الجمعة, 6 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

حينما يبتلع المجدُ صاحبه..

حينما يبتلع المجدُ صاحبه..
عدد : 08-2026
كتب: محمود فرحات

لم يكن الإسكندر الأكبر مجرد قائداً عسكرياً غيّر خرائط العالم القديم، لكنه كان أحد أكثر النماذج الإنسانية تعقيدًا في تاريخ السلطة..!! نموذجٌ بدأ بطموح القائد الملهم، وانتهى إلى عُزلة الإمبراطور الذي ابتلعت صورته الأسطورية..!!

فبعد أكثر من ألفي عام على رحيله الغامض في بابل، لا تزال سيرته تثير سؤالًا يتجاوز التاريخ إلى الفلسفة والسياسة وعلم النفس..!! متى يتحول الطموح المشروع إلى غرور قاتل..؟؟ ومتى تبدأ السلطة في التهام صاحبها من الداخل..؟؟

في بدايات حملاته العسكرية، بدا الإسكندر أقرب إلى نموذج القائد الذي تصنعه الإرادة والانضباط والشجاعة.. كان يقاتل في مقدمة الصفوف، ويشارك جنوده الخطر والجوع والعطش، حتى رأت فيه جيوشه صورة القائد الذي لا يطلب من رجاله تضحية لا يقدمها بنفسه.. وفي معارك مثل جرانيكوس وإيسوس، لم يكن مجرد ملك يدير الحرب من الخلف، بل مقاتلًا يصنع النصر بيده..!!

تلك الروح هي التي صنعت حوله هالة الإعجاب الأولى.. لكنها كانت أيضًا البذرة التي ستنمو لاحقًا إلى شعور بالتفرد المطلق.. فمع سقوط مدن الإمبراطورية الفارسية، المدينة الواحدة تلو الأخرى، بدأ الإسكندر يقترب تدريجيًا من أخطر مناطق السلطة، الإيمان بأنه استثناء فوق البشر..!!

لم يعد يكتفي بكونه ملكًا لمقدونيا أو موحدًا للإغريق، بل راوده حلم تجاوز الحدود البشرية نفسها..!! وهنا بدأت القيادة تتحول من فن إلهام الرجال إلى صناعة قداسة حول القائد..!!

كانت زيارته لمعبد آمون في واحة سيوة لحظة رمزية فاصلة.. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد الإسكندر يرى نفسه قائدًا عظيمًا فقط، بل شخصية تحمل بعدًا شبه إلهي.. ومع هذا التحول النفسي، بدأت المسافة تكبر بينه وبين رجاله، وبين الواقع والصورة التي رسمها لنفسه..!!

وقد تجسد هذا التحول بوضوح حين تبنى طقوس السجود الفارسية (Proskynesis)، وهي الطقوس التي كانت تُؤدى أمام ملوك فارس باعتبارهم أصحاب سلطة مقدسة.. لكن بالنسبة للمقدونيين، الذين تربوا على فكرة أن الملك هو "الأول بين متساوين"، بدا الأمر وكأنه انقلاب على روح القيادة نفسها.. وهنا تظهر المأساة القديمة المتكررة في تاريخ السلطة، كلما ارتفع القائد فوق النقد، اقترب أكثر من العمى السياسي..!!

فالقائد الذي كان يصغي للنصح، بدأ يضيق بأصوات الحقيقة من معاونية الأوفياء.. والرجل الذي أحاط نفسه بالمخلصين، صار يفضل المصفقين له، المخادعين والمنافقين..!! أما كل من حاول تذكيره بحدوده البشرية، فقد بدا في عينيه تهديدًا لصورة المجد التي صنعها حول ذاته..!!

ولعل حادثة قتل "كليتوس" كانت التعبير الأكثر مأساوية عن هذا التحول.. فكليتوس لم يكن مجرد قائد عسكري، بل رجل أنقذ حياة الإسكندر يومًا في المعركة.. ومع ذلك قتله الإمبراطور في لحظة غضب، بعدما واجهه بحقيقة غروره وتغيره..

كانت تلك اللحظة أكثر من جريمة سياسية أو انفعال شخصي؛ كانت لحظة انتصار الصورة الأسطورية على الإنسان الحقيقي.. ورغم أن الإسكندر نجح في بناء واحدة من أعظم الإمبراطوريات العسكرية في التاريخ، فإنه فشل في بناء نظام قادر على البقاء بعده..

فبمجرد موته، تفككت إمبراطوريته سريعًا بين قادته، وكأن التاريخ أراد أن يقول إن الدول التي تقوم على عبقرية الفرد وحده، تحمل داخلها أسباب انهيارها..

إن مأساة الإسكندر الأكبر لا تكمن في موته المبكر، بل في تلك الرحلة النفسية التي انتقل فيها من قائدٍ يلهم رجاله، إلى إمبراطور يبحث عن الخلود في صورة تتجاوز إنسانيته.. ولهذا تبقى قصته درسًا خالدًا لكل قائد، في السياسة أو الإدارة أو حتى الفكر..!!

فالقوة التي لا يكبحها تواضع، تتحول مع الوقت إلى قوة تحمل في داخلها بذور فنائها.. وحينما يبتلع المجدُ صاحبه، لا يعود يرى العالم كما هو، بل كما يريد غروره أن يراه..!!