الخميس, 29 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الأمانة وحسن استقبال ضيوف مصر

الأمانة وحسن استقبال ضيوف مصر
عدد : 09-2026
بقلم الخبير السياحي: محمود كمال

في واحدة من أهم المناطق الأثرية في مصر والعالم، تقف منطقة سقارة شاهدة كل يوم على عظمة الحضارة المصرية القديمة، وكأن أرضها لا تزال تحتفظ بأسرار كثيرة تكشفها لنا الأيام. لكن حكايتنا اليوم في سقارة ليست عن هرم زوسر أو المقابر والمعابد فقط، وإنما عن إنسان وقف خلف المشهد، وأثبت أن حسن التعامل والأمانة يمكن أن يكونا جزءًا من صورة مصر أمام ضيوفها.

قبل أن يصل أول سائح إلى المنطقة، تبدأ منظومة متكاملة من العمل. أفراد الأمن، ومفتشو الآثار، وموظفو التذاكر، والعمال، وفرق النظافة، كل منهم يعرف مهمته ويؤديها استعدادًا لاستقبال الزائرين. قد لا يلاحظ السائح كل هذه التفاصيل، لكنه يشعر بنتائجها في التنظيم والنظافة وسهولة الدخول والإجابة عن استفساراته.

وفي هذا السياق، وقع موقف بسيط في تفاصيله، لكنه كبير في معناه.

كانت مجموعة من السائحين الأسبان تستعد لزيارة سقارة، وقد حصل أفرادها على تذاكر الزيارة إلكترونيًا. وبعد عبور البوابة الأمنية، توجهوا إلى مكتب حجز تذاكر دخول هرم زوسر من الداخل، وسددوا بالفعل قيمة التذاكر المطلوبة.
في تلك اللحظة كان رمضان حنفي فراج، مراقب أمن منطقة آثار سقارة والمسؤول عن البوابات الإلكترونية، يؤدي عمله كالمعتاد. راجع التذاكر التي يحملها السائحون، فاكتشف أن التذكرة التي اشتروها، وقيمتها 1400 جنيه للتذكرة الواحدة، تتيح لهم زيارة الأماكن المدرجة ضمن التذكرة المجمعة، ولا تستدعي شراء تذاكر إضافية للأماكن المشمولة بها.

لاحظ رمضان أن المجموعة تحمل تذاكر أخرى لدخول هرم زوسر من الداخل، فكان أمامه خيار بسيط: أن يترك الأمر يمر، باعتبار أن شراء التذاكر ليس من اختصاصه. لكنه اختار أن يفعل ما يمليه عليه ضميره.

أخبر السائحين بأنهم لا يحتاجون إلى التذاكر الإضافية، لأن تذاكر الزيارة التي بحوزتهم تتضمن بالفعل الأماكن التي يسمح بدخولها ضمن التذكرة المجمعة، وساعدهم في استرداد قيمة التذاكر التي اشتروها دون حاجة.

قد يبدو الموقف عابرًا، لكنه بالنسبة للسائح قد يصبح ذكرى لا تُنسى.

أعرب السائحون الإسبان عن إعجابهم بما حدث، وأكدوا أن ما شاهدوه من أمانة وحرص على مساعدتهم ترك لديهم انطباعًا إيجابيًا عن مصر والمصريين.

وعندما سُئل رمضان عن سبب حرصه على هذا التصرف، أرجع الفضل أولًا إلى الله، ثم إلى الدكتور عمرو الطيبي، مدير إدارة منطقة آثار سقارة، موضحًا أنه يهتم بالتفاصيل ويشجع العاملين دائمًا على بذل المزيد من الجهد، وأن يكون هدف الجميع إنجاح تجربة السائح، مع الالتزام بالضوابط والقوانين.

وربما تكمن قيمة هذه الحكاية في أنها لم تحدث أمام كاميرات أو في مناسبة رسمية، وإنما في لحظة عمل عادية. فهناك مواقف كثيرة يصنعها أشخاص يؤدون واجبهم بإخلاص، ولا ينتظرون مقابلًا سوى أن يؤدوا رسالتهم كما ينبغي.

فالسائح حين يزور موقعًا أثريًا لا يبحث عن الحجر وحده، وإنما يبحث أيضًا عن الحكاية التي يشعر بها من خلال المكان والناس. وكل تعامل راقٍ يمكن أن يضيف إلى تلك الحكاية معنى جديدًا، كما أن أي موقف غير مسؤول قد يترك أثرًا معاكسًا. لذلك فإن مهمة العاملين في المواقع الأثرية لا تتوقف عند تنفيذ الإجراءات، بل تمتد إلى تقديم صورة تليق بقيمة المكان وقيمة الوطن.

رمضان لم يفعل أكثر من أداء واجبه، لكنه في تلك اللحظة أصبح واجهة لمصر أمام ضيوفها. قد لا يحمل السائح معه عند مغادرته مصر صورة لكل أثر زاره، لكنه بالتأكيد قد يحمل في ذاكرته صورة إنسان قابله بابتسامة، وحافظ على حقه، وساعده دون انتظار مقابل.

ومن هنا، فإن ما فعله رمضان يستحق أن يُروى؛ ليس لأنه موقف استثنائي في جوهره، وإنما لأنه يذكرنا بأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع أحيانًا الانطباعات الكبيرة. فحين يشعر الزائر أن هناك من يحترم ماله ووقته وحقه، فإنه يغادر وهو يحمل تجربة إنسانية تضاف إلى ذاكرته عن مصر.

وهنا تصبح الأمانة أكثر من سلوك شخصي؛ تصبح رسالة سياحية وإنسانية، وتصبح أخلاق العاملين في المواقع الأثرية جزءًا من التجربة التي يعيشها ضيف مصر.

كل التحية للدكتور عمرو الطيبي، ولكل من يعمل خلف هذا المشهد، ولرمضان حنفي فراج، الذي قدم في موقف بسيط رسالة كبيرة عنوانها: الأمانة وحسن استقبال ضيوف مصر.

 
 
الصور :