كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
اولآ :
****
بصمة أعتز بها... عندما أعدت قطعة من قلب أبي الهول إلى مكانها ثاني يوم بعد سقوطها.
هناك لحظات في حياة المرمم لا تُقاس بحجم ما أنجزه، وإنما بقيمة الأثر الذي خدمه. ولعل هذه الواقعة من أكثر اللحظات التي أعتز بها طوال سنوات عملي في ترميم الآثار المصرية.
فقد شاء الله أن أشارك في إعادة الحياة إلى قطعة حجرية صغيرة انفصلت من الصدر الأيمن لتمثال أبي الهول... تلك القطعة التي قد يراها البعض صغيرة الحجم، لكنها في ميزان الأثر والتاريخ كانت ذات أهمية كبيرة، لأن كل جزء من هذا العملاق الحجري هو صفحة من صفحات الحضارة المصرية.
وكان ذلك في أواخر عام 1989م تقريبًا، خلال مرحلة من أهم مراحل الاهتمام بالآثار المصرية، في عهد الفنان الكبير فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، الذي ارتبط اسمه بحقبة ازدهرت فيها الثقافة المصرية، وفي عهد الدكتور أحمد قدري، رئيس هيئة الآثار المصرية آنذاك، ( وصاحب العصر الذهبي للآثار ) وأحد أبرز الداعمين لمشروعات صيانة وترميم الآثار، وتحت الإشراف الهندسي للأستاذ الدكتور ممدوح يعقوب، مدير الإدارة الهندسية، وبمتابعة المهندس أبو الدرداء أبو زيد، مدير الأعمال بمنطقة آثار الهرم، و الذين بذلوا جميعًا جهودًا مخلصة تستحق كل التقدير والاحترام.
بدأت القصة عندما انفصلت قطعة حجرية من الصدر الأيمن للتمثال، وهو موقف استوجب سرعة التدخل، ولكن دون تسرع؛ فالتعامل مع أثر بحجم وقيمة أبي الهول لا يحتمل الاجتهاد غير المدروس، بل يعتمد على التوثيق والدراسة قبل أي خطوة تنفيذية.
وكان أول ما قمنا به هو الرجوع إلى صور السلبيات بالمنطقة والصور الأرشيفية والمراجع المتخصصة، حتى تمكنا من تحديد الموضع الأصلي للقطعة بدقة تامة، وهي خطوة تعد من أهم المبادئ العلمية في ترميم الآثار، إذ لا يجوز إعادة أي جزء إلى مكانه اعتمادًا على التخمين.
وبالاشتراك مع أحد الفنيين، قمنا بإعادة تثبيت القطعة باستخدام مادة الآرالدايت (Araldite 1036)، مع تدعيمها بأسياخ من الاستانلس ستيل المشرشر، لضمان ثباتها واستقرارها الإنشائي، مع مراعاة ألا يشكل التدعيم أي ضغط ضار على الحجر الجيري الأصلي، وأن يتم التنفيذ وفق الأسس العلمية المتبعة في ذلك الوقت.
ومرت الأعوام... عامًا بعد عام... حتى تجاوزت أكثر من ثلاثة عقود، وما زالت هذه القطعة ثابتة في موضعها حتى اليوم، شاهدة على أن العمل العلمي الدقيق هو الذي يبقى، وأن احترام الأثر هو الطريق الحقيقي للحفاظ عليه.
ولست أذكر هذه الواقعة من باب الفخر الشخصي، فترميم الآثار عمل جماعي يقوم على تكامل الخبرات، وإنما أسجلها كشهادة للتاريخ، ولأؤكد أن المرمم قد يترك بصمة لا يراها الزائر، لكنها تبقى كامنة داخل الأثر، تحميه في صمت، وتساعده على أن يواصل رسالته للأجيال القادمة.
ثانيا :
****
تحية تقدير وعرفان إلى الأستاذ الدكتور شوقي مهني نخلة، رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم آنذاك، ( بارك الله فى عمره ) الذي بذل جهدًا علميًا وفنيًا كبيرًا في مشروع ترميم تمثال أبي الهول، واضعًا نصب عينيه أن حماية الأثر تبدأ بفهم البيئة المحيطة به قبل أي تدخل ترميمي.
ومن أهم ما يُحسب لسيادته إنشاء محطة أرصاد بيئية على مسافة قريبة من تمثال أبي الهول، لتسجيل وتحليل اتجاهات الرياح وسرعاتها، ودراسة تأثيرها المباشر على التمثال. فقد كان الهدف هو فهم حركة الدوامات الهوائية المحيطة بالأثر، وما تحمله من رمال دقيقة تعمل كحبيبات سنفرة طبيعية تؤدي إلى تآكل السطح الحجري ببطء، إلى جانب دورها في نقل الرطوبة والأملاح، وما يترتب على ذلك من عمليات تبلور الأملاح داخل مسام الحجر الجيري وعلى سطحه، وهي من أخطر آليات التدهور التي تهدد هذا الأثر العالمي.
لقد كانت تلك الخطوة مثالًا رائدًا على توظيف البحث العلمي في خدمة صيانة الآثار، وأكدت أن حماية التراث لا تعتمد على الترميم وحده، بل تبدأ بالرصد البيئي المستمر، وفهم العلاقة بين الأثر والعوامل المناخية المحيطة به.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا تُنشأ محطة أرصاد بيئية دائمة ومتكاملة، مزودة بأحدث أجهزة القياس، لخدمة منطقة أهرامات الجيزة وتمثال أبي الهول، بل وجميع المواقع الأثرية المصرية ذات القيمة العالمية؟
إن المراقبة العلمية المستمرة لعناصر المناخ، من رياح ورطوبة ودرجات حرارة وأتربة وملوثات جوية، أصبحت اليوم أحد أهم أسس الصيانة الوقائية، وهي أقل تكلفة بكثير من علاج آثار التدهور بعد وقوعها. فصيانة الأثر تبدأ بالوقاية، والوقاية تبدأ بالعلم.
ثالثآ :
****
* رؤيتي العلمية لمشكلة تمثال أبي الهول... من واقع الدراسة والخبرة العملية:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
من خلال دراستي الأكاديمية، وخبرتي العملية الممتدة في ترميم وصيانة الآثار، ومشاركتي في أعمال ترميم تمثال أبي الهول أكثر من مرة، أرى أن فهم طبيعة هضبة الجيزة وتكوينها الجيولوجي هو المفتاح الحقيقي لفهم أسباب تدهور هذا الأثر الفريد.
* هضبة الجيزة... كيف تشكلت؟
تُعد هضبة الجيزة جزءًا من التكوينات الرسوبية التي نشأت قبل نحو 40 إلى 50 مليون سنة خلال العصر الإيوسيني، حين كانت المنطقة مغمورة بمياه بحر دافئ. ومع تعاقب الأزمنة، تراكمت الرواسب البحرية الغنية بالأصداف والشعاب المرجانية والكائنات الدقيقة، ثم تعرضت لعمليات الضغط والتماسك، فتكونت طبقات الحجر الجيري التي نُحت منها تمثال أبي الهول وأهرامات الجيزة.
ويتكون الحجر الجيري أساسًا من كربونات الكالسيوم (CaCO₃)، مع وجود نسب متفاوتة من الدولوميت CaMg(CO₃)₂، بالإضافة إلى السليكا والطين وأكاسيد الحديد وبعض المواد العضوية، كما تحتوي الصخور على شبكة من المسام الدقيقة التي تسمح بحركة المياه والأملاح داخلها.
ولماذا يختلف تدهور أجزاء أبي الهول؟
من واقع عملي بالموقع، لاحظت أن تمثال أبي الهول لم يُنحت من كتلة حجرية متجانسة، بل من طبقات رسوبية تختلف في صلابتها وخواصها الطبيعية.
فالرأس نُحت من طبقات أكثر صلابة وتماسكًا، ولذلك احتفظ بملامحه بدرجة أفضل.
أما معظم الجسم، فقد نُحت من طبقات أقل صلابة وأكثر مسامية، فأصبحت أكثر عرضة للتجوية والتآكل عبر آلاف السنين.
وهذا الاختلاف الطبيعي هو أحد أهم أسباب التفاوت الواضح في حالة أجزاء التمثال.
*الكيمياء الصامتة... العدو الذي لا يُرى :-
قد تبدو عوامل التلف غير مرئية، لكنها تعمل باستمرار داخل الحجر.
فعندما تذوب مياه الأمطار أو الرطوبة ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء، يتكون حمض الكربونيك الضعيف (H₂CO₃) الذي يتفاعل مع الحجر الجيري وفق المعادلة:
CaCO₃ + H₂CO₃ → Ca(HCO₃)₂
وينتج عن ذلك بيكربونات الكالسيوم، وهي مادة قابلة للذوبان في الماء، فتفقد الصخور جزءًا من تماسكها تدريجيًا.
ومع التلوث الجوي، خاصة غاز ثاني أكسيد الكبريت (SO₂)، تتكون أحماض تؤدي إلى تكوين الجبس على سطح الحجر:
CaCO₃ + H₂SO₄ → CaSO₄·2H₂O + CO₂
وهذه الطبقة الجبسية قد تبدو متماسكة في البداية، لكنها سرعان ما تتشقق وتتقشر، حاملة معها أجزاءً من سطح الحجر الأصلي.
* المياه الجوفية... الخطر القادم من أسفل
من أخطر المشكلات التي واجهت تمثال أبي الهول ارتفاع منسوب المياه الجوفية، خاصة خلال العقود الأخيرة نتيجة التوسع الزراعي والعمراني.
فعندما ترتفع المياه داخل مسام الحجر، تحمل معها أملاحًا ذائبة، ثم تتبلور هذه الأملاح عند تبخر المياه، فتولد ضغوطًا داخلية تؤدي إلى انفصال الحبيبات الصخرية وتشقق الطبقات وسقوط أجزاء من السطح.
ولهذا أصبحت مكافحة المياه الجوفية عنصرًا أساسيًا في أي مشروع حديث لصيانة أبي الهول.
* الفراغات أسفل أبي الهول... بين الحقيقة والمبالغة:
لقد استخدمت بعثات علمية متعددة وسائل المسح الجيوفيزيائي، ومنها الرادار المخترق للأرض (GPR)، للكشف عما يوجد أسفل التمثال.
وأظهرت الدراسات وجود بعض الفراغات والتجاويف الطبيعية، وربما بعض التجاويف الناتجة عن تدخلات بشرية قديمة.
إلا أنه حتى الآن لا توجد أدلة أثرية قاطعة تثبت وجود مدينة مفقودة أو غرف سرية أو منشآت دينية أسفل أبي الهول، كما تروج بعض الروايات غير العلمية.
والأرجح أن جانبًا من هذه الفراغات يرتبط بطبيعة الحجر الجيري، أو بممرات ونظم تصريف قديمة مرتبطة بالمعبد المجاور.
*رؤيتي من واقع الخبرة العملية:
"""""""""""""""""""""""""""""""""
بعد سنوات من العمل في ترميم وصيانة تمثال أبي الهول، أستطيع أن أؤكد أن المشكلة لا تكمن في عامل واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل معقد بين الطبيعة الجيولوجية للحجر، والخواص الفيزيائية والكيميائية، والتغيرات المناخية، والرياح المحملة بالرمال، والرطوبة، والأملاح، وارتفاع المياه الجوفية، إلى جانب بعض التدخلات الترميمية القديمة التي لم تكن متوافقة مع طبيعة الحجر.
ومن هنا، فإن حماية أبي الهول لا تعتمد فقط على أعمال الترميم، بل تبدأ أولًا بفهم الحجر نفسه، واحترام خصائصه، واختيار مواد وأساليب تتوافق معه، لأن نجاح أي مشروع ترميم لا يقاس بما أُضيف إلى الأثر، وإنما بما حافظ عليه من أصالته وقيمته التاريخية.
لقد تعلمت من أبي الهول أن عظمة المرمم لا تُقاس بما يظهره للناس، بل بما ينجح في الحفاظ عليه دون أن يشعر به أحد.
ففي عالم ترميم الآثار... قد تكون قطعة حجر صغيرة، أعادها المرمم إلى مكانها بأمانة وإخلاص، أغلى عند التاريخ من عملٍ ضخم لا يحترم أصالة الأثر.
|