كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
ليست الأقصر مدينةً أثريةً فحسب، بل هي سجلٌّ مفتوح لحضارة الإنسان عبر آلاف السنين، وكتابٌ من الحجر لا تزال صفحاته تنطق بعظمة المصري القديم، وعمق الحضارة القبطية، وروحانية الحضارة الإسلامية. ومن بين صفحات هذا الكتاب الخالد يبرز مسجد سيدي أبي الحجاج الأقصري بوصفه واحدًا من أكثر المواقع الأثرية تفرّدًا في العالم، إذ يجمع في موضع واحد المعبد والكنيسة والمسجد، في مشهد يجسد أسمى معاني التسامح والتواصل الحضاري.
فعندما تقف داخل ساحة معبد الأقصر، يلفت انتباهك ذلك المسجد العتيق الذي يعلو أرض المعبد بنحو عشرة أمتار، وكأنه يروي قصة ثلاثة عصور تعاقبت، لكنها لم تتصارع، بل ترك كل منها بصمته احترامًا لمن سبقه.
إن مسجد أبي الحجاج ليس مجرد مسجد تاريخي، بل هو شاهد حي على تواصل الحضارات المصرية. فقد شُيّد في العصر الإسلامي فوق بقايا كنيسة قبطية، بينما تستند جدرانه وأعمدته إلى عناصر معمارية من معبد الأقصر الذي شيده الفراعنة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. لذلك يُعد المسجد نموذجًا فريدًا لما يُعرف باستمرار قدسية المكان عبر العصور.
يرجع تاريخ إنشاء المسجد إلى عام 658هـ (1286م)، ومنذ أكثر من ثمانية قرون ظل منارةً للعلم والعبادة، وواحدًا من أهم المزارات الدينية والأثرية بمدينة الأقصر، يقصده الزائرون من مختلف أنحاء العالم لما يحمله من قيمة تاريخية وروحية ومعمارية استثنائية.
ويتميز المسجد ببساطة تخطيطه المعماري، بينما تنفرد مئذنته الأثرية بجمالها الفريد، فهي من أقدم المآذن الباقية في صعيد مصر، وتتكون من ثلاث مراحل معمارية متدرجة تجمع بين القوة والرشاقة، وتعكس براعة البنّاء المسلم في توظيف مواد البناء المحلية مع الحفاظ على هوية المكان.
أما أكثر ما يثير الإعجاب فهو احتواء المسجد على أعمدة وأعتاب ونقوش فرعونية أصلية، تحمل كتابات ومناظر تعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني، لتصبح جدران المسجد شاهدًا على تلاقي الفن المصري القديم مع العمارة الإسلامية في لوحة حضارية نادرة.
ويُنسب المسجد إلى العارف بالله الشيخ يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عيسى، المعروف بسيدي أبي الحجاج الأقصري، أحد كبار أولياء الله الصالحين، الذي وفد من بلاد المغرب واستقر بالأقصر ناشرًا للعلم والدعوة، حتى أصبح رمزًا دينيًا وروحيًا لأهل المدينة، ولا يزال ضريحه داخل المسجد مقصدًا للمحبين والزائرين حتى يومنا هذا.
ومن أجمل ما تشرفت به في مسيرتي المهنية، إشرافي من جانب المجلس الأعلى للآثار على أعمال ترميم وتدعيم المسجد عقب الحريق الذي تعرض له. فقد كانت تلك المهمة أكثر من مجرد مشروع ترميم؛ كانت رحلة لاكتشاف طبقات من التاريخ كانت تخفيها طبقات الطلاء الحديثة.
وأثناء إزالة تلك الطبقات، ظهرت أمامنا أعمدة وأعتاب فرعونية ونقوش هيروغليفية غاية في الروعة، كانت مختفية لسنوات طويلة. يومها أدركنا أن ما بدا كارثةً بسبب الحريق، قد تحول بفضل الله إلى فرصة لكشف جانب جديد من تاريخ هذا الأثر العظيم، فكأن النار، على غير عادتها، لم تكن وسيلة للهدم، بل سببًا في إظهار الجمال الكامن وإحياء جزء من ذاكرة المكان.
وشملت أعمال الترميم تدعيم القبة، وتجديد الأسقف، وتوسعة ساحة الصلاة، والحفاظ على العناصر الأثرية وفق الأسس العلمية للترميم، مع احترام جميع المراحل التاريخية التي مر بها المسجد، حتى تظل هويته الحضارية محفوظة للأجيال القادمة.
وسيظل مسجد سيدي أبي الحجاج شاهدًا خالدًا على أن مصر لم تكن يومًا ملتقى للحضارات فحسب، بل كانت وطنًا احتضنها جميعًا، فبقيت آثارها متجاورة في وئام، تنطق برسالة خالدة مفادها أن الحضارة لا تُبنى بالصراع، وإنما بالتسامح، وأن الأقصر ستظل، بحق، مدينةً يعانق فيها التاريخُ الإيمان، وتلتقي فيها الحضارات تحت سماء مصر الخالدة. |