كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هل يمكن أن يمر الإنسان أمام مجمع التحرير ولا يعرف من صممه؟
هل يمكن أن يقف أمام دار القضاء العالي ولا يسأل: من صاحب هذه الفكرة المعمارية؟
وهل يمكن لملايين المسلمين أن يطوفوا حول الكعبة، أو يصلوا في المسجد النبوي، ثم لا يعرفوا أن وراء جزء مهم من هذا المشهد المعماري العظيم عقلًا مصريًا نادرًا؟
إنه: الدكتور المهندس محمد كمال إسماعيل.
رجلٌ لم يكن يبحث عن الشهرة...ولم يكن يحب الأضواء...لكن أعماله كانت أكبر من أن تختبئ.فبقيت مبانيه تتحدث عنه...
وبقيت كتبه تشهد له...وبقيت عمارة الحرمين تحمل أثرًا من فكره.ولهذا فإننا عندما نتحدث عن محمد كمال إسماعيل لا نتحدث فقط عن معماري مصري كبير...بل نتحدث عن:رجلٍ خرجت عبقريته من مصر... ووصلت إلى العالم الإسلامي كله.
* البداية من ميت غمر
في 15 سبتمبر 1908 وُلد محمد كمال إسماعيل في ميت غمر بمحافظة الدقهلية.ومنذ سنواته الأولى ظهرت علامات التفوق والنبوغ.ثم انتقلت أسرته إلى الإسكندرية، وهناك أنهى دراسته الثانوية بمدرسة العباسية.وكانت الإسكندرية في ذلك الوقت مدينة مفتوحة على العالم...عمارات أوروبية... شوارع... قصور...مبانٍ تجمع بين ثقافات متعددة. وربما كان هذا المشهد المعماري المتنوع قد ترك أثرًا عميقًا في وجدان الفتى الذي سيصبح بعد سنوات واحدًا من أبرز المعماريين المصريين.
* «الأصغر» في أكثر من محطة.
ارتبط اسم محمد كمال إسماعيل منذ شبابه بسلسلة من الإنجازات المبكرة.فالمصادر المصرية الرسمية تشير إلى أنه كان من أصغر من حصلوا على الثانوية، ومن أصغر من التحقوا بمدرسة الهندسة الملكية وتخرجوا فيها، ثم أُوفد إلى أوروبا لاستكمال دراسته.
* وكانت مدرسة الهندسة الملكية آنذاك تضم عددًا محدودًا جدًا من الطلاب، وتلقى فيها علوم العمارة على أيدي أساتذة أجانب من مدارس هندسية رفيعة.
لكن المثير أن الشاب المصري لم يكتفِ بأن يتعلم العمارة الغربية...بل اتجه بقوة إلى: العمارة الإسلامية. وهنا بدأت القصة الحقيقية.
أوروبا... ثم العودة إلى الجذور
سافر محمد كمال إسماعيل إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا. وحصل عام 1933 على الدكتوراه في العمارة، ثم حصل لاحقًا على درجة أخرى في مجال الإنشاءات. وتذكر المصادر الرسمية المصرية أنه كان من أصغر من حملوا لقب الدكتوراه في الهندسة في ذلك الوقت.
* عاد إلى مصر...
وكان يستطيع أن يعيش مثل كثير من المعماريين في عصره داخل إطار العمارة الأوروبية. لكنه اختار طريقًا آخر.
اختار أن يفتش في: ذاكرة العمارة المصرية والإسلامية.
موسوعة غيّرت حياته... وربما غيّرت تاريخ العمارة الإسلامية.
* هنا تظهر واحدة من أهم صفحات حياته.
فقد وضع محمد كمال إسماعيل «موسوعة مساجد مصر» في أربعة مجلدات.لم تكن مجرد كتاب عن المساجد.بل دراسة واسعة للعمارة الإسلامية المصرية، تناولت الطرز والتصميمات والسمات المعمارية للمساجد عبر مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي في مصر.
وهذا العمل كان مهمًا جدًا؛ لأنه لم ينظر إلى المسجد باعتباره مكانًا للعبادة فقط...بل باعتباره:وثيقة معمارية حية لحضارة كاملة.كل مسجد له عصره... وطرازه... وتفاصيله...وظروف بنائه... ولغته المعمارية.وكان محمد كمال إسماعيل يرى هذه التفاصيل بعين المعماري والباحث في الوقت نفسه.ومن هنا بدأت المفاجأة...
* هذه الموسوعة التي أعدها معماري مصري...
وصلت إلى دوائر علمية خارج مصر، وطبعت في أوروبا، وأصبحت مرجعًا مهمًا لدراسة المساجد المصرية. لكن الأهم من ذلك أن هذه الموسوعة أصبحت لاحقًا جزءًا من الطريق الذي قاده إلى الحرمين الشريفين.فقد وصلت نسخة منها إلى المملكة العربية السعودية، ولفتت انتباه الملك فهد بن عبد العزيز، الذي استعان بمحمد كمال إسماعيل في أعمال توسعة الحرمين.
* محمد كمال إسماعيل كان أول مهندس عربي يصمم توسعة للحرم في المشروع الذي شهد واحدة من أكبر عمليات التوسعة في التاريخ الإسلامي. وهنا يمكن أن نقول: كتابٌ كتبَه مصري... فتح له بابًا إلى أعظم مشروع معماري في حياته.
* محمد كمال إسماعيل... في مصلحة المباني الأميرية
بعد عودته إلى مصر، التحق بمصلحة المباني الأميرية. وكانت هذه المصلحة مسؤولة عن تشييد وصيانة عدد كبير من المباني الحكومية.ثم تولى منصب مديرها عام 1948.وهنا بدأت القاهرة تعرف اسمه من خلال الحجر.
- دار القضاء العالي:
واحدة من أشهر بصماته المعمارية في القاهرة:
دار القضاء العالي.
مبنى أصبح جزءًا من الصورة الذهنية للقاهرة الحديثة.
واجهته... تكوينه... وتفاصيله...
كلها جعلته من العلامات المعمارية البارزة في وسط القاهرة.
وليس من المصادفة أن يظهر في تصميماته اهتمام واضح بالهوية المعمارية، وخاصة عندما يكون المبنى مرتبطًا بمؤسسة وطنية كبرى.
- ثم جاء «مجمع التحرير»
وهنا نصل إلى مبنى يعرفه كل مصري تقريبًا:
مجمع التحرير.
المبنى الذي وقف في قلب ميدان التحرير لعقود طويلة.
المبنى الذي أصبح جزءًا من هوية المكان نفسه.
والمثير أن التصميم لم يكن مجرد مبنى إداري ضخم.
فالشكل المنحني للمبنى ساهم في تشكيل المشهد العمراني للميدان والفراغ المحيط به. وتشير المصادر الرسمية المصرية إلى أن إنشاءه بدأ عام 1951، وكان من تصميم محمد كمال إسماعيل.
وهنا تظهر عبقرية المعماري:
المبنى لا يعيش منفردًا... بل يصنع المكان من حوله.
- مصلحة التليفونات... ومسجد صلاح الدين
ومن أعماله كذلك:
مبنى مصلحة التليفونات.
ومسجد صلاح الدين بالمنيل.
وتكشف هذه الأعمال عن اتساع تجربته؛ فهو لم يكن معماريًا متخصصًا في نوع واحد من المباني، بل تعامل مع مبانٍ حكومية وخدمية ودينية، مع اهتمام واضح بالعمارة الإسلامية.
لكن... كل ذلك كان مقدمة:
لأن أعظم فصل في حياته كان لا يزال ينتظره.
فبعد أن درس المساجد المصرية...
ووثق عمارتها... وصمم مباني القاهرة...
جاءه التكليف الذي لا يشبه أي تكليف آخر.
* الحرمين الشريفين....
عندما يصبح المعمار عبادةً وخدمةً
.. تصميم مبنى عادي يحتاج إلى علم.
..وتصميم مبنى ضخم يحتاج إلى خبرة.
لكن العمل في الحرمين يحتاج إلى شيء آخر:
إحساس استثنائي بالمسؤولية.
فأنت لا تصمم مبنى لآلاف الناس فقط.
أنت تصمم مكانًا يستقبل ملايين البشر...
من مختلف اللغات... والأعمار... والثقافات...
وفي ظروف مناخية قاسية...
وفي مواسم ترتفع فيها الكثافة البشرية إلى مستويات هائلة.
وكان محمد كمال إسماعيل يعرف أن القضية ليست جمال المبنى فقط.
بل:
الحركة... السلامة... الظل... التهوية... التكييف...
الأرضيات... المداخل... المخارج... والانسجام بين القديم والجديد.
وقد تحدث في تسجيل نادر عن أن مهمته كانت الجمع بين العلاقة الوظيفية والعلاقة الجمالية في مشروع الحرم، مع الاهتمام بالتكييف والمظلات والقباب والواجهات والأرضيات والجراجات والخدمات.
كيف تكبر دون أن تفسد المكان؟
هذه ربما كانت أصعب مشكلة.
كيف توسع الحرم...
دون أن تفقد العمارة الجديدة روح المكان؟
كيف تضيف مساحات هائلة...
دون أن يبدو القديم غريبًا عن الجديد؟
وهنا تظهر عبقرية المعماري الحقيقي:
ليس أن يبني شيئًا جميلًا فقط... بل أن يجعل الجديد يبدو وكأنه كان يجب أن يكون هناك منذ البداية.
وتشير المصادر إلى أن من أهداف التصميم تحقيق الانسجام بين العناصر القديمة والجديدة، مع المحافظة على العلاقة الجمالية والوظيفية للمكان.
* الرخام الذي حيّر الناس:
وهنا تأتي واحدة من أشهر القصص المرتبطة بمحمد كمال إسماعيل.
كان يريد أرضية تحقق راحة المصلين والطائفين في ظل الحرارة الشديدة.
فبحث عن نوع خاص من الرخام الأبيض.
حتى وصل إلى رخام تاسوس المستخرج من جزيرة تاسوس اليونانية.
وتشير الروايات المنشورة عن المشروع إلى أن هذا الرخام يتميز بخصائص تساعد على بقائه أكثر برودة من كثير من أنواع الرخام الأخرى تحت أشعة الشمس، وهو ما جعله مناسبًا لأرضيات ساحات الحرمين.
وهنا لا ينبغي أن نكرر الأسطورة الشائعة بأن الرخام «لا يسخن إطلاقًا».
* الحقيقة العلمية أبسط وأجمل:
اختيار مادة ذات خصائص حرارية مناسبة، مع تصميم المكان واستخداماته، ساعد على تحسين راحة المصلين.
وهذه هي عظمة المعمار:
أن يحول المعلومة العلمية إلى:
راحة للإنسان.
لم يكن الأمر مجرد رخام
التوسعة لم تكن أرضية فقط.
كانت منظومة ضخمة من: مساحات الصلاة...
المظلات... القباب... الواجهات... الخدمات...
التكييف... الحركة... والبنية التحتية.
وقد تضاعفت مساحة المسجد النبوي بصورة هائلة ضمن المشروع، كما شهد المسجد الحرام توسعة كبيرة جدًا لاستيعاب أعداد متزايدة من المصلين.
وتصف المصادر السعودية المشروع بأنه من أكبر توسعات الحرمين في ذلك العصر.
والأجمل... أنه لم يكن يبحث عن المال.
من أشهر الروايات التي ارتبطت به أنه لم يتقاضَ أجرًا عن عمله في توسعة الحرمين، رغم محاولات إقناعه بالحصول على مقابل مالي.
وتنقل مصادر صحفية عنه أنه كان يرى أن العمل في أقدس الأماكن ليس مشروعًا تجاريًا بالنسبة إليه.
* وهنا يجب أن ننتبه:
سواء نظرنا إلى هذه القصة باعتبارها موقفًا شخصيًا موثقًا في الروايات الصحفية، أو باعتبارها جزءًا من الصورة التي تركها الرجل عن نفسه...
فهي تكشف شيئًا مهمًا:
كان يرى للمكان قدسية تتجاوز الحسابات المادية.
«أستاذ الأجيال»
لم يكن محمد كمال إسماعيل مجرد مهندس مشاريع.
لقد كان أستاذًا ومثقفًا وباحثًا في العمارة الإسلامية.
وكانت موسوعته عن مساجد مصر شاهدًا على ذلك.
ولهذا ارتبط اسمه بلقب: أستاذ الأجيال.
لكن ربما يمكننا أن نضيف إليه لقبًا آخر:
شيخ المعماريين.
ليس بسبب العمر فقط...
بل بسبب احترامه للعلم... والتراث...والعمارة الإسلامية... والتفاصيل.
* التكريم من مصر:
-حصل محمد كمال إسماعيل على رتبة البكوية من الملك فاروق تقديرًا لعمله في دراسة مساجد مصر.
- كما حصل على وشاح النيل، وفق المصادر المصرية التي وثقت سيرته.
ثم جاء تكريم آخر من المملكة العربية السعودية:
- جائزة الملك فهد للعمارة الإسلامية.
تكريمًا لإسهاماته في أعمال الحرمين الشريفين.
وهكذا جاءت الجوائز من بلدين...
لكن الأهم من الجوائز:
أن أعماله بقيت.
لماذا كان مختلفًا؟
لأن كثيرًا من المعماريين يصممون مبنى.
لكن محمد كمال إسماعيل كان يفكر في:
المبنى... والإنسان... والمكان... والتاريخ.
فمجمع التحرير أصبح جزءًا من ميدان التحرير.
ودار القضاء العالي أصبحت علامة في القاهرة.
وموسوعة مساجد مصر أصبحت وثيقة للعمارة الإسلامية.
وتوسعات الحرمين أصبحت جزءًا من ذاكرة ملايين المسلمين.
* وهنا يمكن أن نفهم قيمة الرجل.
مائة عام تقريبًا... ولم ينتهِ الأثر
عاش محمد كمال إسماعيل قرابة قرن من الزمان.
ورحل في 2 أغسطس 2008.
لكنه ترك وراءه شيئًا لا تستطيع الأيام أن تهدمه بسهولة:
أعمالًا قائمة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للمعماري.
فالكتاب قد يُنسى... والمنصب ينتهي...
واللقب يسقط... لكن المبنى يبقى.
وكلما مر إنسان أمامه...
يعود اسم صاحبه من جديد.
تخيلوا معي...
ميدان التحرير...
مجمع التحرير قائم.
وفي القاهرة...
دار القضاء العالي.
وفي الذاكرة المعمارية...
موسوعة مساجد مصر.
وفي مكة...
ساحات الحرم.
وفي المدينة المنورة...
المسجد النبوي.
كل هذه الأماكن مختلفة تمامًا...
لكن بينها خيط واحد:
عقل مصري آمن بأن العمارة ليست حجارة... وإنما رسالة.
* كلمة من القلب:
*************
الدكتور المهندس محمد كمال إسماعيل...
لم تكن عظمته في أنه صمم مبنى ضخمًا.
بل في أنه فهم أن:
أعظم العمارة هي التي تخدم الإنسان وتحترم المكان وتحافظ على روح التاريخ.
خرج من ميت غمر... وتعلم في القاهرة...
وذهب إلى أوروبا... وعاد إلى مصر...
فترك في القاهرة علامات لا تخطئها العين.
ثم عبر حدود مصر...
حتى وصل إلى مكة والمدينة.
ولم يحمل معه فقط أدوات المهندس...
بل حمل:
خبرة المصري... وذاكرة العمارة الإسلامية.
وهنا تبقى الحكاية الأجمل...
عندما يدخل المعتمر إلى ساحات الحرم...
ويمشي على الرخام الأبيض...
ربما لا يعرف اسم المهندس.
وربما لا يعرف أين وُلد.
وربما لا يعرف أنه كان مصريًا.
لكن ذلك لا يهم.
لأن أعظم تكريم للمعماري:
أن يستفيد الإنسان من عمله دون أن يشعر بوجوده.
وهذا بالضبط ما يحدث عندما تنجح العمارة.
أن تختفي يد المهندس... ويبقى أثره.
مصر... حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت
|