كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
قد يعتقد البعض أن الترميم يبدأ عندما يمسك المرمم بأدواته ويقترب من الأثر...
لكن الحقيقة التي عشتها داخل مشروع ترميم أبي الهول مختلفة تمامًا.
فالعمل الحقيقي يبدأ داخل قاعات الدراسة، وأمام نتائج التحاليل، وعلى طاولات المناقشات العلمية، قبل أن تمتد يد واحدة إلى الحجر.
ففي مشروع بهذه القيمة العالمية، لم يكن مسموحًا بالاجتهاد الشخصي، أو اتخاذ قرار اعتمادًا على الخبرة وحدها، مهما بلغت.
بل كان كل إجراء يمر بمراحل دقيقة من الدراسة، والمراجعة، والتحليل، حتى نصل إلى أفضل قرار يحافظ على أصالة الأثر.
لا قرار بلا دليل:
كانت كل شروخ أو منطقة ضعف تُفحص بعناية، ويُحدد سبب ظهورها قبل التفكير في علاجها.
فالترميم الناجح لا يعالج مظاهر التلف فقط، وإنما يبحث عن جذورها الحقيقية.
ولهذا كانت الدراسات الجيولوجية، والتحاليل الكيميائية، والاختبارات المعملية، جزءًا أساسيًا من خطة العمل، لأن الحجر الجيري له طبيعة خاصة، وأي مادة لا تتوافق معه قد تتحول إلى مصدر ضرر بدلًا من أن تكون وسيلة حماية.
التجربة قبل التنفيذ:
من المبادئ التي تعلمتها أن المادة الجديدة لا تُستخدم مباشرة على الأثر.
بل تُجرى عليها اختبارات دقيقة، للتأكد من توافقها مع الحجر الأصلي، ومدى مقاومتها للعوامل البيئية، وإمكان إزالتها مستقبلًا إذا استدعى الأمر ذلك.
وهذا ما تؤكد عليه مواثيق الترميم الدولية، التي أصبحت اليوم المرجع الأساسي في حماية التراث الإنساني.
العلم... ثم القرار:
وقد أدركت من خلال هذه التجربة أن أعظم إنجاز في الترميم ليس سرعة الإنجاز، وإنما سلامة القرار.
فقد يستغرق اتخاذ قرار علمي أيامًا أو أسابيع، بينما لا يستغرق تنفيذه سوى ساعات.
لكن تلك الساعات تبقى آثارها عشرات، وربما مئات السنين.
حين يصبح كل حجر مسؤولية... من قلب موقع الترميم:
كلما اقتربت من تمثال أبي الهول، ازددت يقينًا أنني لا أقف أمام أثر عادي، بل أمام سجل مفتوح من تاريخ الإنسانية.
وكان العمل الميداني يكشف لنا كل يوم حقيقة جديدة، ويؤكد أن هذا العملاق الحجري ما زال يحتفظ بكثير من أسراره.
التعامل مع الحجر... علم قبل أن يكون مهارة
لم يكن الهدف استبدال الأحجار أو إخفاء آثار الزمن، بل كان الهدف الأول هو الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المادة الأصلية التي نحتها المصري القديم.
ولهذا كنا نبدأ دائمًا بتثبيت الأجزاء الضعيفة، وتقوية الكتل المهددة، ومعالجة الشروخ وفق أسس علمية دقيقة، مع الالتزام بمبدأ أقل تدخل ممكن، وهو أحد أهم مبادئ الترميم الحديث.
كل خطوة كانت محسوبة
لم يكن يسمح بالعمل العشوائي، أو التسرع في التنفيذ.
فكل مرحلة كانت تُراجع، وتُوثق، ثم تُقيَّم قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وكان الهدف أن يكون التدخل واضحًا للمتخصص، لكنه غير مؤثر في أصالة الأثر أو قيمته التاريخية.
* احترام من سبقونا:
ومن الإنصاف أن نؤكد أن حماية أبي الهول لم تكن جهد جيل واحد.
فقد شارك في خدمته، عبر العقود، علماء آثار، ومهندسون، ومرممون، وجيولوجيون، وكيميائيون، وفنيون، وعمال مهرة، قدموا جميعًا خلاصة علمهم وخبراتهم.
ورغم اختلاف المدارس العلمية وتطور أساليب الترميم من عصر إلى آخر، فإن الهدف ظل واحدًا...
الحفاظ على هذا الرمز الخالد للحضارة المصرية.
ومن هذا المنطلق، أتوجه بكل التقدير والاحترام إلى كل من تشرفت بالعمل معهم، وإلى كل من سبقونا أو جاء بعدنا، ممن حملوا مسؤولية صيانة آثار مصر بإخلاص وأمانة. كما أترحم على من رحل منهم، فقد تركوا بصمات ستظل جزءًا من تاريخ حماية التراث المصري.
* ما تعلمته من أبي الهول:
إذا سألني أحد بعد هذه الرحلة الطويلة: ما أعظم درس تعلمته من أبي الهول؟
فسأقول:
أن الترميم ليس إعادة بناء الماضي... بل حماية ما بقي منه.
فكل حجر حافظنا عليه، وكل شق أوقفنا امتداده، وكل جزء أنقذناه من السقوط، كان انتصارًا جديدًا للحضارة المصرية.
وأشعر بالفخر لأن الله سبحانه وتعالى شرفني بأن أكون واحدًا من أبناء هذا الوطن الذين ساهموا، ولو بقدر يسير، في حماية هذا الأثر الذي سيظل شاهدًا على عظمة مصر ما بقيت الحضارة.
* شهادة من فوق جسد أبي الهول... كلمة أقولها للتاريخ:
لكل رحلة نهاية...
لكن هناك رحلات لا تنتهي بانتهاء الطريق، لأنها تظل تعيش في الذاكرة، وتبقى شاهدة على مرحلة من العمر لا يمكن أن تتكرر.
ورحلتي مع تمثال أبي الهول كانت واحدة من تلك الرحلات.
فلم يكن هذا العملاق الحجري بالنسبة لي مجرد أثر شاركت في ترميمه، بل كان معلمًا علمني أن الحضارة ليست حجارة صامتة، وإنما سجل حيٌّ يحفظ قصة الإنسان، ويختزن عبقرية أمة استطاعت أن تكتب اسمها في سجل الخلود.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود تشرفت خلالها بالعمل في ترميم وصيانة آثار مصر، من آثار فرعونية، وإسلامية، وقبطية، ويهودية، تعلمت أن أعظم ما يملكه المرمم ليس أدواته، بل ضميره.
فقد يقضي المرمم ساعات في تثبيت حجر، أو أيامًا في دراسة شق دقيق، أو شهورًا في اختيار مادة مناسبة، لكنه يعلم أن أي قرار يتخذه سيبقى شاهدًا عليه سنوات طويلة، وربما قرونًا.
ولهذا فإن ترميم الآثار ليس مهنة، ولا حرفة، ولا وظيفة...
إنه أمانة.
وأكثر ما كان يشغلني وأنا أقف فوق جسد أبي الهول، أو أسير بين كفيه، أنني ألمس حجارة نحتها إنسان مصري عاش قبل أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام.
كم مرة سألت نفسي:
هل كان هذا الفنان القديم يتخيل أن أبناء وطنه سيقفون يومًا ليحافظوا على ما صنعته يداه؟
وكنت أجد الإجابة في داخلي قبل أن ينطق بها أحد...
نعم.
لأن الحضارات العظيمة لا تبني آثارها لتعيش جيلًا واحدًا، وإنما لتبقى رسالة لكل الأجيال.
وخلال هذه الرحلة أدركت أن العلم وحده لا يكفي، وأن الخبرة وحدها لا تكفي، وأن التكنولوجيا مهما بلغت لا تكفي، إذا غاب عنها الإخلاص واحترام الأثر.
فالمرمم الحقيقي لا يسعى إلى أن يترك بصمته على الحجر، بل يسعى إلى أن يحافظ على بصمة المصري القديم كما هي.
وهذا هو الفارق بين من يرمم ليُقال إنه عمل...
ومن يرمم ليبقى الأثر شاهدًا على عظمة من صنعوه.
ومن هذا المنطلق، أتوجه بخالص التقدير والعرفان إلى جميع أساتذتي الذين تعلمت على أيديهم، وإلى كل علماء الآثار، والمرممين، والمهندسين، والجيولوجيين، والكيميائيين، والفنيين، والعمال المهرة، الذين تشرفت بالعمل معهم في مواقع آثار مصر، وإلى كل من أفنى عمره في خدمة هذا التراث العظيم.
كما أترحم على كل من رحل منهم، فقد تركوا علمًا وعملًا سيظل باقياً ما بقيت آثار مصر شامخة.
وأقول للشباب من الأثريين والمرممين...
إن الآثار ليست ملكًا لجيلنا، وإنما هي وديعة في أعناقنا، سنسلمها إلى من يأتي بعدنا.
فاحفظوا الأمانة، وتمسكوا بالعلم، ولا تتعجلوا القرار، واجعلوا ضميركم هو أول أدوات الترميم وآخرها.
أما أنت يا أبا الهول...
يا حارس الجيزة، ويا شاهد الحضارة، ويا صديق الزمن...
فستظل واقفًا كما عرفتك، تنظر إلى شروق الشمس كل صباح، وتحكي للعالم قصة شعب صنع المستحيل، وأقام حضارةً لم تزدها آلاف السنين إلا عظمةً وإجلالًا.
وأحمد الله سبحانه وتعالى أن منحني شرف الاقتراب منك، والعمل بين أحجارك، والمساهمة - مع زملائي - في الحفاظ عليك، ولو بجزء يسير من الواجب الذي تستحقه.
هذه ليست نهاية الحكاية...
بل هي بداية رسالة جديدة، أدعو بها كل محب لمصر أن ينظر إلى آثارها بعين المعرفة، لا بعين المشاهدة فقط.
فكل حجر في أرض مصر يحكي قصة...
وكل أثر يحمل رسالة...
وكل رسالة تستحق أن تُروى.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
|