كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
تخيلوا معي القاهرة قبل أن تزدحم بالسيارات، وقبل أن ترتفع العمارات، وقبل أن تصبح منطقة وسط البلد كما نعرفها اليوم...كانت الأرض هنا مختلفة. برك ومياه، ورحاب، وأسواق، وطرق تتلوى بين العمران القديم.
وفي قلب هذا المشهد كانت هناك بركة عُرفت باسم بركة الفوالة، وهي بركة تظهر في خرائط الحملة الفرنسية للقاهرة، في منطقة أصبحت فيما بعد جزءًا من النسيج العمراني المعروف اليوم بالفوالة وعابدين.
* ومن هنا تبدأ الحكاية...
حكاية مكان لم يكن يتخيل من يراه قديمًا، تحيط به المياه والأراضي المنخفضة، أنه سيصبح يومًا قريبًا من قصر عابدين، وشارع الجمهورية، وشارع محمد فريد، ومحكمة عابدين، وبنك مصر، وقلب القاهرة الحديثة.
* الفوالة... الاسم الذي بقي بعد أن اختفت البركة.
أما اسم الفوالة نفسه، فتدور حوله روايات تاريخية وشعبية، ومن أبرزها ما يربطه بازدهار تجارة الفول في المنطقة، وهي رواية تتسق مع طبيعة النشاط التجاري والمعيشي الذي عرفته هذه المنطقة قديمًا. كما أن اسم الفوالة بقي شاهدًا على المكان حتى بعد أن اختفت البركة وتغيرت معالم الأرض.
* وهنا تكمن روعة القاهرة:
قد تختفي البركة... ويبقى اسمها.
وقد يتغير الطريق... وتبقى الحكاية.
وقد تتبدل البيوت... ويبقى المكان محتفظًا بذاكرته.
ثم جاءت أسرة محمد علي... فتغير وجه المكان
وهنا ندخل إلى فصل بالغ الأهمية من الحكاية.
مع مشروع القاهرة الحديثة في عهد الخديوي إسماعيل، أصبحت المنطقة المحيطة بعابدين جزءًا من مشروع عمراني واسع.
* فبعد أن اختار إسماعيل قصر عابدين مقرًا للحكم، بدأت المنطقة المحيطة به تتغير؛ فجرى ردم عدد من البرك، ومن بينها بركة الفوالة، ضمن أعمال إعادة تنظيم المنطقة وتهيئتها للعمران الحديث. وتذكر الدراسات أن إسماعيل أنشأ ميدان عابدين وفتح طرقًا جديدة تصل إلى القصر، في سياق تحويل المنطقة إلى مركز للحكم والعمران الحديث.
* وهكذا يمكننا أن نقول إن الفوالة لم تكن من إنشاء أسرة محمد علي، ولكنها دخلت مرحلة جديدة من تاريخها مع مشروع القاهرة الخديوية.
وهذا فرق مهم جدًا...
لأننا لا نريد أن ننسب إلى أحد ما لم يفعله، وإنما نريد أن نكتشف كيف صنع كل عصر طبقة جديدة فوق تاريخ المكان.
* ومن البركة إلى قلب العاصمة:
ما إن تنظر إلى موقع الفوالة اليوم حتى تدرك مدى التحول الذي أصابها.
فالمنطقة تُعرف إداريًا ضمن نطاق عابدين، وتضم شياخة الفوالة إلى جانب مناطق تاريخية أخرى مثل الساحة والدواوين والبلاقسة والسقايين وغيرها.
* واليوم يكفي أن تتجول حولها لتجد نفسك على مسافة قصيرة من أسماء صنعت صفحات مهمة من تاريخ القاهرة الحديثة:
- قصر عابدين... -شارع الجمهورية...
- شارع محمد فريد... - محكمة عابدين...
- وبنك مصر...
بل إن عنوان أرض الفوالة خلف بنك مصر لا يزال مستخدمًا حتى اليوم، وهو دليل حي على استمرار الاسم في ذاكرة المدينة.
* ولكن للفوالة حكاية أخرى... حكاية الناس
فالأحياء لا تعيش بالتاريخ وحده.
تعيش بأهلها.
والفوالة، مثل كثير من أحياء القاهرة القديمة، كانت منطقة للحركة والتجارة والحرف والباعة وصغار التجار، حتى وصفت المصادر القديمة عمرانها بأنه كان يضم حارات وأزقة ضيقة يتجمع فيها صغار الباعة قبل أن تمتد إليها أعمال التنظيم وإعادة التخطيط.
* وهنا تصبح الصورة أجمل...
فأنت لا تقرأ تاريخ الفوالة في الكتب فقط.
يمكنك أن تتخيله في صوت البائع، وخطوات العابر، ورائحة الطعام، ونداء أصحاب الحوانيت، وأصوات القاهرة التي كانت تبدأ صباحها مبكرًا ولا تنام إلا متأخرة.
والفوالة ليست مجرد اسم على خريطة
إنها طبقة من طبقات القاهرة.
تحت شوارعها الحديثة كانت هناك مياه...
ثم جاءت يد العمران فردمت البركة...
ثم جاءت القاهرة الخديوية فأنشأت الطرق والميادين والمنشآت...
ثم جاء القرن العشرون فشهد صعود المؤسسات والبنوك والمحاكم والشركات...
وبقي اسم واحد يعبر كل هذه العصور:
الفوالة.
* وهذه هي القاهرة التي نحبها...
مدينة تستطيع أن تمشي في شارع واحد فيها، فتجد نفسك تمشي في عدة قرون في وقت واحد.
فإذا مررت يومًا بمنطقة الفوالة، فلا تنظر إليها بعين العابر فقط...
توقف لحظة.
وتخيل أن الأرض التي تقف عليها كانت يومًا تحمل بركة من برك القاهرة القديمة.
ثم تخيل الخديوي إسماعيل وهو يعيد رسم ملامح المنطقة من حول عابدين...
ثم انظر إلى القاهرة التي نراها اليوم.
ستكتشف أن المكان لم يتغير فقط...
بل أعاد كتابة نفسه مرة بعد مرة.
وهكذا تبقى الفوالة واحدة من تلك الصفحات الجميلة في كتاب القاهرة؛ صفحة ربما لا تلفت النظر من الوهلة الأولى، لكنها كلما اقتربت منها اكتشفت تحت طبقات العمران ماءً قديمًا، واسمًا قديمًا، وناسًا، وحكايات، وذاكرة مدينة لا تعرف النسيان.
|