الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

درب المهابيل... حارةٌ تغيّرت اسمها ولم تتغيّر ذاكرتها
(17)

درب المهابيل... حارةٌ تغيّرت اسمها ولم تتغيّر ذاكرتها
(17)
عدد : 08-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية



هناك أسماء لأحياء القاهرة تجعلك تتوقف قبل أن تدخلها...تبتسم قليلًا من غرابة الاسم، ثم تسأل:لماذا سُمّي المكان هكذا؟

لكن القاهرة لا تعطيك الإجابة بسهولة. فوراء كل اسم حكاية، ووراء كل حكاية رواية، ووراء كل رواية إنسان عاش هنا وسمع شيئًا من آبائه وأجداده.

ومن أغرب أسماء القاهرة وأشدها إثارة للفضول: درب المهابيل.

اسم قد يبدو قاسيًا أو طريفًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يفتح أمامنا بابًا إلى حارة شعبية عريقة في قلب القاهرة، ارتبط اسمها بالأدب والسينما والذاكرة الشعبية، ثم تغيّر اسمها رسميًا، بينما بقي الاسم القديم حيًا على ألسنة الناس.

أين يقع هذا الدرب؟

هنا نبدأ من الخريطة قبل الحكاية. يقع الدرب في منطقة العتبة، بين شارعي محمد علي وعبد العزيز، وتذكر المصادر أنه يتبع إداريًا قسم عابدين، بينما هو جغرافيًا أقرب إلى منطقة الموسكي.

وهذا الموقع وحده يمنحه أهمية خاصة. فهو ليس بعيدًا عن قلب القاهرة التجارية القديمة؛ بل يقع في منطقة تتقاطع فيها طرق وأسواق عريقة، وتجاوره شوارع ارتبطت منذ زمن طويل بالحرف والتجارة والحركة اليومية.

إنه درب صغير... لكنه يعيش في قلب مدينة كبيرة.

والاسم... حكاية لم يتفق عليها أحد

وهنا يجب أن نكون أمناء.لا توجد رواية واحدة يمكن أن نقول عنها بثقة مطلقة:«هذه هي الحقيقة النهائية لسبب التسمية.»
بل تعددت الروايات، ونقلها سكان الدرب وكتّاب تناولوا تاريخ المكان.وأشهرها رواية تقول إن الدرب كان معروفًا قديمًا باسم «تُرب المناصرة»، وأن المنطقة كانت تضم مقابر، ثم أزيلت تلك المقابر وامتد العمران فوقها. وقد نقلت مصادر صحفية هذه الرواية عن أحد سكان الدرب من كبار السن. ثم ظهرت روايات أخرى لتفسير انتقال الاسم إلى «المهابيل».وهنا تبدأ الحكاية الشعبية...

الرواية الأشهر: حكاية البوظة

من أكثر الروايات انتشارًا أن الدرب اشتهر قديمًا بمحلات كانت تبيع الـ«بوظة»، وهي شراب شعبي يعتمد على الحبوب والماء والتخمير، وكان الإفراط في تناولها ـ وفق الرواية ـ يؤدي إلى حالة من الترنح، فأطلق الناس على رواد المكان وصف "المهابيل". وهذه الرواية تظل من الحكايات الشعبية المتداولة وكان بعض روادها يكثرون من تناولها حتى يفقدوا اتزانهم، فيخرجون إلى الشارع مترنحين؛ فصار الناس يصفون المشهد بالسفه أو «التهبيل»، ومن هنا ـ بحسب هذه الرواية ـ جاء اسم درب المهابيل.

لكنني هنا أفضل ألا نقدم هذه الرواية على أنها حقيقة تاريخية قاطعة.بل نقول:«ومن أشهر الروايات الشعبية المتداولة...»
فهذا أدق وأصدق.

ورواية أخرى... من زمن الباشوات:

هناك رواية أخرى يرويها بعض أهل المنطقة، تقول إن أحد الباشوات كان يسكن قصرًا يطل على المكان، وكانت تقام في الحي حفلات للزار، فلما رأى ما يحدث من حركات ورقص قال مستنكرًا:«إيه الناس المهابيل دول؟» ،فتناقل الناس العبارة، وقيل إنها أصبحت سببًا في تسمية الدرب.

هل نستطيع إثبات ذلك تاريخيًا؟
لا.
لكن هل تستحق الرواية أن تُروى؟
بالتأكيد....لأنها جزء من التراث الشفهي للمكان.
والتراث الشفهي لا نخلطه بالوثيقة، لكننا لا نهمله أيضًا.

وهناك رواية ثالثة... عن التشريفة الملكية:

ومن الحكايات المتداولة كذلك أن تشريفة عسكرية كانت تمر في المكان في العهد الملكي، وكان الجنود يؤدون حركات معينة بأيديهم تحية للوالي أو الحاكم، فاستغرب الناس تلك الحركات وسمّوهم «مهابيل»، ومن هنا ـ بحسب الرواية ـ جاء الاسم.

ثلاث روايات إذن...مقابر... وبوظة... وباشا وحفلات زار... وتشريفة عسكرية... أيها الصحيح؟

ربما لا نملك اليوم وثيقة حاسمة تفصل بينها.وهنا تكمن روعة الحكاية:أن الاسم نفسه أصبح أثرًا شفهيًا له أكثر من وجه.
لكن أهل الدرب لم يحبوا الاسم ومع مرور الزمن، رأى بعض السكان أن اسم «المهابيل» يحمل معنى لا يليق بهم ولا بأبنائهم.
فطالبوا بتغييره.. وتذكر المصادر أن الاسم تغير رسميًا سنة 1951 إلى:
درب المناصرة.

لكن المفاجأة أن الاسم الجديد لم يستطع أن يمحو الاسم القديم من الذاكرة الشعبية. فما زال كثير من الناس يعرفون المكان باسم درب المهابيل.

وهذه ظاهرة جميلة في القاهرة،فالقرار الإداري يستطيع أن يغير اللافتة... لكنه لا يستطيع دائمًا أن يغير ذاكرة الناس.
وهنا دخل نجيب محفوظ على الخط ،فلو كان «درب المهابيل» مجرد حارة صغيرة، ربما كان اسمه سيبقى محصورًا بين سكانها.. لكن شيئًا آخر حدث...دخل الاسم الأدب..دخل عالم نجيب محفوظ..فقد جعل محفوظ من الدرب عنوانًا لروايته «درب المهابيل»، ثم تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1955. وتدور الحكاية في حي شعبي حول خديجة وطه وورقة يانصيب تغيّر مصير أهل الحارة.

وهنا أصبحت الحارة الصغيرة جزءًا من الذاكرة الأدبية والسينمائية المصرية.لكن نجيب محفوظ لم يكن يرسم خريطة هندسية.
وهذه نقطة مهمة.عندما يكتب الأديب عن حارة شعبية، لا يكون بالضرورة بصدد تقديم خريطة جغرافية دقيقة لكل حجر وشارع.
إنه يبحث عن روح المكان.عن الإنسان الذي يعيش فيه... عن أحلامه الصغيرة... عن الفقر والغنى...عن الحب...عن الطموح... عن الحظ... عن الحارة التي يعرف فيها الجميع بعضهم بعضًا.ولهذا أصبح «درب المهابيل» في الأدب أكبر من حدوده الجغرافية.أصبح رمزًا للحارة المصرية.وهنا تظهر القاهرة التي أحبها

ادخل الدرب اليوم...لن تجد قصورًا ملكية ضخمة.ولن تجد ساحات واسعة.ستجد شيئًا أكثر تواضعًا... الناس... بيوتًا متجاورة... محالًا صغيرة... ورشًا...دكاكين...وجوهًا يعرف بعضها بعضًا... وشبابًا يقفون أمام محالهم... ورجلًا كبيرًا يجلس في مكانه المعتاد، يعرف تاريخ الشارع أكثر مما يعرفه كثير من الكتب.وهذه هي القيمة الحقيقية لهذه الأحياء:أن التراث فيها ليس حجرًا فقط. إنه بشر. والبيت القديم... شاهد صامت.. وهذه البيوت قد تبدو للعين العادية بسيطة جدًا.. لكن المتخصص في التراث ينظر إليها بطريقة مختلفة.فهو يرى: الباب... والشباك... والسلم... والواجهة...وتخطيط البيت...
ويحاول أن يفهم:كيف كان يعيش المصري العادي؟وهذه دراسة لا تقل أهمية عن دراسة القصور.فالتاريخ ليس تاريخ السلاطين وحدهم. التاريخ أيضًا تاريخ الناس.

ومسجد العظام... أكثر حكايات الدرب غرابةومن أبرز ما ارتبط بالدرب مسجد العظام.وحتى اسمه وحده يدفعك إلى السؤال:
لماذا «العظام»؟

تذكر الروايات المحلية أن المنطقة كانت في فترة من الفترات مقابر، وأن السكان كانوا يجدون عند الحفر والبناء بقايا عظام ورفات، فكان يتم جمعها ودفنها في المسجد، ولذلك اشتهر باسم «مسجد العظام». وتذكر مصادر أخرى أن اسمه الأصلي كان مرتبطًا بالشيخ إبراهيم أو بأحد الأولياء، وأن الاسم الشعبي غلب عليه لاحقًا.

لكن مرة أخرى...هذه رواية شعبية وليست أمامنا وثيقة أثرية قاطعة تثبت كل تفاصيلها. وهذا التفريق مهم جدًا.
لأننا حين نتحدث عن تراث مصر، نريد أن نروي الحكاية الجميلة من دون أن نحول الرواية الشعبية إلى حقيقة علمية.
والمسجد نفسه يحمل مفارقة جميلة
فبحسب المصادر التي تناولته، يقع المسجد في منطقة تجارية مزدحمة، وله واجهة حجرية مميزة من الخارج، بينما تعرض داخله لتغيرات وتجديدات أفقدته جانبًا من ملامحه القديمة.
وهنا نتوقف.

كم من أثر في القاهرة القديمة يعيش وسط الزحام...
تعلوه لافتات المحلات...
وتدور حوله التجارة...
بينما هو في الحقيقة يحمل عمرًا أكبر بكثير من عمر النشاط التجاري المحيط به؟
هذه هي القاهرة.
مدينة لا تفصل الماضي عن الحاضر.
بل تجعلهما يعيشان جنبًا إلى جنب.
ومن المقابر إلى البيوت... ومن الحارة إلى السوق
إذا صحت الروايات الشعبية عن وجود المقابر في المنطقة، فإن تحول المكان من أرض دفن إلى منطقة سكنية وتجارية يفتح أمامنا صورة مهمة عن تطور القاهرة وتغير استعمالات الأرض عبر الزمن.
لكن لا ينبغي أن ننسى أن الروايات المحلية تحتاج إلى دراسة وثائقية وأثرية أعمق قبل أن ننسب إليها تاريخًا قطعيًا.

درب المهابيل... حارة صنعتها الحياة
وربما أجمل ما يمكن أن نقوله عن سكان الدرب أنهم ليسوا مسؤولين عن اسم أطلق على المكان منذ عقود طويلة.
فالاسم شيء... والإنسان شيء آخر.
وقد يكون الاسم غريبًا... لكن البيت محترم.
والأسرة كريمة... والشاب مجتهد... والجار سند لجاره.
وهذه هي الصورة التي ينبغي أن نبحث عنها في أحياء القاهرة الشعبية:
لا نبحث عن غرابة الاسم، بل عن كرامة الإنسان.

الشباب... الوجه الذي لا تراه كتب التاريخ
في الأحياء القديمة، كثيرًا ما نتحدث عن العجائز والبيوت القديمة.
لكن علينا أن نلتفت إلى الشباب أيضًا.
فهم الذين ورثوا المكان...
ويعيشون فيه اليوم...
ويحاولون أن يصنعوا لأنفسهم مستقبلًا وسط مدينة تتغير بسرعة.
وإذا أردنا حماية التراث فعلًا، فلا يكفي أن نحافظ على المسجد والبيت.
يجب أن نجعل شباب الحي أنفسهم يشعرون أن هذا التراث ملك لهم.
فالشاب الذي يعرف قصة شارعه...
لن يسمح بسهولة أن تضيع ذاكرته.
وهكذا نفهم نجيب محفوظ
ربما لم يكن سر نجيب محفوظ أنه كان يعرف القاهرة فقط...
بل أنه كان يسمعها.
كان يسمع البائع... والعجوز... والعامل...والعاشق...والفقير... والحرفي...
ويعرف أن لكل واحد منهم حكاية.
ولهذا استطاع أن يجعل من حارة صغيرة عالمًا كاملًا.
وهذه هي عبقرية القاهرة:
أن شارعًا صغيرًا يمكن أن يصبح أدبًا...
والحارة يمكن أن تصبح رواية...
والاسم الغريب يمكن أن يصبح ذاكرة وطن.
وحين نمشي اليوم في درب المهابيل...
ربما لن نجد القاهرة التي عرفها نجيب محفوظ كاملة.
لن نجد العربات القديمة كما كانت... ولا الدكاكين نفسها... ولا الوجوه نفسها...ةولا الأصوات نفسها.

لكن إذا أنصتنا جيدًا...
قد نسمع شيئًا من الماضي.
صوت باب يغلق... بائع ينادي... ضحكة شاب...
صوت أذان... ورجل كبير يحكي لابنه:
«زمان... كان هنا...»

وهنا تبدأ رحلة أخرى.
رحلة البحث عن القاهرة التي اختفت من الشوارع، لكنها لم تختفِ من الذاكرة.
درب المهابيل... الاسم الذي رفض أن يموت
غيّروا اسمه إلى درب المناصرة...
لكن الناس ما زالوا يقولون: درب المهابيل.

وفي النهاية...
يا درب المهابيل...
يا دربًا حمل اسمًا غريبًا، لكنه حمل بين جدرانه أناسًا عاديين لهم أحلامهم وكرامتهم وحكاياتهم...
يا حارةً وقفت بين محمد علي وعبد العزيز، في قلب القاهرة التجارية الصاخبة...
يا مكانًا دخل الأدب من باب نجيب محفوظ...
ودخل السينما من باب «درب المهابيل»...
وبقيت أنت، رغم تغير الاسم، شاهدًا على زمن لم يعد يعود.
علّمتنا أنك لست اسمًا على لافتة.
وأن قيمة المكان ليست في فخامة مبانيه فقط...
بل في الإنسان الذي عاش فيه، والذاكرة التي حفظته، والحكاية التي بقيت بعد رحيله.
فيا أهل الدرب...
ليس العيب في اسمٍ أطلقه السابقون...
إنما الفخر في تاريخٍ صنعه الطيبون.
ويا شباب الحارة...
حافظوا على ما ورثتموه؛ فربما لا تدركون أن الباب الذي تمرون أمامه كل يوم، أو المسجد الذي تسمعون منه الأذان، أو الحارة التي ترونها عادية...
قد تكون عند مؤرخ بعد مائة عام:
قطعة من القاهرة التي لا تعوّض.
 
 
الصور :