الجمعة, 6 نوفمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

لوحة الحلم... عندما غيَّرت رؤيا أمير شاب تاريخ أبي الهول
(الجزء السابع )

لوحة الحلم... عندما غيَّرت رؤيا أمير شاب تاريخ أبي الهول
(الجزء السابع )
عدد : 08-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


هناك أماكن تقف أمامها فلا تتحدث... بل تترك التاريخ هو الذي يتحدث.
ومن بين أقدس المواضع التي وقفت عندها أثناء عملي في ترميم تمثال أبي الهول، تلك المساحة الواقعة بين كفيه الأماميتين، حيث تنتصب لوحة الحلم شامخة، شاهدة على قصة امتزج فيها التاريخ بالعقيدة والسياسة، لتصبح واحدة من أشهر اللوحات الأثرية في العالم.

ولعل ملايين الزائرين يلتقطون الصور أمامها، لكن قلة قليلة تعرف سرها الحقيقي، أو تدرك الرسالة التي أراد المصري القديم أن يخلدها على هذا الحجر منذ أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة عام.

* ليست مجرد لوحة... بل وثيقة ملكية خالدة:

تُعرف هذه اللوحة باسم لوحة الحلم أو لوحة تحتمس الرابع، وقد أمر الملك تحتمس الرابع بإقامتها بين كفي أبي الهول بعد اعتلائه عرش مصر، لتسجل واقعة أصبحت من أشهر الروايات في تاريخ مصر القديمة.

واللوحة ليست مجرد أثر جميل، بل وثيقة تاريخية ودينية وسياسية بالغة الأهمية، تقدم لنا صورة واضحة عن مكانة أبي الهول في وجدان المصريين القدماء، وعن حرص الملوك على رعايته والمحافظة عليه.

* رؤيا تحت ظل أبي الهول:

تحكي النصوص الهيروغليفية أن الأمير تحتمس خرج يومًا للصيد في هضبة الجيزة، وبعد أن اشتد عليه الحر، استراح في ظل رأس أبي الهول، بينما كان معظم جسده مدفونًا تحت الرمال.
وهناك... رأى رؤيا غريبة.

ظهر له أبو الهول في المنام، متجسدًا في صورة الإله حور إم أخت (حورس في الأفق)، وخاطبه قائلًا إن الرمال تثقل جسده وتخفي عظمته، ووعده بأنه سيمنحه مُلك مصر إذا أزال هذه الرمال وأعاد إليه هيبته.

سواء نظرنا إلى هذه الرواية باعتبارها رؤيا دينية أو رسالة سياسية لترسيخ شرعية الحكم، فإنها تظل من أجمل النصوص التي وصلتنا من مصر القديمة.

* وفاء بالوعد... وتكريم للأثر:

بعد أن أصبح تحتمس الرابع ملكًا على مصر، أوفى بما سجله على اللوحة، وأمر بإزالة الرمال التي كانت تغطي أجزاءً كبيرة من تمثال أبي الهول.

وتُعد هذه العملية من أقدم أعمال الصيانة والتدخل للحفاظ على أثر في التاريخ، وهو ما يكشف أن المصري القديم لم يكن يبني آثاره العظيمة فحسب، بل كان يحرص أيضًا على صيانتها وحمايتها للأجيال التالية.

ومن هنا يمكن القول إن جذور علم صيانة الآثار تمتد عميقًا في الحضارة المصرية القديمة.

* روعة فنية تليق بعظمة المكان

صُنعت لوحة الحلم من الجرانيت الوردي، ويبلغ ارتفاعها نحو 3.6 متر، وعرضها قرابة 2.2 متر، بينما يصل سمكها إلى نحو نصف متر.

ويزين أعلاها منظر رائع يصور الملك تحتمس الرابع وهو يقدم القرابين لأبي الهول، أما بقية اللوحة فتضم نصوصًا هيروغليفية دقيقة تحكي تفاصيل الرؤيا، وتؤكد المكانة الدينية والسياسية لهذا الأثر الفريد.

ورغم ما أصابها من عوامل الزمن، فإنها ما زالت تحتفظ بجزء كبير من قيمتها الفنية والتاريخية، وتُعد من أهم الوثائق الأثرية التي ألقت الضوء على تاريخ أبي الهول.

* رسالة حضارية لا تنتهي:

وأنا أقف بين كفي أبي الهول أثناء أعمال الترميم، كنت أشعر أن هذه اللوحة لا تروي قصة ملك واحد فقط، بل تروي قصة أمة عرفت قيمة آثارها منذ آلاف السنين.

فإذا كان تحتمس الرابع قد رأى أن إزالة الرمال عن أبي الهول واجبٌ مقدس، فإن مسؤوليتنا اليوم أكبر؛ لأننا لا نحافظ على حجر صامت، بل نحافظ على ذاكرة الإنسانية كلها.

وفي هذا المقام، لا يسعني إلا أن أُكنَّ كل التقدير والاحترام لكل من عمل في خدمة آثار مصر عبر الأجيال؛ من علماء الآثار، والمرممين، والمهندسين، والجيولوجيين، والعمال المهرة، وكل من حمل على عاتقه مسؤولية حماية هذا التراث الفريد. كما أترحم على من رحل منهم، وأخص بالذكر كل أصحاب الجهود المخلصة الذين تركوا بصمة علمية وعملية في مواقعنا الأثرية، فحفظ التراث رسالة جماعية لا يصنعها فرد، بل تصنعها أجيال متعاقبة تؤمن بقيمة الحضارة المصرية.

* على ظهر التاريخ... أيامٌ لن أنساها فوق جسد أبي الهول:
********************
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تُقاس بالسنوات...
بل بما تتركه في القلب من أثر.

ومن بين أجمل ما أكرمني الله به خلال أكثر من أربعة عقود قضيتها في ترميم آثار مصر، تلك الأيام التي عملت فيها فوق جسد تمثال أبي الهول، هذا الأثر الذي لم يكن بالنسبة لي مجرد كتلة هائلة من الحجر الجيري، بل كان مدرسةً متكاملة تعلمت فيها من الحجر كما تعلمت من أساتذتي.

فقد شاركت في أعمال الصيانة والترميم أكثر من مرة، وفي فترات زمنية مختلفة، وكانت كل مرحلة تحمل تحديات جديدة، لأن أبا الهول لا يكشف أسراره دفعة واحدة، بل يمنحها لمن يصبر على قراءته، ويفهم طبيعة حجره، ويحترم تاريخه.

* حين يقترب المرمم... يختفي انبهار السائح ويبدأ حوار العلم
قد يرى الزائر تمثالًا عظيمًا يلتقط أمامه صورة تذكارية ثم يغادر...
أما المرمم، فإنه يرى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
يرى الشروخ الدقيقة التي لا تكاد تُرى، ويتابع طبقات الحجر الجيري واختلاف خواصها، ويراقب آثار الرطوبة والأملاح، ويقرأ بصمات الرياح التي ظلت تنحت هذا العملاق عبر آلاف السنين.
كل سنتيمتر في أبي الهول كان يحمل قصة، وكل حجر كان يحتاج إلى دراسة قبل اتخاذ أي قرار بشأنه.
ولذلك كنا نؤمن بأن النجاح في الترميم يبدأ من الصبر، لا من سرعة التنفيذ.

* لا مكان للاجتهاد الفردي:

من أعظم الدروس التي تعلمتها داخل موقع العمل أن ترميم أثر عالمي مثل أبي الهول لا يقوم على جهد شخص واحد، مهما بلغت خبرته.
فقد كان العمل يتم بروح الفريق، حيث تتكامل خبرات علماء الآثار، والمرممين، والمهندسين، والجيولوجيين، والكيميائيين، والفنيين، والعمال المهرة، وكل منهم يؤدي دوره بدقة، لأن أي خطأ ـ مهما بدا صغيرًا ـ قد يترك أثرًا يستمر لعشرات السنين.
وهنا لا يسعني إلا أن أُعرب عن بالغ احترامي وتقديري لكل الزملاء الذين تشرفت بالعمل معهم في هذا الموقع العظيم، ولكل من أسهم بعلمه أو جهده أو إخلاصه في حماية أبي الهول، سواء من رحل منهم إلى رحمة الله أو من لا يزال يواصل أداء رسالته النبيلة.

* القرار الذي لا يحتمل الخطأ:

في مواقع الترميم العادية قد يكون الخطأ قابلًا للإصلاح...
أما في أبي الهول، فالأمر مختلف تمامًا.
فكل قرار كان يُدرس بعناية، لأننا نتعامل مع أثر فريد لا يملك العالم نسخة أخرى منه.
وكان السؤال الذي يسبق أي تدخل دائمًا هو:
هل ما سنفعله سيحافظ على الأثر... أم سيضيف إليه مشكلة جديدة؟
هذا السؤال كان حاضرًا في كل خطوة، لأنه يمثل جوهر فلسفة الترميم الحديثة، التي تقوم على احترام أصالة الأثر، والاقتصار على أقل تدخل ممكن، مع ضمان استقراره وسلامته.
بين المهنة والرسالة.

ومع مرور الأيام، أدركت أن ترميم أبي الهول لم يكن بالنسبة لي وظيفة أؤديها، بل رسالة أتشرف بحملها.
فحين تضع يدك على حجر نحته المصري القديم منذ أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام، تدرك أنك لست مالكًا لهذا الأثر، وإنما أمين عليه، تنقله سالمًا إلى من يأتي بعدك.
وهذا هو المعنى الحقيقي الذي تعلمته من أبي الهول...
أن الحضارة لا يحميها الحجر وحده، بل يحميها الضمير والعلم والإخلاص.

وفي الجزء القادم...
سأكشف جانبًا آخر قد لا يعرفه كثيرون...
كيف كان اتخاذ القرار داخل مشروع ترميم أبي الهول؟ وكيف كانت المناقشات العلمية، والاختبارات، والدراسات، تسبق تنفيذ أي خطوة، حتى لا يتحول العلاج إلى سبب في الضرر؟
هناك مواقف عشتها بنفسي، ما زالت حاضرة في ذاكرتي، لأنها علمتني أن أصعب قرار في الترميم... هو القرار الصحيح.
 
 
الصور :