كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هناك أحياء في القاهرة لا يكفي أن نقول عنها: قديمة.
فالقِدم وحده لا يصنع التاريخ.
لكن هناك مكانًا إذا مشيت في شوارعه، وجدت فيه قصرًا يحكي عن أسرة محمد علي، ومدرسة تروي بداية تعليم البنات، وشارعًا يحمل ذاكرة الصحافة، وعمارةً تتحدث واجهتها بلغة الفن الأوروبي، وحديقةً ما زالت تحتفظ بشيء من رائحة زمن مضى.ذلك المكان هو...المنيرة.
حيٌّ ربما يمر به الناس اليوم في زحام القاهرة دون أن يعرف كثيرون أنهم يمشون فوق صفحات من تاريخ مصر الحديث.
قبل أن تصبح المنيرة... كانت هنا حكاية أخرى
تبدأ قصة المنطقة من زمن بعيد.
فقد كانت المنيرة في أواخر العصر الفاطمي من المناطق التي يقصدها أهل القاهرة للاستمتاع بالحدائق والمتنزهات، ثم تعاقبت عليها التحولات العمرانية حتى دخلت في قلب القاهرة الحديثة.
وتشير دراسة حديثة عن المنطقة إلى أن بداياتها ارتبطت بكونها متنفسًا وحديقة لأهل القاهرة، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى حي عامر بالقصور والعمائر والمؤسسات.
* وهنا تبدأ المفارقة الجميلة:
مكان كان للراحة والتنزه... أصبح فيما بعد مكانًا للعلم والثقافة والسياسة.
وكأن القاهرة كانت تغيّر ثوبها...
لكنها لا تتخلى عن روحها.
* المنيرة... حين اقترب القصر من الناس
مع القرن التاسع عشر، بدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة.
مرحلة أسرة محمد علي.
فنشأت بها قصور وسرايات ارتبطت بأفراد من الأسرة الحاكمة وكبار رجال الدولة.
ومن أشهر ما ارتبط بالمنيرة قصر المنيرة، الذي تنسبه بعض المصادر إلى الأميرة منيرة هانم سلطان، ابنة السلطان العثماني عبد المجيد الأول، التي تزوجت الأمير إبراهيم إلهامي باشا ابن عباس باشا الأول.
وتشير المصادر إلى أن القصر شهد مناسبات سياسية مهمة، منها استقبال مبعوث للسلطان عبد الحميد الثاني عام 1892م بمناسبة تولي عباس حلمي الثاني حكم مصر.
تخيلوا المشهد...
حدائق... عربات تجرها الخيول... أمراء وباشوات... حاشية تتحرك في هدوء...
وقاهرة أخرى لم تكن قد عرفت بعد زحام السيارات وضجيجها.
* كان للمدينة وقتها إيقاع آخر.
قصور بنات الخديوي إسماعيل
ولم تكن قصة القصور مرتبطة بقصر المنيرة وحده.
فالمنطقة احتضنت أيضًا ثلاثة قصور أنشأها الخديوي إسماعيل لبناته، وكان لكل قصر حكايته وساكنوه.
أن أحد هذه القصور ارتبط بالأميرة فائقة هانم، وآخر بالأميرة جميلة، بينما كان الثالث في شارع الفلكي للأميرة توحيدة. وقد استخدمت بعض هذه المباني لاحقًا مقرات لوزارات ومؤسسات الدولة.
* وهنا تظهر لنا صورة مذهلة عن القاهرة:
قصر كان بيتًا لأميرة... ثم أصبح مقرًا لوزارة.
وكأن الحجر لا يتقاعد.
إنه فقط يغير وظيفته ويواصل الحياة.
لكن أجمل حكايات المنيرة ليست في القصور
وإذا كان القصر يحكي عن أصحاب السلطة...
فإن المدرسة تحكي عن صناعة المستقبل.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم صفحات تاريخ المنيرة:
+ المدرسة السنية للبنات.
مدرسة فتحت بابًا كان مغلقًا
في سنة 1873م، وفي عهد الخديوي إسماعيل، أُنشئت مدرسة السنية للبنات.
ولم تكن مدرسة عادية.
كانت خطوة جريئة في مجتمع لم يكن تعليم الفتيات فيه قد أصبح حقًا عامًا ومستقرًا بعد.
وتشير المصادر إلى أن إنشاء المدرسة كان من أهم مشروعات تعليم البنات في مصر، وأنها بدأت بنظام داخلي وخارجي، وكان التعليم فيها مجانيًا، مع توفير المأكل والملبس للطالبات في سنواتها الأولى.
* تخيلوا فتاة مصرية في ذلك الزمن...
تفتح كتابها...
وتتعلم القراءة والكتابة والحساب والجغرافيا والتاريخ...
وتحفظ القرآن الكريم...
وتتعلم التطريز والنسيج.
إنها لم تكن تتعلم حروفًا فقط.
كانت تفتح نافذة جديدة للمرأة المصرية على العالم.
والأجمل... أن المدرسة لم تكن مجرد مبنى
فقد بدأت المدرسة في مقر ارتبط بشارع السيوفية، ثم انتقلت لاحقًا أكثر من مرة حتى استقرت في موقعها الحالي بشارع خيرت في مواجهة شارع المبتديان منذ نهاية القرن التاسع عشر.
* وهذا تفصيل صغير...
لكنه يكشف لنا شيئًا مهمًا:
أن المؤسسات التعليمية نفسها كانت جزءًا من حركة العمران في القاهرة.
فالمدرسة تتحرك... والشارع يتغير...والحي يكبر... والمدينة كلها تدخل عصرًا جديدًا.
ومن المدرسة خرجت نساء صنعن التاريخ
وهنا ربما تكون المفاجأة التي لا يعرفها كثيرون.
لم تكن المدرسة مجرد مكان للتعليم.
لقد خرجت منها أسماء نسائية تركت بصمتها في مصر.
من بينهن ملك حفني ناصف «باحثة البادية»، ونبوية موسى، التي كانت من رائدات تعليم البنات، وعائشة راتب، وأمينة السعيد، ومفيدة عبد الرحمن، إلى جانب أسماء أخرى كان لها حضور في الصحافة والإذاعة والعمل العام.
وهنا، عندما نقف أمام مبنى المدرسة، يجب ألا نراه مجرد مبنى قديم.
بل نتخيل آلاف الفتيات اللاتي دخلن من أبوابه...
وخرجت بعضهن ليكتبن صفحات جديدة في تاريخ المرأة المصرية.
كم من فكرة بدأت من هنا؟
وكم من حلم خرج من نافذة فصل صغير؟
والمنيرة شهدت لحظة وطنية لا تُنسى
في سنة 1919، لم تبقَ طالبات المدرسة بعيدات عن الأحداث.
فقد شاركت طالبات السنية في المظاهرات الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، في واحدة من الصفحات المهمة في تاريخ الحركة النسائية المصرية.
* وهنا تتغير الصورة أمامنا.
الفتاة التي كانت تجلس في الصباح أمام كتابها...
خرجت في الظهيرة إلى الشارع...
تهتف لمصر.
وهنا ندرك أن التعليم لم يكن مجرد معرفة.
كان وعيًا... ثم موقفًا... ثم وطنًا.
دار العلوم... حين أصبحت العربية علمًا يُدرّس
ولم تكن المنيرة حاضنة لتعليم البنات فقط.
ففيها أيضًا واحدة من المؤسسات العلمية التي ارتبط اسمها بتاريخ اللغة العربية والدراسات الإسلامية:
دار العلوم.
تأسست مدرسة دار العلوم سنة 1872م، ثم تطورت عبر الزمن حتى أصبحت كلية تابعة لجامعة القاهرة سنة 1946م، مع احتفاظها باسمها التاريخي.
وهنا تصبح المنيرة منطقة تتجاور فيها تجربتان بالغتا الأهمية:
تعليم المرأة من جهة...
وتطوير الدراسات العربية والإسلامية من جهة أخرى.
وكأن الحي كان يقول للقاهرة:
لا نهضة بلا علم... ولا علم بلا إنسان.
ثم دخلت الصحافة من أبواب المنيرة
وهذه حكاية أخرى لا تقل جمالًا.
فمنطقة المنيرة والإنشاء احتضنت مؤسسات صحفية وثقافية عريقة، منها دار الهلال وروز اليوسف، كما ارتبطت المنطقة لاحقًا بمؤسسات صحفية مهمة.
* وهنا يصبح المشهد كاملًا:
قصر... ومدرسة... وجريدة... ومكتبة... وشارع.
أي أن المنيرة لم تكن حيًا للسكن فقط.
كانت حيًا يصنع المعرفة.
شوارع بأسماء تحمل ذاكرة أصحابها
ومن أجمل ما يلفت النظر في المنيرة كثرة الشوارع التي تحمل أسماء شخصيات أو وظائف أو أوصافًا قديمة.
هناك شارع المبتديان، وشارع إسماعيل أباظة، وشارع صفية زغلول، وشارع أمين سامي، وشارع إسماعيل باشا سري، وشارع عبد الرحيم البيساني، وشارع بستان الفاضل، وشارع المواردى وغيرها.
* كل اسم...
باب صغير إلى حكاية كبيرة.
وهذه من الأشياء التي أحبها في القاهرة:
أنك تستطيع أحيانًا أن تقرأ التاريخ من لافتة شارع.
شارع المبتديان... اسم يحمل قصة
ومن التفاصيل الجميلة أن شارع المبتديان ارتبط بمدرسة المبتديان الابتدائية، التي نقلت إلى سراي البرديسي في المنطقة سنة 1868م، ثم ارتبط الشارع لاحقًا بأسماء أخرى.
* وهنا نرى كيف كانت المدرسة تترك أثرها حتى في اسم الشارع.
وهذا أمر لا يعرفه كثيرون:
أحيانًا لا تحفظ المدينة تاريخها في الكتب فقط... بل تحفظه في أسماء شوارعها.
والعمارة هنا لها لسانها الخاص
إذا مشيت في المنيرة، فلا تنظر إلى العمارة باعتبارها مجرد مبنى.
انظر إلى الواجهة.
ففي المنطقة مبانٍ تمثل تأثيرات معمارية أوروبية مثل الباروك والروكوكو، إلى جانب عناصر محلية، وهو ما صنع نسيجًا معماريًا مميزًا في القاهرة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
شرفات...زخارف...كرانيش...أعمدة...حديد مشغول...أبواب خشبية...
وتفاصيل صغيرة كان صانعها يعرف أن الجمال ليس رفاهية.
الجمال جزء من عمارة المدينة.
* وهنا سر آخر لا يعرفه كثيرون
القاهرة القديمة لم تكن دائمًا تفصل بين الأحياء الراقية والشعبية كما نفعل اليوم.
في المنيرة والإنشاء نجد تداخلًا بين القصور والعمائر والفيلات ومساكن الطبقة الوسطى، حتى أصبح الحي أشبه بسجل اجتماعي للعاصمة المصرية.
ولهذا إذا مشيت في شارع واحد...قد ترى قصرًا...ثم عمارة جميلة...ثم بيتًا بسيطًا...ثم مدرسة...ثم مؤسسة ثقافية.
إنها مصر في صورتها الحقيقية: طبقات فوق طبقات، وحكايات بجوار حكايات.
* المنيرة... حين كان للشارع صوت آخر
تخيلوا القاهرة في أواخر القرن التاسع عشر...
عربة تجرها الخيول تمر ببطء...
بائع ينادي...طالب يحمل كتبه...فتاة تذهب إلى المدرسة...باشا يخرج من قصره...وصحفي يحمل أوراقه...ومؤذن يرفع الأذان...
كل هذه الأصوات تختلط في شارع واحد.
ذلك هو الزمن الجميل الذي نفتقده.
ليس لأنه كان خاليًا من المشكلات...
ولكن لأن إيقاع الحياة كان أكثر هدوءًا، وكانت للمكان شخصيته، وللشارع ذاكرته، وللبيت حكاية.
* من القصر إلى المدرسة... من السلطة إلى المعرفة.
وهذه ربما أجمل حكاية يمكن أن تحكيها لنا المنيرة.
بدأت مرحلة مهمة من تاريخها مرتبطة بالقصور وأفراد أسرة محمد علي...
ثم أصبحت موطنًا لمؤسسات التعليم...
ثم احتضنت الصحافة والثقافة...
ثم تغير سكانها وتغيرت عمارتها...
لكنها ظلت في كل مرحلة مرآة لمصر التي تتغير.
* فالمدينة تتغير عندما يتغير الإنسان.
والإنسان يتغير عندما يتعلم.
وهنا كانت المنيرة تعلم القاهرة كيف تنتقل من زمن القصر إلى زمن المدرسة والجريدة والجامعة.
وعندما ننظر اليوم إلى المدرسة السنية...
لا ينبغي أن نرى مبنى قديمًا فقط.
بل يجب أن نتذكر أن وراء هذه الجدران كانت هناك فتيات حملن أحلامًا كبيرة.
بعضهن أصبحن كاتبات... وبعضهن رائدات في التعليم... وبعضهن محاميات... وبعضهن صحفيات...وبعضهن دخلن الحياة العامة.
فيا لها من مفارقة جميلة:
المكان الذي فتح بابه للفتاة المصرية منذ أكثر من قرن، كان يفتح في الوقت نفسه بابًا جديدًا لمصر كلها.
* المنيرة لا تحتاج إلى أن تتحدث... واجهاتها تتحدث عنها.
في كل مبنى قديم هناك تفصيلة تستحق أن نتوقف أمامها.
زخرفة... نافذة... درابزين... باب... قوس...نقش...
وكلها تقول:
كان هنا إنسان يحب أن يصنع شيئًا جميلًا.
ولهذا فإن حماية العمارة التاريخية في المنيرة ليست حفاظًا على مبانٍ قديمة فقط.
إنها حفاظ على ذوق المصريين، ومهارة الصناع، وذاكرة المدينة.
* وعندما نغادر المنيرة...
سنكتشف أننا لم نزُر حيًا فقط.
لقد مررنا عبر أكثر من قرن من تاريخ مصر.
رأينا القصور... والمدارس... والصحافة...والشوارع... والعمائر...
والنساء اللاتي تعلمن وصنعن التاريخ...
والرجال الذين حملوا أقلامهم وكتبوا...
والحرفيين الذين تركوا جمالهم على الحجر والخشب والحديد.
وهنا أشعر أن المنيرة تقول لنا:
«لا تبحثوا عن التاريخ بعيدًا...
فأنا أعيش في كل شارع من شوارعي.»
وفي النهاية...
يا منيرة...
يا حيًا مرّت عليه عربة الأمير، ثم مرت به عربة الطالب، ثم مرت به سيارة الصحفي...
يا مكانًا عاشت فيه القصور، ثم المدارس، ثم الصحف...
يا شاهدًا على انتقال مصر من عصر إلى عصر...
ستبقين صفحة من صفحات القاهرة التي لا تموت.
فقد يختفي القصر... وقد تتغير وظيفة المبنى...
وقد يتغير اسم الشارع... وقد يتغير سكان الحي...
لكن تبقى الروح.
وتبقى الحكاية.
ويبقى الحجر شاهدًا على الذين مروا من هنا.
وعندما نقف أمام مدرسة السنية، نتذكر أن مصر لم تكن يومًا غافلة عن دور المرأة...
وعندما نرى دار العلوم، نتذكر أن اللغة كانت ولا تزال حصن الهوية...
وعندما نتأمل قصور أسرة محمد علي، نتذكر مرحلة كاملة من تاريخ مصر الحديثة...
وعندما نمشي في الشوارع القديمة، نسمع صدى زمن جميل يقول لنا:
«لا تنسوا القاهرة التي كانت...»
فنرد عليها:
لن ننساها...
لأنها ليست ماضيًا بعيدًا.
إنها نحن.
|