الاثنين, 14 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الناصرية... حين تمشي في الحارة فتسمع صدى القاهرة القديمة
(14)

الناصرية... حين تمشي في الحارة فتسمع صدى القاهرة القديمة
(14)
عدد : 08-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية

هناك أماكن في القاهرة لا تحتاج إلى أن تبحث فيها عن التاريخ...فالتاريخ هو الذي يبحث عنك.
تدخل زقاقًا ضيقًا، فتجد بابًا خشبيًا عتيقًا، ثم ترفع رأسك قليلًا فتظهر لك مئذنة من وراء البيوت، وتمضي خطوات أخرى فإذا بحجر قديم أو مسجد صغير يخبرك أن هذه الأرض شهدت أقدام سلاطين وأمراء وعلماء وصناع وحرفيين.
ثم تسمع صوتًا من نافذة...
وصوت بائع من آخر الحارة...
ورائحة طعام مصري أصيل...
وتحية من رجل يجلس أمام دكانه يعرف كل من يمر أمامه...
وفجأة تشعر أنك لم تعد في القاهرة التي تعرفها.
لقد دخلت عالمًا آخر.
ذلك العالم هو:
الناصرية :
"""""""""""""
حي بجوار السيدة زينب... لكنه يحمل شخصيته الخاصة
الناصرية تقع في قلب النسيج التاريخي لمنطقة السيدة زينب، وتتصل بشوارع ومناطق عريقة مثل شارع مجلس الأمة، والمواردي، وبورسعيد، والشيخ صالح، والحنفي وغيرها.

وقد أصبح شارع مجلس الأمة نفسه شريانًا مهمًا يخترق المنيرة والسيدة زينب، ويمر بالمدارس والمقاهي وسوق الناصرية وميدان لاظوغلي.

ولهذا فإن الناصرية ليست جزيرة منفصلة.
إنها قطعة من قلب القاهرة التاريخية، تتداخل فيها الشوارع والحارات حتى تكاد لا تعرف أين ينتهي حي ويبدأ آخر.

وهذه بالضبط إحدى روائع القاهرة القديمة:
أن حدودها لا تُقرأ دائمًا على الخريطة... بل تُقرأ في ذاكرة الناس.

ولاسم الناصرية حكاية
هنا تبدأ إحدى أجمل الحكايات.
ترتبط تسمية المنطقة تاريخيًا بـالسلطان الناصر محمد بن قلاوون، إذ عُرفت المنطقة بوجود البركة الناصرية، ونشأت حولها مساكن وأسواق وعمران.
وكان عصر الناصر محمد من أهم العصور التي شهدت فيها القاهرة توسعًا عمرانيًا كبيرًا؛ فقد أصبحت مناطق واسعة من القاهرة التي نعرفها اليوم جزءًا من الامتداد العمراني للمدينة في العصر المملوكي.
وهكذا...
قبل أن يصبح المكان شارعًا مكتظًا بالناس والسيارات، كان هنا ماء وبركة وأرض وعمران مملوكي.
ومن الماء بدأت الحكاية...ثم جاء الإنسان...ثم جاءت البيوت...ثم الأسواق...ثم المساجد...ثم ولدت الذاكرة.

الست مسكة... امرأة تركت اسمها في الحجر
وهنا نصل إلى قصة ربما لا يعرفها كثير من الناس.
في قلب الناصرية عاش اسم امرأة مملوكية تركت أثرًا حقيقيًا في عمران المنطقة:
الست مسكة.
كانت من جواري السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وعُرفت بأنها مربيته ومرضعته، وكانت لها مكانة بارزة في عصرها.
وتذكر المصادر أن المنطقة المحيطة بالناصرية ارتبطت بها، وأنها حصلت على أرض لإعمارها وزراعتها، ثم بدأت البيوت والأسواق والحمامات في الظهور حولها.

ولم تكتفِ بذلك...
بل أنشأت مسجدها الشهير بين عامي 1339 و1340م، وهو المعروف اليوم بـمسجد الست مسكة.
والأجمل أن المسجد لا يزال قائمًا في حارة فقوسة المتفرعة من شارع الست مسكة بالناصرية.
تخيلوا ذلك المشهد منذ نحو سبعة قرون:
امرأة من داخل القصر السلطاني...
تخرج من عالم الأمراء...
وتضع يدها في عمران منطقة كاملة.
فتصبح الأرض عمرانًا، والعمران ذاكرة، والذاكرة أثرًا.
وهنا مسجد آخر يحمل بصمة المماليك
نترك مسجد الست مسكة، ونسير قليلًا...
فنجد جامع أرغون شاه الإسماعيلي.
وقد أنشأه الأمير المملوكي البحري أرغون شاه الإسماعيلي الكاملي سنة 748هـ/1347م، ويقع في شارع الجامع الإسماعيلي بمنطقة الناصرية.

وهذا وحده يكفي لكي ندرك قيمة المنطقة.
فأنت لا تسير في حي شعبي قديم فحسب...
أنت تسير فوق أرض احتفظت بآثار من القاهرة المملوكية.
قانيباي الرماح... مسجد معلق فوق الطريق
ثم نصل إلى واحد من أجمل الآثار التي تمنح الناصرية شخصية خاصة:
مسجد قانيباي الرماح.
أنشأه الأمير قانيباي الرماح سنة 911هـ/1506م، وهو من المساجد المعلقة التي يصعد إليها الزائر بدرج.

وهنا أحب أن نتخيل المشهد كما كان قديمًا:
الناس يمشون في الطريق...
والدكاكين على الجانبين...
والأصوات تتداخل...
ثم يرتفع المسجد فوق مستوى الشارع.
وكأن العمارة نفسها كانت تريد أن ترفع الإنسان قليلًا عن ضجيج الدنيا.

الناصرية لم تتوقف عند العصر المملوكي
وهذا من أجمل أسرارها.
فإذا كان المماليك قد تركوا فيها بصمتهم، فإن أسرة محمد علي تركت هي الأخرى آثارًا مهمة.
ومن أبرزها:
مسجد الشيخ صالح أبي حديد.
أنشأه الخديوي إسماعيل بين عامي 1863 و1867م، ويقع في شارع الشيخ صالح بمنطقة الناصرية.

ثم نجد أثرًا آخر: مسجد الحنفي.
وقد أنشأه الخديوي عباس حلمي الثاني سنة 1914م، في شارع الحنفي بالناصرية.

وهنا تصبح الناصرية أمامنا كأنها كتاب حجري مفتوح:
صفحة مملوكية... ثم صفحة عثمانية... ثم صفحة من عصر أسرة محمد علي... ثم صفحات من القاهرة الحديثة.
وهذا ما يجعل الناصرية مختلفة
هناك أحياء قديمة تشتهر بأثر واحد.

أما الناصرية...
فتميزها أن الأثر موزع في نسيج الحياة اليومية.
مسجد هنا...حارة هناك...بيت قديم...باب خشبي...سوق...قهوة...زاوية...مئذنة...
وكلها متجاورة.
لا تحتاج إلى سيارة لتنتقل من أثر إلى آخر.
قد تكفيك قدماك وذاكرتك.

سوق الناصرية... حين يكون السوق جزءًا من ذاكرة الحي
ومن الأشياء التي تعطي المنطقة شخصيتها سوقها.
فالسوق القديم لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء.
كان ملتقى الناس.
فيه يعرف التاجر زبونه...
ويعرف الجار جاره...
ويعرف صاحب الدكان أخبار الحارة قبل أن تصل الصحيفة.
وكانت الأسواق في القاهرة القديمة تؤدي وظائف اجتماعية تتجاوز التجارة.
فالسوق مكان للأخبار...والتعارف...واللقاء...
والحكايات.
ولهذا فإن سوق الناصرية جزء من التراث الاجتماعي للمنطقة، لا مجرد مجموعة محال.
وفي الناصرية... الحارة ليست مجرد ممر
وهذه نقطة أحب أن نتوقف عندها.

في القاهرة الحديثة أصبح الشارع في الغالب وسيلة للانتقال.
أما في القاهرة القديمة، فالحارة كانت مكانًا للحياة نفسها
الأطفال يلعبون...النساء يتبادلن التحية من النوافذ...الرجال يجلسون أمام الدكاكين...والجار يعرف متى عاد جاره ومتى غاب.
وكانت الأبواب المفتوحة تعني شيئًا.
والجلوس أمام البيت يعني شيئًا.
حتى السلام بين أهل الحارة كان جزءًا من النسيج الاجتماعي للمكان.

ولهذا عندما تدخل إحدى حارات الناصرية تشعر أن الزمن أبطأ قليلًا.
وكأن القاهرة القديمة ما زالت تتنفس هنا.

أهل الناصرية... حكاية أخرى
ولعل أجمل ما يمكن أن نكتبه عن الناصرية لا يتعلق بالحجر وحده.
بل بالإنسان الذي عاش بجوار الحجر.
فأهل هذه المناطق الشعبية القديمة عُرفوا في الذاكرة المصرية بالشهامة، والمروءة، وحسن الجيرة، والكرم، وإغاثة المحتاج.
وقد تكون هذه الصفات موجودة في كل حي مصري أصيل، لكنها في الحارات القديمة تظهر بصورة أكثر وضوحًا؛ لأن الناس كانوا يعيشون متجاورين ومتعارفين ومترابطين.
لم يكن الجار مجرد شخص يسكن بجوارك.

كان سندًا لك.
وهذه قيمة اجتماعية يجب ألا تضيع ونحن نتحدث عن التراث.
في الناصرية... كان للبيت قلب
البيت القديم لم يكن مجرد شقة.
كان له فناء...ومدخل...وممر...وأحيانًا مشربيات...
وأبواب خشبية ضخمة...
وكانت العمارة تحافظ على خصوصية أهل البيت، وفي الوقت نفسه تترك للهواء والنور طريقًا إلى الداخل.
ولهذا فإن دراسة بيوت الناصرية القديمة مهمة بقدر دراسة المساجد.
لأنها تخبرنا:
كيف كان المصري يعيش؟
لا كيف كان يصلي فقط.
ومن أجمل ما في الحي... أنك قد تمشي بجوار التاريخ دون أن تعرف
قد تمر بجانب باب عادي...
ولا تدري أن وراءه حكاية.
وقد تمشي في شارع يحمل اسم شخص...
ولا تعرف أنه عاش منذ قرون.
وقد ترى مئذنة صغيرة...
ولا تعرف أن المسجد الذي تنتمي إليه شهد أحداثًا من تاريخ القاهرة.
وهذه هي المشكلة التي نواجهها اليوم:
أن بعض آثار القاهرة أصبحت مألوفة لدرجة أننا لم نعد نراها.
والتراث حين يصبح مألوفًا جدًا...
قد يصبح معرضًا للنسيان.

الناصرية... ذاكرة لا تزال تمشي على قدمين
وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحي، فلا تكتفِ بالصور.
اذهب إلى هناك.
استمع إلى كبار السن.
اسأل صاحب الدكان:
«منذ متى وأنت هنا؟»
واسأل الرجل الذي يجلس أمام بيته:
«ماذا كان هنا منذ خمسين عامًا؟»
ستسمع أحيانًا معلومات لن تجدها في كتاب.
فالتاريخ المكتوب يحفظ الأحداث الكبرى...
لكن ذاكرة الناس تحفظ التفاصيل الصغيرة.
والتفاصيل الصغيرة هي التي تجعل التاريخ حيًا.
وهنا سر جمال القاهرة القديمة
القاهرة لم تكن مدينة قصور فقط.
ولا مدينة مساجد فقط.
ولا مدينة أسواق فقط.
كانت كل ذلك معًا.

قصر بجوار بيت بسيط... مسجد بجوار سوق...
عالم بجوار حرفي... تاجر بجوار طالب...
وباشا يمر في الشارع نفسه الذي يمر فيه الفقير.
هذه الطبقات المتجاورة هي التي صنعت شخصية القاهرة.

وهذا بالضبط ما نراه في الناصرية.
وعندما يأتي الليل...
تتغير الحكاية.
تخفت حركة السوق...
تغلق بعض الدكاكين أبوابها...
تظل رائحة الطعام عالقة في الهواء...
وتظهر الإضاءة من النوافذ...
وتسمع من بعيد صوت القرآن أو الأذان...
وتصبح المئذنة أكثر وضوحًا فوق البيوت.
عندها فقط يمكن أن تفهم معنى أن يكون للمكان روح.
فالناصرية ليست مجرد مبانٍ متجاورة.
إنها إحساس.
ولذلك أحب أن أقول...
إذا دخلت الناصرية فلا تدخلها بعين السائح فقط.
ادخلها بعين المحب.
لا تبحث عن الصورة الجميلة وحدها.
ابحث عن الحكاية : عن الإنسان...عن الباب...
عن الحجر.. عن الاسم. ..عن المئذنة...عن الحارة.
عن صوت البائع...عن رائحة الخبز.
عن دعاء امرأة كبيرة تجلس أمام بيتها.
فكل ذلك جزء من الأثر.

الناصرية... سبعة قرون من الذاكرة
من الناصر محمد بن قلاوون...
إلى الست مسكة...
إلى أرغون شاه...
إلى قانيباي الرماح...
إلى الخديوي إسماعيل...
إلى عباس حلمي الثاني...
ثم إلى أجيال المصريين الذين عاشوا هنا...
تتعاقب الأسماء...
وتتغير الأزمنة...
لكن المكان يبقى.
وهذه هي عظمة القاهرة.
أنها تستطيع أن تحمل في شارع واحد قرونًا كاملة دون أن تتوقف عن الحياة.

وفي النهاية...
يا ناصرية...
يا ابنة القاهرة القديمة...
يا حيًا حفظ في حاراته شيئًا من ملامح المدينة التي كانت تمشي على مهل...
يا أرض الست مسكة وقانيباي الرماح وأرغون شاه...
يا مكانًا عبرت به أجيال من المصريين، فتركت على جدرانه ضحكاتها وأحزانها وأرزاقها وصلواتها...
لم تكوني يومًا مجرد حي.
كنتِ مجتمعًا صغيرًا يعرف بعضه بعضًا...
وكانت الحارة فيه بيتًا كبيرًا...
والجار أخًا...
والغريب ضيفًا...
والأثر جزءًا من الحياة.
ولهذا حين ندخل شوارعك وأزقتك، نشعر فعلًا أننا دخلنا عالمًا آخر...
عالمًا لم يعد موجودًا بكامل صورته...
لكنه لم يمت.
ما زال يعيش في باب قديم...
وفي مئذنة شامخة...
وفي دكان صغير...
وفي ابتسامة رجل من أهل الحي...
وفي حكاية عجوز يتذكر كيف كانت القاهرة منذ نصف قرن.
فنقف قليلًا...
ونقول:
سلامٌ على القاهرة التي كانت...
وسلامٌ على أهلها الطيبين...
وسلامٌ على كل حجر حفظ لنا شيئًا من سيرتها.
 
 
الصور :