الاثنين, 14 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الدرب الأحمر... حينما يصبح الحي متحفًا والناس جزءًا من التاريخ
(11)

الدرب الأحمر... حينما يصبح الحي متحفًا والناس جزءًا من التاريخ
(11)
عدد : 08-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


هناك أماكن في القاهرة...لا تستطيع أن تختصر حكايتها في شارع.ولا تستطيع أن تجمع أسرارها في مبنى واحد.لأنها ببساطة مدينة داخل المدينة.تدخلها من أحد أطرافها، فتظن أنك دخلت حيًا شعبيًا قديمًا...ثم تخطو بضع خطوات، فإذا بمئذنة شامخة تظهر أمامك.وتلتفت إلى اليمين...فتجد قبة مملوكية.وتنظر إلى اليسار...فتلمح مشربية خشبية عتيقة.ثم تسمع صوت حرفي يعمل بيديه، وترى متجرًا ورث صاحبه المهنة عن أبيه وجده.هنا فقط تدرك أنك لم تدخل حيًا عاديًا.لقد دخلت الدرب الأحمر.

حيٌّ عمره من عمر القاهرة نفسها تقريبًا

يُعد الدرب الأحمر من أقدم مناطق القاهرة التاريخية، وهو اليوم واحد من أغنى أحيائها بالآثار الإسلامية؛ وتذكر محافظة القاهرة أنه يضم عددًا كبيرًا من المساجد والزوايا والبيوت والقصور والأضرحة والأسبلة، إلى جانب الأسواق والحرف اليدوية التي لا تزال حاضرة في المكان.

وهذا التنوع هو سر عظمة الدرب الأحمر.فهو ليس سجلًا لعصر واحد.بل يمكنك أن تتتبع في نسيجه العمراني طبقات متتابعة من تاريخ مصر؛ من العصر الفاطمي، مرورًا بالأيوبي والمملوكي والعثماني، وصولًا إلى عصر محمد علي وأسرته.

وكأن القاهرة تركت هنا صفحاتها مفتوحة...صفحة فوق صفحة، وحجرًا فوق حجر، وجيلًا بعد جيل.ولكن... لماذا سُمّي الدرب الأحمر؟ وهنا تبدأ واحدة من أجمل حكايات القاهرة...حكاية اسم يعرفه ملايين المصريين، لكن تفاصيله ليست بالبساطة التي تبدو عليها.

الرواية الأشهر تقول إن الاسم ارتبط بمذبحة القلعة سنة 1811م، حين قضى محمد علي باشا على عدد كبير من أمراء المماليك، وقيل إن الدماء سالت في الطرقات حتى ارتبط المكان باسم «الدرب الأحمر». وهذه الرواية ما زالت توردها جهات ومصادر عديدة.

لكن البحث التاريخي يفتح أمامنا بابًا آخر.
فهناك دراسات تشير إلى أن اسم الدرب الأحمر كان معروفًا منذ العصر المملوكي، وأن «الباب الأحمر» ورد في وثيقة تعود إلى القرن الرابع عشر، وهو ما يجعل نسبة الاسم إلى أحداث سنة 1811 وحدها أمرًا يحتاج إلى قدر من التحفظ.

وهنا أحب أن نتوقف...فالتاريخ الحقيقي لا يخشى أن يقول:«هذه رواية مشهورة... وهذه رواية أخرى أكثر قدمًا، وما زال البحث مستمرًا».تلك هي أمانة الكلمة التي يجب أن نحافظ عليها ونحن نتحدث عن آثار مصر.

لم يكن موقع الدرب الأحمر عشوائيًا.فقد ارتبط منذ قرون بالممرات التي تصل قلب القاهرة بمقر الحكم في القلعة، ولذلك أصبح طريقًا حيويًا تتحرك فيه التجارة والناس والحرف، ونشأت حوله المدارس والمساجد والأسبلة والأسواق والورش.وهكذا لم يكن الدرب مجرد مكان للسكن...بل كان شريانًا من شرايين القاهرة.ومن هنا نفهم لماذا تراكمت فيه كل هذه الكنوز المعمارية.
فالناس كانوا يحتاجون إلى المسجد...والماء...والتعليم...والسوق...والسكن...والحرفة.
فنشأت المدينة حول احتياجات الإنسان، حتى أصبح كل احتياج منها أثرًا من آثارها.

* وهنا... تبدأ رحلة الآثار:

إذا أردت أن تعرف لماذا يستحق الدرب الأحمر كل هذا الاهتمام، فلا يكفي أن نقول إنه حي أثري.
بل عليك أن تمشي فيه.
أن تترك السيارة خلفك...
وتسير على قدميك.
لأن الدرب الأحمر لا يكشف أسراره لمن يمر به سريعًا.
إنه يريد منك أن تتأنى.
فقد تجد أمامك مسجدًا من العصر المملوكي، وبعده بقليل زاوية أو سبيل، ثم بيتًا تاريخيًا، ثم سوقًا ما زالت فيه حرفة قديمة.
وكل واحد من هذه العناصر يروي جزءًا من قصة القاهرة.

* مساجد كأنها صفحات من كتاب مفتوح:

في الدرب الأحمر تقف مجموعة من أهم العمائر الإسلامية في القاهرة.
منها مسجد الأمير آق سنقر «الجامع الأزرق»، ومسجد الطنبغا المارداني، ومسجد جانم البهلوان، وتكية وسبيل السلطان محمود، وغيرها من الآثار التي تجعل المنطقة واحدة من أكثر بقاع القاهرة ثراءً بالعمارة الإسلامية.

* لكن روعة هذه المساجد ليست في عددها فقط.
إنما في تنوعها المعماري والزمني والفني.
- فكل مسجد يحمل شخصية منشئه وعصره.
- وكل واجهة لها لغة.
- وكل قبة لها إيقاع.
- وكل مئذنة ترسم خطًا مختلفًا في سماء القاهرة.
ولهذا يستطيع المتخصص أن يقرأ تاريخ العمارة الإسلامية المصرية تقريبًا وهو يمشي في الدرب الأحمر.

* ومن هنا... إلى باب زويلة

وعند الحديث عن الدرب الأحمر لا يمكن أن نغفل باب زويلة.
ذلك الباب العظيم الذي بقي شاهدًا على القاهرة الفاطمية، ثم عاش مراحل طويلة من تاريخ المدينة.

* باب لم يكن مجرد مدخل...
بل كان حدًا بين عالمين.
من خلاله دخلت مواكب وخرجت مواكب، ومرت أمامه جموع الناس، وشهد أحداثًا سياسية ودينية واجتماعية تركت بصماتها في ذاكرة القاهرة.
وعندما تقف أمامه اليوم، لا تنظر إلى حجرين مرتفعين ومئذنتين فقط.
بل حاول أن تتخيل القاهرة وهي تنظر من خلالهما إلى العالم منذ قرون.

* الدرب الأحمر... مدينة الحِرَف:

لكن أجمل ما في الدرب الأحمر أن التاريخ هنا لم يتحول إلى تمثال صامت.
الحرفة ما زالت حية.
فالخيامية...والنجارة...والنحاس...والجلود...
والعديد من الصناعات اليدوية ارتبطت بالمنطقة وأسواقها ودروبها.
وتشير المصادر إلى شهرة المنطقة بدروب تجارية وحرفية مثل درب سعادة والخيامية والمغربلين وغيرها.

* وهنا تظهر عبقرية القاهرة القديمة.

فالحرفي لم يكن عدوًا للأثر.كان يعيش بجواره.وربما كان يعرف تفاصيل المبنى أكثر مما نتصور.- يمسك الخشب...فينحت.- يمسك المعدن...فيشكله.-:ينظر إلى الزخرفة...فيحفظها.ثم يورث المهنة إلى ابنه.وهكذا يصبح الحرفي نفسه جزءًا من التراث غير المادي للمكان.وهنا يعيش الإنسان بجوار الأثر ، وهذه واحدة من أكثر النقاط التي أحبها في الدرب الأحمر.

أنك لا تدخل متحفًا مغلقًا.بل تدخل حيًا يعيش فيه الناس.تجد الرجل أمام متجره...والصبي يتعلم الحرفة...والجدة تراقب الشارع من نافذتها...والأطفال يلعبون في المكان نفسه الذي مر به الناس قبل مئات السنين.وهنا تتجسد العلاقة التي نريدها دائمًا بين المواطن وأثره:أن يشعر أن الأثر ليس غريبًا عنه.ليس شيئًا بعيدًا خلف الأسوار.بل هو جزء من الحي...وجزء من ذاكرته...وجزء من شخصيته. والدرب الأحمر ليس غنيًا بالآثار فقط... بل بالبشر.

ومن يعرف أهل المناطق القديمة يعرف شيئًا لا تستطيع الكتب أن تكتبه بسهولة:الشهامة. ... والجدعنة والكرم.ففي مثل هذه الأحياء، ما زالت العلاقات الإنسانية تحتفظ بشيء من دفء الزمن القديم.

+ الجيرة لها قيمة. والضيف له مكان.

والغريب إذا سأل عن الطريق يجد من يدله.
والحكاية تنتقل من الأب إلى الابن.
وقد تجلس مع أحد أبناء المنطقة فيحكي لك عن مسجد أو بيت أو حارة وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.
قد لا تكون كل التفاصيل التي يتذكرها وثيقة تاريخية، لكن روايته تظل جزءًا من ذاكرة المجتمع المحلي، وهي ذاكرة لا ينبغي أن تضيع.

هنا... لا ينفصل الدين عن الحياة

ولأن الدرب الأحمر نشأ وتطور حول شبكة واسعة من المساجد والزوايا والأسبلة والمدارس، فإن الروحانية حاضرة في المكان بقوة.
تسمع الأذان... فتتغير حركة الشارع.
يمر الناس إلى المسجد. ثم تعود الحياة إلى دورتها.
وهكذا كان المسجد في القاهرة القديمة أكثر من مكان للصلاة.
كان مركزًا للحياة الاجتماعية والعلمية والإنسانية.
ومن هنا نفهم لماذا أصبحت المساجد جزءًا أصيلًا من النسيج العمراني للحي، لا مباني منفصلة عنه.
وعندما ترفع عينيك إلى أعلى...
سترى شيئًا آخر.

* مآذن ترتفع فوق البيوت.
* قباب تظهر بين الأزقة.
* مشربيات تطل على الشارع.
* واجهات حجرية تحمل زخارف دقيقة.
وعندها ستفهم لماذا قال البعض إن القاهرة التاريخية متحف مفتوح تحت السماء.

لكنني أقول:الدرب الأحمر ليس متحفًا فقط... لأن المتحف ينام بعد انتهاء ساعات الزيارة. أما الدرب الأحمر...
فيستيقظ كل صباح ليعيش تاريخه من جديد.من السلطان إلى الحرفي... ومن القبة إلى الدكان ،وهذا هو سر الدرب الأحمر.
فيه آثار السلاطين والأمراء...وفيه بيوت الناس البسطاء...فيه القباب الفخمة...وفيه الدكاكين الصغيرة...فيه المدرسة التاريخية...وفيه الورشة... فيه المسجد...وفيه السوق..وفيه الماضي... لكن معه الحاضر أيضًا.

وهذه هي مصر التي أحبها.مصر التي لا تفصل بين عظمة التاريخ وبساطة الإنسان.وماذا لو مشينا فيه دون استعجال؟ربما نجد بابًا لم نره من قبل.ونقشًا لم ننتبه إليه.ومشربية ظلت صامتة مئات السنين.وحجرًا تغير لونه بفعل الزمن.ورجلًا مسنًا يعرف قصة المكان.وقد نكتشف أن أجمل ما في الدرب الأحمر ليس ما كُتب عنه...بل ما لم يُكتب عنه بعد.

الدرب الأحمر... مسؤولية قبل أن يكون ذكرى

وحين نتحدث عن هذه الثروة، يجب أن نتذكر أن جمالها يحمل مسؤولية كبيرة.فالآثار لا تحمي نفسها.والبيوت التاريخية لا تستطيع أن تطلب النجدة.والحرف القديمة قد تختفي إذا لم تجد من يتعلمها.ولهذا فإن الحفاظ على الدرب الأحمر يجب أن يكون حفاظًا على الحجر والإنسان والحرفة والذاكرة في وقت واحد.وهذا يتوافق مع أهمية المشروعات التي استهدفت الإدارة الثقافية المتكاملة للمنطقة، والتي شملت مواقع أثرية متعددة داخل الدرب الأحمر.

وعندما تغادر الدرب الأحمر...لا أعتقد أنك ستغادره كما دخلته.لأن المكان سيترك في داخلك شيئًا.ربما صورة قبة...أو صوت أذان...أو رائحة خشب قديم...أو وجه حرفي...أو حكاية سمعتها من أحد أهل الحي.وقد تكتشف أنك لم تكن تبحث عن أثر...
بل كنت تبحث عن شيء في نفسك.شيء يقول لك إن هذا البلد الذي نعيش فيه اليوم...كان هنا قبلنا بقرون.وأن الذين سبقونا تركوا لنا أكثر من الحجارة.تركوا لنا دليلًا على قدرتهم، وإبداعهم، وإيمانهم، وذوقهم، وإنسانيتهم.

وفي النهاية...

يا درب الأحمر...
يا حيًا اختصر في أزقته قرونًا من تاريخ مصر...
يا مكانًا اجتمع فيه السلطان والحرفي، والعالم والتاجر، والمسجد والسوق، والقبة والبيت...
ستظل شاهدًا على أن الحضارة لا تُبنى في القصور وحدها.
الحضارة تُبنى عندما يصبح الإنسان جزءًا من المكان، ويصبح المكان جزءًا من ذاكرة الإنسان.
ولذلك فإن الدرب الأحمر ليس مجرد حي قديم.
إنه ذاكرة القاهرة وهي تمشي على قدمين.
وكلما مشينا بين حاراته... وجدنا حكاية.
وكلما رفعنا أعيننا إلى مآذنه...وجدنا دعاءً.
وكلما لمسنا حجارته...
شعرنا بأن أجدادنا ما زالوا يتركون لنا رسالة واحدة:
احفظوا ما تركناه لكم...
فأنتم اليوم أمناء عليه، كما كنا نحن أمناء على ما سبقنا.
 
 
الصور :