كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار
أحيانًا لا يكون أعظم ما يتركه الإنسان وراءه حجرًا شيده، أو تمثالًا اكتشفه، أو كتابًا ألفه...بل يكون أعظم آثاره فكرةً يزرعها في أجيال من بعده.
ومن بين الشخصيات المصرية التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، يأتي عالم المصريات سليم حسن؛ ذلك الرجل الذي لم يكتفِ بأن يقرأ تاريخ مصر القديمة، وإنما أمضى حياته في البحث عنه، والكشف عن أسراره، وتسجيله، ثم تقديمه للقارئ العربي بلغته.
بدأ الطريق من قرية مصرية صغيرة، في وقت كان علم المصريات في مصر يرتبط بدرجة كبيرة بالخبرات والمؤسسات الأجنبية.لكن سليم حسن اختار الطريق الأصعب... أن يصبح المصري الذي يدرس آثار مصر بعلمٍ لا يقل عن علم الآخرين.
لم تكن رحلته سهلة؛ فقد عمل بالتدريس، ثم دخل مجال الآثار، وسافر إلى أوروبا لاستكمال دراسته، وعاد إلى مصر حاملاً أدوات البحث العلمي الحديثة، ليبدأ مرحلة مختلفة من حياته.
وفي عام ١٩٢٩، بدأ أعماله الأثرية الكبرى في منطقة الجيزة.
وهنا لم يكن الأمر مجرد حفر في الرمال بحثًا عن مقبرة أو تمثال.
كان أمامه تاريخ كامل مدفون تحت الأرض...
مقابر، ومصاطب، ونقوش، وتماثيل، ومنشآت، وأدلة متناثرة تنتظر من يجمعها ويقرأها ويضعها في سياقها الصحيح.
وخلال سنوات عمله في الجيزة، كشف ودرس عددًا كبيرًا من المقابر والآثار، وارتبط اسمه بصورة خاصة بأعمال البحث والتنقيب في منطقة أبو الهول، ونشر نتائج حفائره في أعمال علمية واسعة أصبحت مصدرًا مهمًا لدراسة آثار الجيزة.
وكانت هذه إحدى أهم سمات سليم حسن:
- لم يكن يكتفي باكتشاف الأثر... بل كان يريد أن يفهمه ويوثقه وينشره.
فالقطعة الأثرية عنده لم تكن مجرد شيء جميل يُعرض في متحف.
كانت وثيقة.
والنقش لم يكن مجرد كتابة قديمة.
كان شهادة.
والمقبرة لم تكن مجرد حجرة دفن.
كانت صفحة من كتاب الحضارة المصرية.
- ومن هنا جاءت أهمية أعماله.
لقد تعامل مع الموقع الأثري باعتباره وحدة متكاملة، وربط بين العمارة والنقوش واللقى والوظيفة الدينية والاجتماعية للمكان.
- وكان من أبرز اهتماماته منطقة أبو الهول، حيث ارتبط اسمه بأعمال الكشف والدراسة والتوثيق، وترك دراسة علمية واسعة عن تمثال أبو الهول وتاريخه في ضوء نتائج الحفائر.
لكن سليم حسن لم يتوقف عند الجيزة.
امتد نشاطه إلى سقارة والنوبة، وتولى مسؤوليات علمية وإدارية مهمة، وأصبح واحدًا من أبرز علماء الآثار المصريين في عصره.
ثم جاءت واحدة من أهم مراحل حياته...
مرحلة الكتابة.
بعد سنوات طويلة قضاها بين الحفائر والمتاحف والمؤسسات العلمية، تفرغ بدرجة أكبر للبحث والتأليف، وبدأ مشروعه العلمي الضخم:
«موسوعة مصر القديمة»
"""""""""""""""""""""""""""""""
مشروع لم يكن كتابًا عابرًا...
بل محاولة هائلة لكتابة تاريخ مصر القديمة في سلسلة واسعة من المجلدات، تجمع بين التاريخ والآثار واللغة والدين والفن والحياة الاجتماعية.
والأهم من ذلك كله...
أنه قدم جانبًا هائلًا من هذا التراث باللغة العربية.
وهنا أصبح أثر سليم حسن يتجاوز الحفائر.
فهو لم يترك الآثار تحت الأرض فقط...
ولم يتركها في المتحف فقط...
بل تركها أيضًا في مكتبة كل قارئ عربي يريد أن يعرف تاريخ مصر القديمة.
وهذا في رأيي أحد أعظم جوانب شخصيته.
فالعالم الحقيقي لا يكتفي بأن يعرف.
إنما يحول المعرفة إلى إرثٍ ينتقل إلى الآخرين.
ولهذا يمكن أن ننظر إلى سليم حسن من أكثر من زاوية:
عالم آثار... باحث... أستاذ... مؤلف... رجل مؤسسة... وشخصية مصرية أسهمت في ترسيخ حضور المصريين في مجال دراسة آثار بلادهم.
ولم تكن حياته خالية من المواقف الصعبة والخلافات المهنية والإدارية، وبعض الروايات التي تناولت تلك المرحلة تحتاج إلى تحقيق وثائقي دقيق.
وهذا ما سنحرص عليه في هذه السلسلة:
لا نبالغ في مدح الشخصية... ولا ننتقص منها.
وفي عام ١٩٦١ رحل سليم حسن...
لكن الإنسان قد يرحل، بينما يظل أثره حيًا.
فبقيت أعماله في الجيزة وسقارة والنوبة...
وبقيت دراساته...
وبقيت كتبه...
وبقيت «موسوعة مصر القديمة» شاهدة على مشروع علمي ضخم.
وبقي سؤال أكبر من كل ذلك:
ماذا كان سيحدث لو لم يظهر جيل من المصريين الذين قرروا أن يدرسوا آثار بلادهم بأنفسهم؟
ربما كانت مصر ستظل تملك آثارها...
لكنها كانت ستحتاج دائمًا إلى من يروي قصتها.
أما سليم حسن فقد كان من أولئك الذين قالوا بالفعل:
إن مصر لا ينبغي أن تكون مجرد موضوع يدرسه العالم... بل يجب أن يكون أبناؤها في مقدمة من يدرسون تاريخها ويحفظون ذاكرتها.
مصر... حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت.
سليم حسن...
|