الاثنين, 14 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

العشماوي... حين حفظ المسجد اسم الشارع وحفظ الشارع حكاية المسجد
(20)

 العشماوي... حين حفظ المسجد اسم الشارع وحفظ الشارع حكاية المسجد
 (20)
عدد : 08-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


تخيلوا معي القاهرة...شارع مزدحم، محال متلاصقة، أدوات كهربائية ونجف وأسلاك، وأصوات الباعة والمشترين تتعالى من كل جانب...ثم، وسط هذا الزحام، يظهر أثر صغير هادئ، كأنه خرج من صفحة قديمة من تاريخ القاهرة ليقف في مواجهة صخب العصر. إنه مسجد العشماوي.

*وهنا تبدأ الحكاية...فالمكان الذي يمر به اليوم آلاف الناس في طريقهم إلى أسواق عبد العزيز والبيدق والعتبة، لم يكن مجرد منطقة تجارية؛ بل كان جزءًا من القاهرة التي تعاقبت عليها عصور، وترك كل عصر فيها شيئًا من روحه.

* والأجمل أن اسم العشماوي نفسه لم يختفِ مع الزمن.فالمسجد أعطى اسمه للشارع، والشارع حفظ اسم المسجد، وبقي الاسم شاهدًا على أثر ربما لا يعرف كثير من العابرين قيمته التاريخية.

* مسجد من زمن أسرة محمد علي

بحسب بيانات «القاهرة الإسلامية»، فإن مسجد الشيخ درويش العشماوي مسجل ضمن آثار أسرة محمد علي، وتاريخ إنشائه 1267هـ/1850م، ويقع في نطاق شارع عبد العزيز بالعتبة. وتذكر القاعدة أن المنشئ هو عباس حلمي الأول.

* أما مركز تسجيل الآثار بمكتبة الإسكندرية، فيشير في توثيقه الخاص إلى مسجد العشماوي 1267هـ/1850م، ويذكر أن منشئ المسجد هو الشيخ درويش العشماوي الذي نُسب إليه المسجد، كما يوثق الكتاب تاريخ البناء ومراحل الترميم والنقوش الكتابية الموجودة بالأثر.

* المفاجأة ليست في عمر المسجد وحده بينما المسجد لم يبقَ أثرًا منفصلًا عن الحياة. لقد أصبح اسمًا لمكان كامل.
فالشارع المعروف بالعشماوي يتفرع من منطقة البيدق، بالقرب من شارع عبد العزيز، وما زالت محافظة القاهرة تستخدم حتى اليوم عنوان «شارع البيدق من العشماوي» في بياناتها الرسمية، وهو ما يؤكد استمرار اسم العشماوي في النسيج العمراني المعاصر.

وهنا تتجلى عبقرية القاهرة:
الأثر لا يعيش في الكتب فقط...
بل يعيش في أسماء الشوارع.
يعيش في ذاكرة الناس.
يعيش في العنوان الذي يكتبه صاحب المحل.
ويعيش في الطريق الذي يسلكه المواطن كل صباح.

* ومن مسجد صغير... إلى سوق كبير
إذا خرجنا من هدوء المسجد وتأملنا المنطقة المحيطة، سنجد أنفسنا أمام واحدة من أكثر المناطق التجارية نشاطًا في القاهرة.

* هنا شارع عبد العزيز، أحد أشهر أسواق الأجهزة الكهربائية، وهنا شارع البيدق الذي ارتبط بتجارة الأدوات والمستلزمات الكهربائية.

وهكذا يبدو المشهد غريبًا وجميلًا في الوقت نفسه:
أثر عمره أكثر من قرن ونصف...
وبجواره سوق لا يهدأ.
مسجد يحمل ذاكرة القرن التاسع عشر...
ومحال تحمل احتياجات القرن الحادي والعشرين.
إنها القاهرة التي لا تطرد ماضيها عندما يأتي الجديد، وإنما تضع الجديد فوق طبقات الماضي، فيصبح الشارع نفسه متحفًا مفتوحًا من نوع مختلف.

* العشماوي... بين سوقين

ولعل الموقع هو أحد أسرار أهمية المنطقة.فالعشماوي تقع في منطقة تتصل بمحاور تجارية وتاريخية مهمة، وفي نطاق قريب من شارع عبد العزيز وشارع الجمهورية والعتبة وميدان الأوبرا، وتتصل بشبكة من شوارع القاهرة الحديثة والقديمة.

وهذا الموقع جعلها أشبه بحلقة وصل بين عالمين: التجارة والأسواق...وعالم القاهرة التاريخية التي تحمل في كل شارع منها اسمًا وحكاية.فأنت تستطيع أن تخرج من سوق الأدوات الكهربائية، وبعد دقائق تجد نفسك أمام أثر عثماني أو محمد علي، ثم تكمل طريقك فتصل إلى ميدان الأوبرا أو شارع الجمهورية.أي مدينة أخرى يمكن أن تمنحك هذه الرحلة عبر الزمن وأنت تمشي على قدميك؟ .. والأجمل... أن النقوش لم تصمت ،فهنا تبدأ الحكاية الأثرية التي ربما لا يعرفها كثير من الناس.

فمركز تسجيل الآثار بمكتبة الإسكندرية يوثق كتابًا خاصًا عن مسجد العشماوي، ويتناول مواضع النقوش الكتابية بالمسجد وقراءتها، بل وترجمة ما كتب باللغة التركية إلى العربية. كما يذكر أن النقوش موزعة بين المدخل الثاني بالواجهة الشمالية، والجدار الشرقي للمسجد، والتركيبة التي تتوسط حجرة الضريح.

والأجمل أن مضامين هذه الكتابات ليست كلها من نوع واحد؛ فمنها نصوص تسجيلية، وآيات قرآنية، وأسماء الخلفاء الراشدين.
وهنا يصبح المسجد أكثر من مبنى.

إنه وثيقة مكتوبة بالحجر والخط.
كل نقش فيه رسالة.
كل كتابة فيه شاهد.
وكل حرف قد يحمل معلومة عن زمن البناء أو صاحب الأثر أو الفكر الديني والفني الذي كان سائدًا في ذلك العصر.
وهذا تحديدًا ما يجعل الآثار الإسلامية مختلفة في سحرها:
فالحجر يتكلم... والخط يحكي... والزخرفة تحفظ الذاكرة.

مسجد العشماوي... شاهد على القاهرة التي تتغير

عندما شُيد المسجد في منتصف القرن التاسع عشر، كانت القاهرة تمر بمرحلة مهمة من تاريخها. كانت مصر قد دخلت منذ عهد محمد علي باشا في مسار جديد من بناء الدولة وتطوير مؤسساتها، ثم جاءت عهود خلفائه لتضيف طبقات جديدة من العمران والمنشآت.

وكانت القاهرة نفسها تتوسع وتتغير. طرق جديدة... أسواق جديدة... مبانٍ جديدة...
وعلاقات جديدة بين الأحياء.

ثم جاءت السنوات، وتغيرت وظيفة الشوارع، وتبدلت التجارة، وظهرت الكهرباء، وتغيرت وسائل النقل، وازدحمت المدينة.
لكن المسجد بقي.
صامدًا أمام كل هذا التغيير.
ثم انظروا إلى ما حوله اليوم
هنا تاجر يبحث عن زبون...
وهناك شاب يشتري هاتفًا...
وهناك صاحب محل يبحث عن قطعة كهربائية...
وآخر يشتري نجفة أو مستلزمًا منزليًا...
والشارع لا يتوقف.
ثم، في وسط كل هذا الصخب، يبقى المسجد حاضرًا.
وكأنه يقول:
«أنا كنت هنا قبل أن تعرفوا هذه الأسواق بهذا الشكل.»
يا لها من جملة لو استطاعت الحجارة أن تقولها!

* وماذا عن مسجد الكخيا؟

ولا يمكن أن نمر بهذه المنطقة دون أن نرفع القبعة احترامًا لأثر آخر قريب منها، هو مسجد عثمان كتخدا المعروف باسم مسجد الكخيا. فهذا المسجد أقدم من العشماوي بنحو قرن ونيف؛ إذ أنشأه الأمير عثمان كتخدا القازدغلي سنة 1147هـ/1734م، في العصر العثماني، ويقع عند ناحية شارع قصر النيل وشارع الجمهورية بالقرب من ميدان الأوبرا.

* وهو من المساجد المعلقة، إذ يرتفع عن مستوى الشارع ويُصعد إليه بدرجات، ويتكون تخطيطه من صحن أوسط مكشوف تحيط به أربعة إيوانات، أعمقها إيوان القبلة الذي يضم ثلاثة أروقة.

وللمسجد قصة أخرى مع الحفاظ على التراث؛ فقد تدخلت لجنة حفظ الآثار العربية في ثلاثينيات القرن العشرين، وأزيلت الدكاكين التي كانت تحجب واجهته الشمالية، ثم أزيل منزل كان يجاور الباب الشمالي سنة 1939 واستكملت الواجهة، فأصبح الأثر أكثر ظهورًا في المشهد العمراني.

* وهنا تصبح الرحلة أكثر جمالًا:

العشماوي من عصر أسرة محمد علي... والكخيا من العصر العثماني... وكلاهما اليوم وسط القاهرة الحديثة.
أليست هذه هي القاهرة التي نبحث عنها؟
مدينة تستطيع أن تنتقل فيها من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر، ثم إلى القرن العشرين والحادي والعشرين، في دقائق قليلة؟
العشماوي والكخيا... حجارتان في كتاب واحد
إذا تأملنا المشهد جيدًا، سنكتشف أن مسجد العشماوي ومسجد الكخيا ليسا مجرد مسجدين متجاورين في جغرافيا القاهرة.
إنهما صفحتان من تاريخ المدينة.

الكخيا يحمل ذاكرة القاهرة العثمانية. والعشماوي يحمل ذاكرة القرن التاسع عشر وأسرة محمد علي. ثم جاءت القاهرة الحديثة، فاحتضنتهما الأسواق والشوارع والمواصلات والمحال.

* وهكذا لم تتحول الآثار إلى جزر معزولة عن المجتمع. بل بقيت وسط الناس. وهذا هو سر بقائها.

* وهنا نقف أمام سؤال مهم

كم إنسانًا يمر اليوم في شارع العشماوي أو عبد العزيز ويعرف أن تحت هذا الزحام أثرًا يعود إلى سنة 1850؟
وكم واحدًا يدخل سوقًا لشراء مستلزم كهربائي ثم يمر بالقرب من مسجد يحمل نقوشًا عربية وتركية موثقة؟
وكم شخصًا يذهب إلى الأوبرا أو العتبة دون أن يعرف أنه على مسافة قصيرة من مسجد عثمان كتخدا الذي يقف منذ سنة 1734
؟
ربما تكون مهمتنا الحقيقية هي أن نقول له: ارفع عينيك قليلًا...فالقاهرة لا تستحق أن تُرى بعين المشتري فقط.
بل بعين العاشق للتراث. العشماوي... عندما يصبح اسم المسجد ذاكرة للناس.

* وهكذا نعود إلى البداية. لماذا «العشماوي»؟
لأن اسمًا ارتبط بمسجد، ثم أصبح عنوانًا لشارع ومنطقة، وبقي يتردد على ألسنة الناس جيلاً بعد جيل.
وهذه من أجمل صور العلاقة بين الإنسان وأثره:
الأثر يعطي المكان اسمه... والمكان يحفظ اسم الأثر...
والناس يحملون الاسم إلى المستقبل.
فلا يضيع المسجد، حتى لو تغيرت واجهات المحال من حوله.
ولا يختفي التاريخ، حتى لو غطته حركة السوق.

وفي النهاية...
حين نمشي في العشماوي اليوم، قد نسمع أصوات التجارة أكثر مما نسمع صوت التاريخ.
لكن التاريخ موجود.
في المسجد... في النقوش... في أسماء الشوارع... في الطريق المؤدي إلى عبد العزيز...
في البيدق... في الجمهورية...وفي الطريق الممتد نحو الأوبرا والعتبة.
وهنا تتأكد لنا مرة أخرى حقيقة نؤمن بها أن
القاهرة ليست مجموعة آثار منفصلة...
إنها أثر كبير واحد.
تتداخل فيه المساجد مع الأسواق، والقصور مع الحارات، والعمارة مع التجارة، والذاكرة مع الحياة اليومية.
وإذا كان بعض الناس يرى في العشماوي سوقًا للأدوات الكهربائية، فنحن نراه بطريقة أخرى:
نراه سوقًا يقف فوق ذاكرة عمرها قرون، ويحرس في قلبه مسجدًا صغيرًا يحمل اسمًا كبيرًا.
فيا لها من قاهرة!
كلما ظننا أننا عرفناها...
فتحت لنا شارعًا صغيرًا، أو مسجدًا منسيًا، أو نقشًا على جدار، وقالت:
«ما زال عندي الكثير...»
ونحن نقول لها:
ونحن ما زلنا نبحث يا قاهرتنا الجميلة...
نبحث عن الحجر الذي يحكي... والشارع الذي يتذكر...والناس الذين صنعوا التاريخ دون أن تكتب أسماؤهم في الكتب.
 
 
الصور :