كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
لعل أكثر سؤال سمعته من زوار منطقة الأهرامات، سواء من المصريين أو الأجانب، كان دائمًا:
من الذي كسر أنف أبي الهول؟
ورغم بساطة السؤال، فإن الإجابة ليست بالبساطة نفسها، لأن هذه القضية اختلطت فيها الحقائق التاريخية بالروايات الشعبية، حتى أصبحت واحدة من أكثر الموضوعات إثارةً للجدل في تاريخ الآثار المصرية.
وخلال عملي في ترميم أبي الهول، كنت أحرص دائمًا على أن أفرق بين ما يردده الناس، وما تؤيده الأدلة التاريخية والأثرية.
- الرواية الأولى... نابليون وجنوده
تنتشر رواية تقول إن جنود الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت أطلقوا مدافعهم على أبي الهول، فتسببوا في كسر أنفه.
ورغم انتشار هذه القصة في الكتب الشعبية ووسائل الإعلام، فإنها لا تستند إلى دليل تاريخي صحيح.
فقد رسم الرحالة والفنان الدنماركي فريدريك لويس نوردن تمثال أبي الهول عام 1737م، أي قبل وصول الحملة الفرنسية بأكثر من ستين عامًا، وأظهره بالفعل بلا أنف.
وهذه الوثيقة وحدها تكفي لإسقاط تلك الرواية.
- الرواية الثانية... محمد صائم الدهر:
تظل الرواية الأكثر قبولًا بين المؤرخين هي ما أورده المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي، الذي ذكر أن رجلاً يُعرف باسم محمد صائم الدهر أقدم في القرن الرابع عشر الميلادي على تشويه الأنف، معتقدًا أنه يحارب مظاهر الوثنية.
ورغم عدم وجود دليل أثري مباشر يؤكد الواقعة، فإنها تبقى الرواية التاريخية الأقرب إلى الصحة، لأنها تستند إلى مصدر تاريخي معروف، كما تتفق مع طبيعة الكسر، التي تشير إلى تدخل بشري متعمد.
هل كان السبب عوامل الطبيعة؟
ذهب بعض الباحثين إلى أن الرياح والعواصف الرملية ربما كانت سببًا في سقوط الأنف.
غير أن الدراسات الهندسية تشير إلى أن شكل الكسر لا يتوافق مع التآكل الطبيعي التدريجي، بل يدل على تعرض الأنف لضربة قوية ومركزة.
-فرضيات أخرى:-
ظهرت آراء تنسب الكسر إلى بعض جنود المماليك أو إلى أحداث شهدتها العصور الوسطى، لكنها تظل فرضيات تفتقر إلى الأدلة التاريخية الكافية.
- بين الدليل والأسطورة
ومن واقع خبرتي، فإن الباحث الحقيقي لا ينجرف وراء الروايات المثيرة، بل يقف دائمًا مع الدليل.
ولهذا أرى أن رواية محمد صائم الدهر تظل الأقرب إلى الحقيقة، مع الإقرار بأن غياب الدليل الأثري المباشر يجعل الباب مفتوحًا أمام المزيد من البحث العلمي.
فالآثار لا تُقرأ بالعاطفة، وإنما بالشواهد والوثائق.
* هل أبو الهول أقدم من الأهرامات؟... عندما يتحدث الدليل العلمي :
منذ أكثر من قرن، لا يزال سؤال واحد يثير نقاشًا واسعًا بين الباحثين:
. متى نُحت تمثال أبي الهول؟
ورغم أن معظم علماء المصريات يكادون يتفقون على الإجابة، فإن بعض الباحثين طرحوا فرضيات مختلفة، مما جعل هذا الموضوع واحدًا من أكثر ملفات أبي الهول إثارة للنقاش.
- الرأي العلمي السائد:
يرى غالبية علماء الآثار أن تمثال أبي الهول نُحت في عهد الملك خفرع، أحد ملوك الأسرة الرابعة، حوالي عام 2500 قبل الميلاد.
ويستند هذا الرأي إلى مجموعة من الأدلة، أهمها قرب التمثال من مجمع خفرع الجنائزي، والتشابه بين ملامح الوجه وبعض تماثيل الملك، إلى جانب الترابط المعماري بين أبي الهول والمنشآت المحيطة به.
ولهذا، يعد هذا الرأي هو الأكثر قبولًا في الأوساط العلمية حتى اليوم.
- الرأي الآخر... أبو الهول أقدم
في المقابل، يرى عدد من الباحثين أن أبا الهول ربما سبق عصر خفرع بآلاف السنين.
ويعتمد أصحاب هذا الرأي على تفسير بعض مظاهر التآكل الموجودة على جسم التمثال، معتبرين أنها نتجت عن أمطار غزيرة تعود إلى عصور أقدم من عصر الدولة القديمة.
وقد أثارت هذه الفرضية اهتمامًا إعلاميًا كبيرًا، لكنها ما زالت محل نقاش، ولم تحظَ بإجماع علمي بين المتخصصين.
ماذا يقول علم الترميم؟
""""""""""""""""""""""""""""'"
من واقع عملي في ترميم أبي الهول، فإن دراسة مظاهر التآكل لا يمكن أن تعتمد على عامل واحد فقط.
فالحجر الجيري يتأثر بعوامل عديدة، منها الرياح، والرطوبة، والأملاح، والمياه الجوفية، والتغيرات المناخية، ولذلك فإن تفسير علامات التآكل بمعزل عن هذه العوامل لا يكفي للوصول إلى نتيجة قاطعة.
ولهذا تبقى الأدلة الأثرية والسياق التاريخي والجيولوجي هي الأساس في أي رأي علمي.
رأيي الشخصي:
""""""""""""""""""""
بعد سنوات من الدراسة والعمل الميداني فوق جسد هذا الأثر العظيم، أميل إلى الرأي الذي يربط أبا الهول بعهد الملك خفرع، لأنه يستند إلى منظومة متكاملة من الأدلة الأثرية والمعمارية، وليس إلى دليل منفرد.
ومع ذلك، فإن البحث العلمي لا يعرف الجمود، وأي اكتشاف أثري جديد موثق قد يضيف فهمًا أعمق لهذا الأثر الفريد.
وهذه هي قيمة العلم... أنه يظل دائمًا مفتوحًا أمام الدليل.
وفي الجزء القادم...
سأصحبكم إلى واحدة من أقدس بقاع أبي الهول...
لوحة الحلم الواقعة بين كفيه، وسأروي كيف تحولت رؤيا رآها أمير شاب إلى واحدة من أشهر اللوحات الأثرية في تاريخ مصر القديمة، وما تحمله من رسائل دينية وسياسية لا يعرفها كثيرون.
|