السياحة المصرية، في رسالة واحدة مفادها أن الوطن الذي استطاع أن يعبر أصعب الموانع قادر على مواصلة العبور نحو آفاق أرحب من التنمية والازدهار.
وفي خضم هذه الذكرى المجيدة، نتوجه بتحية إجلال وفخر إلى جيشنا العظيم بقيادته الحكيمة، وإلى كل يد تبني وتعمر في وطننا الغالي، وإلى كل مصري يؤدي دوره بإخلاص في معركة البناء.
نستلهم من روح أكتوبر أن النصر ليس لحظة عابرة، وإنما إرادة مستمرة، وأن حب الوطن لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالعمل والعطاء والإتقان.
فمصر التي عبرت في السادس من أكتوبر، تستطيع أن تعبر اليوم كل التحديات بسواعد أبنائها، وبإيمانهم بأن هذا الوطن يستحق أن يبقى دائمًا في المكانة التي تليق به.
ومن أرض الكنانة، تمتد أجنحة الوطن الممدودة إلى العالم، تحمل رسالة مصر الحضارية، وتضيء طريقها بالحضارة والسلام، لتظل مصر دائمًا أم الدنيا، أرض الحضارتين، وموطن التاريخ، والحاضر، والمستقبل. |