كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هل يمكن أن تقرأ تاريخ مصر...
من خلال عظام موتاها؟
هل يمكن لجمجمة عمرها آلاف السنين أن تخبرنا:
من عاش هنا؟
وكيف عاش؟
وماذا أكل؟
وكيف تطورت صحة الإنسان المصري؟
وهل كان المصريون القدماء شعبًا مستقرًا عبر آلاف السنين؟
أسئلة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى عالم الطب...
لكنها في الحقيقة تقودنا إلى:
علم الآثار والأنثروبولوجيا.
* ومن هنا تبدأ حكاية طبيب مصري استثنائي...
لم يكتفِ بأن يعالج الإنسان الحي...
بل جعل من:
الإنسان القديم موضوعًا للبحث العلمي.
إنه:
الدكتور أحمد محمود البطراوي.
********************
من قرية صغيرة إلى قصر العيني
ولد أحمد محمود البطراوي عام 1902 في قرية طه شبرا التابعة لمركز قويسنا بمحافظة المنوفية.
نشأ في أسرة علم.
وكان والده محمود البطراوي من رجال التعليم، يعمل بالتدريس في دار العلوم العليا.
* بدأ أحمد تعليمه في الكُتّاب، ثم انتقل إلى القاهرة، وأكمل تعليمه، والتحق بمدرسة الطب العليا بقصر العيني.
وفي عام: 1926م
حصل على بكالوريوس الطب.
ثم عمل فترة قصيرة بوزارة الصحة، قبل أن يُعيّن معيدًا بقسم التشريح بكلية الطب.
وهنا كان من الطبيعي أن تبدأ حياته كطبيب تشريح.
لكن مصر كانت تستعد لحدث سيغير مسار حياته بالكامل.
النيل... ومهمة إنقاذ لا تتكرر
كانت مصر تستعد لـ:
التعلية الثانية لخزان أسوان.
وكان معنى ذلك أن مناطق واسعة من وادي النيل في النوبة ستتعرض للغمر بالمياه.
وكان هناك خطر حقيقي:
إذا غمرت المياه تلك الأرض...
فإن ما تحتها من:
مقابر... آثار... بقايا بشرية... نقوش... وأدوات...
قد يختفي إلى الأبد.
ولهذا أُرسلت بعثة أثرية كبيرة لإنقاذ وتسجيل ودراسة آثار المنطقة.
وكان من بين أعضائها:
الطبيب أحمد البطراوي.
لكن ماذا يفعل طبيب تشريح وسط بعثة آثار؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
مهمته لم تكن الذهب... بل الإنسان
كُلّف البطراوي بجمع:
البقايا البشرية
التي تكشف عنها الحفائر، ودراستها علميًا.
لم يكن عمله مجرد جمع جماجم وعظام.
كان عليه أن يحاول الإجابة عن أسئلة علمية:
من هؤلاء الناس؟ وما أعمارهم؟ وما جنسهم؟
ما خصائصهم التشريحية؟
ما الأمراض أو الإصابات التي تظهر على عظامهم؟
وما الذي يمكن أن تخبرنا به هذه البقايا عن سكان وادي النيل؟
وهكذا أصبح:
الطبيب جزءًا من فريق علم الآثار.
وهذه كانت بداية التحول الكبير في حياته.
* من الحفائر إلى المختبر
قدم البطراوي تقريرًا علميًا عن البقايا البشرية التي جُمعت خلال بعثة النوبة.
ولم يكن التقرير مجرد ملحق صغير بتقرير أثري.
بل صدر له في القاهرة عام 1935 كتاب مستقل بعنوان:
Report on the Human Remains
ضمن منشورات مصلحة الآثار المصرية الخاصة ببعثة النوبة 1929–1934.
ويضم التقرير 200 صفحة، بالإضافة إلى لوحات وجداول وصور علمية.
وهنا يجب أن نتوقف.
فهذا الرجل لم يكن يجمع بقايا بشرية لمجرد حفظها.
لقد كان:
يحول البقايا إلى بيانات علمية.
* والمكافأة كانت بعثة إلى إنجلترا
نجاحه في هذه المهمة لفت الانتباه إلى موهبته العلمية.
فأُرسل في بعثة إلى إنجلترا للتخصص في:
التشريح البشري
و
علم الأجناس البشرية / الأنثروبولوجيا.
وبعد نحو خمس سنوات عاد إلى مصر حاملاً خبرة جديدة.
* وهنا حدث التحول الكبير:
أحمد البطراوي الطبيب... أصبح عالم أنثروبولوجيا.
وتذكر المصادر الرسمية لمجمع اللغة العربية أن رسالته تناولت سكان مصر منذ عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر الروماني من الناحية الأنثروبولوجية.
* مصر في عيون عالم الأنثروبولوجيا
عاد البطراوي إلى مصر لا بعين الطبيب فقط... ولا بعين عالم الآثار فقط...
بل بعين تجمع بين الاثنين.
صار ينظر إلى:
الهيكل العظمي باعتباره وثيقة تاريخية.
فالإنسان نفسه يمكن أن يكون:
أثرًا.
وهنا تكمن عبقرية تجربته.
فإذا كان علماء الآثار يدرسون:
المعبد... المقبرة... الفخار... التمثال...
كان البطراوي يضيف سؤالًا آخر:
وماذا يقول الإنسان الذي عاش داخل هذه الحضارة؟
* «التاريخ الأنثروبولوجي لمصر والنوبة»
كانت رسالته العلمية في لندن عن:
التاريخ الأنثروبولوجي لمصر والنوبة
من عصور ما قبل الأسرات حتى العصر الروماني.
ونُشرت لاحقًا في صورة عمل علمي بعنوان:
The Racial History of Egypt and Nubia
عام 1940.
* وهنا يجب أن نقرأ عنوان الكتاب في سياقه التاريخي والعلمي؛ فمصطلحات مثل racial history كانت مستخدمة على نطاق واسع في الأنثروبولوجيا في النصف الأول من القرن العشرين، بينما يستخدم العلم المعاصر مفاهيم أكثر دقة في دراسة التنوع السكاني والتاريخ الحيوي.
وهذا التفريق مهم جدًا حتى لا ننسب إلى البطراوي مفاهيم علمية معاصرة لم تكن هي اللغة العلمية في عصره.
ماذا كان يريد أن يعرف؟
كان يحاول من خلال دراسة الهياكل العظمية والخصائص التشريحية أن يتتبع:
تاريخ السكان في مصر والنوبة.
وهذا يعني أنه كان يستخدم:
الجمجمة... العظام... القياسات... الخصائص التشريحية...
كأدلة تاريخية.
وقد خلص في بعض كتاباته إلى رؤية تؤكد استمرارية السكان المصريين، وهي رؤية أثارت اهتمامًا علميًا كبيرًا في الدراسات المتعلقة بتاريخ السكان المصريين.
* لكن من المهم أن نؤكد:
هذه نتائج علمية تاريخية يجب قراءتها في إطار أدوات الأنثروبولوجيا في زمنه، لا إسقاط أدوات علم الوراثة السكانية الحديثة عليها.
وهذا يجعل تناولنا للرجل أكثر أمانة.
من النوبة إلى الأهرامات.
لم يتوقف نشاط البطراوي عند البعثة النوبية.
دخلت اهتماماته إلى مناطق ومواقع مصرية متعددة.
فمن أعماله العلمية:
دراسة جماجم من الأسرة الأولى.
و
دراسة جماجم من الأسرة الحادية عشرة.
و
دراسة مومياء صغيرة عُثر عليها في دهشور عام 1948.
و
دراسة بقايا بشرية من مقابر أثرية مختلفة.
كما أعد:
تقريرًا تشريحيًا عن دراسة الأهرام.
وهذه القائمة وحدها تكشف اتساع اهتماماته.
* دهشور... حين يصبح الجسد وثيقة
من أكثر أعماله إثارة دراسة مومياء صغيرة عُثر عليها في:
دهشور عام 1948.
بالنسبة لعالم الآثار: المومياء أثر.
لكن بالنسبة للبطراوي:
المومياء إنسان كان حيًا ذات يوم.
وهذا يعني أن جسده يمكن أن يخبرنا عن:
العمر... البنية... المرض... والحياة اليومية...
بحسب ما تسمح به الأدلة التشريحية.
وهنا تلتقي:
الطب مع التاريخ.
* مقبرة «أخت حتب»
درس البطراوي كذلك البقايا البشرية التي عُثر عليها في مقبرة: أخت حتب
ومقبرة: بتاح أيرو كا
مع ملاحظات مرتبطة بتماثيل أخت حتب.
وتظهر هذه الأعمال ضمن قائمة أبحاثه العلمية التي يسجلها مجمع اللغة العربية.
أي أنه لم يكن متخصصًا في نوع واحد من البقايا.
بل كان يطبق خبرته التشريحية على مواد أثرية من عصور مختلفة.
* الطبيب الذي دخل عالم الآثار
ربما يمكننا الآن أن نفهم لماذا كان أحمد البطراوي شخصية مختلفة.
فهو لم يبدأ من الآثار ثم يتعلم التشريح.
بل بدأ:
من التشريح... ثم دخل: الآثار...
ثم أصبح: أنثروبولوجيًا.
وهذا المسار العكسي هو الذي أعطاه قيمته.
* أستاذ التشريح
عاد البطراوي إلى جامعة القاهرة، وواصل التدريس في كلية الطب وبعض المعاهد العليا.
ثم ارتقى في السلم الأكاديمي حتى أصبح:
أستاذًا ورئيسًا لقسم التشريح بكلية الطب.
وتذكر المصادر الرسمية لمجمع اللغة العربية أنه ظل في رئاسة القسم حتى بلوغ سن التقاعد.
أي أنه لم يكن باحثًا عابرًا.
كان:
أستاذًا مؤسسًا في علم التشريح المصري.
وأصبح التشريح عنده أكثر من طب
بالنسبة إلى كثير من الأطباء:
التشريح علم أساسي لفهم جسم الإنسان.
أما البطراوي ففتح له بابًا آخر:
التشريح بوصفه مفتاحًا لفهم الماضي.
وهنا أصبحت الجمجمة:
وثيقة.
وأصبحت العظمة: شاهدًا.
وأصبح الهيكل العظمي: أرشيفًا صامتًا.
لكن البطراوي كان يعرف كيف يجعله يتكلم.
ولم ينسَ اللغة العربية
وهنا تظهر شخصية أخرى داخل هذا الرجل.
فهو لم يكن طبيبًا وباحثًا فقط.
كان أيضًا:
مساهمًا في تعريب العلوم.
* وقد شارك في ترجمة كتاب Gray's Anatomy إلى العربية مع عدد من زملائه.
وتذكر السيرة الرسمية لمجمع اللغة العربية أنه ترجم وحده نحو ثلث الكتاب، في قرابة ألف صفحة، وراجع ترجمة ثلث آخر.
تأملوا ذلك:
رجل يعمل في: التشريح... و الأنثروبولوجيا...
و الآثار...
ثم يجد وقتًا للترجمة العلمية.
لماذا كانت الترجمة مهمة؟
لأن العلم إذا ظل محصورًا في لغة أجنبية...
ظل بعيدًا عن الطالب والطبيب والباحث العربي.
وكان البطراوي من الذين آمنوا بأن:
العلم يجب أن يتحدث العربية.
وهكذا لم يكن يحفظ التراث القديم فقط...
بل كان يحاول أيضًا:
بناء لغة عربية للعلم الحديث.
* المجمع العلمي المصري
كان عضوًا في عدد من الجمعيات العلمية، منها جمعية علم الحيوان المصرية، والمجمع المصري للثقافة العلمية، وأكاديمية العلوم المصرية، وجمعية تاريخ الطب.
ثم انتُخب عام: 1964م
عضوًا في:
مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وكان ذلك تقديرًا لتنوع عطائه العلمي واللغوي.
لكن المفارقة المؤلمة:
لم يمهله القدر طويلًا.
1964... عام واحد فقط
وفي العام نفسه: رحل.
وهكذا لم يمضِ على عضويته بالمجمع سوى أشهر قليلة.
عمر علمي طويل...
لكن عمره بعد هذا التكريم كان قصيرًا.
ماذا بقي منه؟
قد يظن البعض أن أثر عالم مثل البطراوي ينتهي بوفاته.
لكن الحقيقة عكس ذلك.
فكلما أُجريت دراسة على:
هيكل عظمي مصري قديم... أو مومياء...
أو بقايا بشرية من حفائر... أو تاريخ سكان مصر والنوبة...
نجد أنفسنا نعود إلى السؤال الذي طرحه هو قبل عقود:
ماذا يستطيع الإنسان نفسه أن يخبرنا عن الحضارة؟
وهذا هو إرثه الحقيقي.
تقرير صغير... لكنه فتح بابًا كبيرًا
تقرير البقايا البشرية لبعثة النوبة، المنشور عام 1935، قد يبدو اليوم كتابًا متخصصًا في موضوع ضيق.
لكن الحقيقة أنه يمثل خطوة مهمة في تاريخ:
الأنثروبولوجيا الأثرية في مصر.
فقد أصبح للبعثة الأثرية:
عين ترى المعبد والمقبرة...
و
عين أخرى ترى الإنسان الذي صنع الحضارة.
وهذا الجمع بين المجالين هو الذي يميز تجربة البطراوي.
إنها رحلة لا تجمع تخصصات متجاورة فقط.
بل تجمع:
الطب + الآثار + الأنثروبولوجيا + التاريخ + اللغة.
وهذا نادر.
وما أكثر ما يلفت النظر في شخصيته؟
أنه لم يرَ العلم جزرًا منفصلة.
لم يقل: أنا طبيب... فلا علاقة لي بالآثار.
ولم يقل: أنا عالم تشريح... فلا علاقة لي بالتاريخ.
ولم يقل: أنا عالم... فلا علاقة لي باللغة.
بل جمعها كلها.
وهذا هو:
العقل الموسوعي.
الطبيب الذي أنصف الإنسان القديم
حين نرى اليوم مومياء أو هيكلًا عظميًا في متحف...
قد ننظر إليه باعتباره:
قطعة أثرية.
لكن البطراوي كان يذكّرنا ضمنيًا بحقيقة أعمق:
هذه كانت حياة.
كان هناك إنسان.
له عمر... وله جسد... وله مجتمع... وله ظروف حياة... وله تاريخ.
وهكذا أعاد البطراوي:
الإنسان إلى قلب علم الآثار. |