بقلم الخبير السياحي/ محمود كمال
حى السيدة زينب نقطة البداية لتجربة سياحية أكثر نجاحا وإبهارا ، شهد مسجد السيدة زينب تطويرًا واضحًا، وأصبح النظام والنظافة من العوامل التي تجعل زيارة المسجد والوصول إلى مقام السيدة زينب، رحمة الله عليها، أكثر راحة. كما شهدت المنطقة المحيطة بالمسجد بعض أعمال التطوير، إلا أنها ما زالت تحتاج إلى مزيد من الاهتمام بما يتناسب مع أهمية المنطقة ومكانتها التاريخية والسياحية.
وإذا نظرنا إلى منطقة السيدة زينب من منظور اقتصادي وسياحي، سنجد أنها تقع في موقع مميز داخل القاهرة، وتحتاج إلى إعادة تأهيل عدد من الميادين والشوارع والأسواق المحيطة بها، بحيث تتحول المنطقة إلى تجربة سياحية أكثر نجاحا وإبهارا .
يوجد خلف مسجد السيدة زينب، وبالقرب من شارع السد، سوق قديم يجمع بين العديد من الأنشطة. هناك أسواق الخضار والفواكه، واللحوم والدواجن، والسرجا، والملابس والأحذية، والأسماك.
مجرد السير في هذه الأسواق يمنح الزائر إحساسًا بعبق التاريخ، خاصة عندما تقع عيناه على أحد البيوت القديمة ذات الطراز المعماري المميز، أو يشاهد تفاصيل الحياة اليومية للمصريين على طبيعتها.
تعالوا نتجول معًا في منطقة السيدة زينب حتى نصل إلى سوق السمك.
هناك نجد محلات الأسماك تعرض منتجاتها المختلفة، من الأسماك بأنواعها إلى الكابوريا والجمبري، سواء مطهوًا أو غير مطهو. وفي منتصف السوق تجد فرن بلدى حطبى بالسيدة زينب ، يقف فيه رجل سبعيني يعرفه أهل المنطقة باسم "فرن عم مرسي ".
عم مرسي لا يزال يمارس مهنته ويقدم خدمات تسوية مختلف أنواع صواني الطعام من الاسماك والدواجن واللحوم. ولا تكتمل التجربة دون أن تطلب منه تسوية البطاطا والباذنجان الرومي، لتستمتع بطعام مطهو على نار الخشب.
والأجمل أن عم مرسي يمتلك خبرة كبيرة تمكنه من تسوية أنواع مختلفة من الصواني في الوقت نفسه، دون أن تختلط روائحها، حتى صواني السمك لها طريقتها الخاصة.
يعتبر الفرن اثرا فى حد ذاته، فإنه يعود إلى عام 1940، ويمنح الخشب الطعام نكهة مدخنة مميزة لا تشبه أي طريقة أخرى للطهي. فالحرارة المرتفعة تساعد على سرعة التسوية مع الحفاظ على طراوة السمك من الداخل، بينما يصبح وجه الصينية مقرمشًا محمرًا، في مشهد لا يحتاج إلى كثير من الوصف.
وأعتقد أن قارئ المقال الآن قد بدأ يشعر بالجوع، وربما يتمنى أن يجرب بنفسه الأكل من يد عم مرسي!
وفي نهاية الجولة، يمكن للزائر أن يجلس في مقهى بسيط أمام الفرن، ويحتسي كوبًا من الشاي أو فنجانًا من القهوة، بينما ينتظر انتهاء تسوية الطعام.
كيف يمكن أن نحول هذا السوق الشعبي إلى نقطة جذب سياحي للسائحين الباحثين عن التجارب الحقيقية، والأماكن التي يستطيعون فيها معايشة المصريين والتعرف على حياتهم اليومية كما هي؟
هذه ليست مجرد جولة سياحية، وإنما تجربة معايشة حقيقية.
والتجارب من هذا النوع يمكن أن تكون مادة جذابة جدًا للتصوير الفوتوغرافي والفيديو، وقد تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي حول العالم، لأن السائح اليوم لا يبحث فقط عن رؤية المباني والآثار، بل يبحث أيضًا عن القصص والتجارب التي يستطيع أن يعيشها ويحكيها عند عودته إلى بلده.
نحن بحاجة إلى التفكير خارج الصندوق، وإلى فهم احتياجات السائح الذي يريد أن يقترب أكثر من المجتمع المصري، ويعيش تجربة حقيقية إلى جوار المصريين، تمامًا كما يعيش تجربة زيارة الآثار والمتاحف والمواقع السياحية في الجيزة والقاهرة والأقصر وأسوان والإسكندرية وسيوة والواحات البحرية.
إن تطوير مثل هذه المشروعات يمكن أن يخدم جميع الأطراف؛ فهو يرفع مستوى المنطقة، ويدعم أصحاب المحال والحرف وأصحاب المطاعم والمقاهي، ويوفر فرصًا اقتصادية جديدة، وفي الوقت نفسه يقدم للسائح منتجًا سياحيًا مختلفًا لا يعتمد فقط على الآثار التقليدية.
سوق سمك السيدة زينب وفرن عم مرسي يمكن أن يكونا بداية لمشروع أكبر، هدفه تقديم مفهوم جديد للسياحة في مصر؛ سياحة تقوم على معايشة المكان وأهله وتفاصيل الحياة اليومية، وليس فقط مشاهدة المعالم من بعيد.
مصر مليئة بالأماكن الفريدة التي يمكن أن تتحول إلى تجارب سياحية عالمية إذا أحسنا اكتشافها وتطويرها والحفاظ على شخصيتها.
فلنبحث دائمًا عن كل ما هو فريد في مصر، ولنُعظّم منه ونطوره بما يحقق الفائدة لأهالي المناطق وللسائحين في الوقت نفسه.
|