الاثنين, 14 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

درب اللبانة... حارة معلقة بين السماء والتاريخ
(9)

درب اللبانة... حارة معلقة بين السماء والتاريخ
(9)
عدد : 08-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية

هناك أماكن في القاهرة لا تدخلها فقط...بل تشعر أنك تصعد إليها.تصعد درجاتها ببطء، وتترك وراءك ضجيج المدينة شيئًا فشيئًا، حتى تجد نفسك في مكان يبدو وكأنه عُلّق بين الماضي والحاضر.مكان ضيق المسالك...قديم البيوت...كثير الدرجات...
تتجاور فيه الجدران العتيقة، وتطل من أعلاه مآذن القاهرة وقبابها، بينما تقف قلعة صلاح الدين شامخة فوق سفحه، وكأنها تحرس المكان منذ قرون. ذلك هو...درب اللبانة.

حارة صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة جدًا في ذاكرتها.

وللاسم حكاية...
لماذا سُمّي درب اللبانة؟
ترتبط تسمية المكان بحرفة بيع الألبان ومنتجاتها، وبأناس عاشوا في هذه المنطقة وارتبط نشاطهم بهذه التجارة، حتى أصبح الاسم جزءًا من ذاكرة المكان وبقي يتردد حتى اليوم.

وهنا تبدو لنا القاهرة القديمة في أجمل صورها.
فكم من شارع فيها حمل اسم حرفة...
وكم من حارة حملت اسم أسرة...
وكم من مكان بقي اسمه شاهدًا على حياة أناس ربما لم تذكرهم كتب التاريخ، لكن المدينة لم تنسهم.

وهكذا أصبح اسم درب اللبانة نفسه وثيقة من وثائق الحياة اليومية للقاهرة.
حارة بين القلعة والمساجد
ولعل أجمل ما في درب اللبانة هو موقعه.
فأنت لا تمشي فيه بمعزل عن التاريخ.
إنه يقع في منطقة تتجاور فيها مجموعة من أعظم آثار القاهرة؛ بالقرب من قلعة صلاح الدين، ومسجد السلطان حسن، ومسجد الرفاعي، ومسجد المحمودية، ومسجد قانيباي الرماح وغيرها من الشواهد المعمارية.

ولهذا فإن المشي في درب اللبانة يشبه الدخول إلى متحف مفتوح بلا أبواب.
لكن الفرق أن القطع هنا ليست خلف زجاج...
بل فوق رأسك.
في باب قديم...في مشربية...في عقد حجري...
في نافذة...وفي حجر صمد أمام قرون من الزمن.
بوابة تحرس ذاكرة الدرب.

ومن التفاصيل التي تستحق أن نتوقف أمامها بوابة درب اللبانة.
فهي ليست مجرد مدخل لحارة قديمة، وإنما أثر يرجع إلى العصر المملوكي، وتحمل في تكوينها وملامحها جزءًا من شخصية المنطقة وعمارتها.

تخيلوا ذلك...
أن تدخل من بوابة اليوم، بينما مر من هذا الموضع أناس عاشوا قبل مئات السنين.
تغيرت الملابس...وتبدلت اللهجات...واختلفت الحياة...
لكن الحجر ظل في مكانه.
وهنا يصبح الباب شاهدًا أكثر منه مدخلًا.
بيتٌ لم يكن مجرد بيت
وإذا كان لدرب اللبانة أن يختار لنفسه بيتًا يحكي جزءًا من شخصيته، فلعل أبرزها بيت علي لبيب، المعروف اليوم باسم بيت المعمار المصري.

هذا البيت من البيوت التاريخية الباقية التي تمثل جانبًا مهمًا من عمارة القاهرة في العصر العثماني، وقد ارتبط لاحقًا بأسماء مهمة في العمارة والفن والثقافة المصرية.
والأجمل أن البيت نفسه يمثل حوارًا معماريًا بين عصور مختلفة، وكأن جدرانه لم تكن تسكنها أسرة واحدة فقط، وإنما سكنت فيها طبقات من التاريخ المصري.

بيت المعمار... وذاكرة يحرسها رجل من أهلها
لكن الأماكن العظيمة لا تستمر بعظمتها وحدها...
فهي تحتاج دائمًا إلى من يؤمن بها، ويحمل رسالتها، ويعرف أن الحفاظ على التراث ليس مجرد ترميم جدران، وإنما حماية لذاكرة وطن بأكمله.
ومن هنا لا يمكن أن نتحدث عن بيت المعمار المصري دون أن نتوقف بكل تقدير أمام الأستاذ الدكتور عصام صفي الدين، مؤسس بيت المعمار والقائم على رسالته.
إنه من أولئك الذين لم ينظروا إلى العمارة باعتبارها حجارة وأخشابًا وأقواسًا فحسب، وإنما رأوا فيها ذاكرة وطن، وهوية شعب، ومرآة لحضارة امتدت جذورها عميقًا في أرض مصر.

وفي درب اللبانة، وسط هذا النسيج التاريخي الفريد، اختار أن يجعل من بيت المعمار بيتًا للفكر والحوار والمعرفة؛ مكانًا يلتقي فيه المتخصصون والطلاب والمهتمون، وتُفتح فيه النوافذ على أسئلة العمارة المصرية وتراثها ومستقبلها.
وما أجمل أن يكون حارس هذا البيت رجلًا يعرف قيمة البيت...
يعرف أن المبنى ليس جدرانًا صامتة، وإنما حياة تسكنها الذاكرة.

والدكتور عصام صفي الدين ينتمي إلى مدرسة نادرة من رجال العمارة والثقافة؛ مدرسة ترى أن الحفاظ على التراث لا يعني أن نغلق عليه الأبواب، بل أن نعيد إليه الحياة، ونقرّبه من الإنسان، ونجعل الأجيال الجديدة تراه وتفهمه وتحبه.
ولذلك فإن وجوده في بيت المعمار ليس مجرد إدارة لمكان تاريخي، وإنما هو امتداد لرسالة المكان نفسه.

فهذا البيت الذي احتضن أسماء كبيرة من المعماريين والفنانين، ويقف اليوم شاهدًا على طبقات متراكمة من تاريخ العمارة المصرية، وجد في الدكتور عصام صفي الدين من يواصل الحوار مع تلك الذاكرة، ويحاول أن يجعلها حاضرة في وجداننا، لا محفوظة في صفحات الكتب فقط.
* تحية من القلب إلى أستاذ الأجيال الدكتور عصام صفي الدين...
* تحية إلى رجل جعل من العمارة رسالة، ومن التراث مسؤولية، ومن بيت قديم في درب اللبانة منارة للمعرفة والجمال.

* فبعض الناس يسكنون البيوت...
وبعض الناس يمنحون البيوت حياة جديدة.
والدكتور عصام صفي الدين من هؤلاء الذين نرجو أن يظل عطاؤهم ممتدًا؛ لأن مصر تحتاج إلى من لا يرى في تراثها ماضيًا انتهى، وإنما يرى فيه مستقبلًا يمكن أن نبنيه على أساس أصيل.
فالتراث الذي لا يجد من يحبه... يتحول إلى حجر.
أما التراث الذي يجد من يعشقه ويحميه ويعلّمه للأجيال... فيبقى حيًا.

* درب اللبانة... وبيت الفنانين:
ثم جاءت مرحلة أخرى من حياة المكان.
فمنذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين اشتهر درب اللبانة بوصفه نوعًا من «مونمارتر القلعة»، بعد أن جذب فنانين مصريين وأجانب ومستشرقين، فاتخذ بعضهم بيوته ومرسمه في المنطقة.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت ببيت علي لبيب أسماء فنية ومعمارية بارزة، من بينها رمسيس ويصا واصف، وشادي عبد السلام، وحسن فتحي وغيرهم.

* وهنا تصبح الحكاية أكثر جمالًا...
فالمكان الذي عاش فيه الناس حياتهم اليومية منذ قرون، أصبح في زمن آخر ملاذًا للفنانين.
وكأن الحجارة القديمة كانت تعرف منذ البداية أنها ستجذب أصحاب الحس والجمال.
حسن فتحي... حين أحب المعماري المكان
ومن أجمل ما ارتبط بالبيت وبالدرب اسم المعماري المصري الكبير حسن فتحي.

فقد عاش في بيت علي لبيب حتى وفاته، فأصبح البيت مرتبطًا باسمه عند كثيرين، كما ارتبط المكان بالفكر المعماري الذي كان يؤمن بأن العمارة ليست مجرد جدران وسقف...
بل علاقة بين الإنسان والمكان والبيئة والذاكرة.
وليس غريبًا أن يجد حسن فتحي نفسه في مثل هذا المكان.
فدرب اللبانة نفسه يبدو وكأنه درس حي في هذه الفلسفة.

* هنا... العمارة تتكلم:
عندما تمشي في الدرب، لا تبحث فقط عن أثر يحمل لوحة تعريفية.
ابحث عن الروح المعمارية.
لاحظ كيف تتعامل البيوت مع الانحدار...
- كيف تصعد الدرجات...
- كيف تتقابل الكتل...
- كيف تفتح النوافذ أعينها على القاهرة...
- وكيف يصبح الحجر جزءًا من الحياة اليومية.
فالعمارة القديمة لا تحتاج إلى أن تتحدث بصوت مرتفع.
يكفي أن تنظر إليها...
فتسمعها.

درب اللبانة... حيث تلتقي القلعة بالفنان
من أعلى الدرب، تتغير الصورة.
تقترب منك القلعة...
وتظهر المآذن...
ويبدو مسجد السلطان حسن والرفاعي في المشهد...
وتشعر أن القاهرة التاريخية ليست مجموعة أماكن متفرقة، وإنما نسيج واحد.
وهذا ما يجعل درب اللبانة مختلفًا.
إنه ليس أثرًا منفردًا.
إنه جزء من منظومة حضارية كاملة.
لكن وراء الحجر... إنسان
إنه الإنسان الذي عاش بجواره.
أهل الحارات القديمة يعرفون قيمة المكان، حتى لو لم يحملوا شهادة في الآثار.
يعرفون هذا البيت...وهذا المسجد...وهذا الطريق...وهذا السلم...
ويحفظون حكايات ربما لم تصل إلى الكتب.

وهنا تظهر قيمة أهل القاهرة التاريخية.
فالحفاظ على التراث لا يكون بترميم الحجر وحده.
الحفاظ على التراث هو الحفاظ على المكان والإنسان والذاكرة معًا.
وحين تصعد درجات درب اللبانة...
ربما تتعب قدماك قليلًا.
لكن شيئًا آخر يبدأ في الراحة.
القلب.
فالمدينة الحديثة تركض...
والدرب القديم يمشي.
والمدينة الحديثة ترفع أصواتها...
والدرب القديم يهمس.
والمدينة الحديثة تبحث عن الجديد...
أما هنا، فكل حجر يقول لك:
توقف قليلًا...
فأنا أقدم من استعجالك.
وهذه هي روح القاهرة
ربما لهذا أحببنا القاهرة القديمة.
لأنها لا تمنحك التاريخ جاهزًا.
إنها تجعلك تبحث عنه.
تراه في باب...
وتسمعه في حكاية...
وتلمسه في حجر...
وتشعر به في مسجد قديم...
وتراه في وجه رجل من أهل المكان.
وفي درب اللبانة تحديدًا تشعر أن الماضي ليس خلفك.
الماضي هنا بجوارك.
يمشي معك...
ويصعد معك الدرج...
وينظر معك إلى القلعة...
ثم يتركك عند نهاية الطريق، وكأنه يقول:
لا تنسَ أنني كنت هنا.

وفي النهاية...
درب اللبانة ليس مجرد حارة قديمة في القاهرة.
إنه صفحة صغيرة في كتاب مصر الكبير.
صفحة جمعت الحرفة والأسرة والبيت والفنان والمعماري والمسجد والقلعة...
وجعلت من شارع ضيق مساحة واسعة للذاكرة.
وهكذا تظل القاهرة قادرة على مفاجأتنا.
كلما ظننا أننا عرفناها...
كشفت لنا دربًا جديدًا.
وكلما مشينا في حجرها...
وجدنا تحته تاريخًا آخر.
وكلما اقتربنا من آثارها...
شعرنا أن هناك شيئًا لا تشرحه الكتب وحدها:
روح المكان.
فيا درب اللبانة...
ابقَ شاهدًا على القاهرة التي نحبها.
ابقَ كما أنت، ببيوتك القديمة، ودرجاتك، وأبوابك، وحجارتك...
لأن في كل حجر منك حكاية إنسان.
وفي كل زاوية منك نَفَسًا من تاريخ مصر.
وفي كل خطوة فوق أرضك...
دعوة صامتة إلى أن نحترم ما تركه لنا الأجداد، ونحفظه لمن سيأتي بعدنا.
 
 
الصور :