بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
يظن كثير من الناس أن أعمال ترميم الآثار تبدأ عندما يحمل المرمم أدواته ويقترب من الأثر...
لكن الحقيقة التي تعلمتها خلال سنوات عملي أن الترميم يبدأ قبل أن يلمس المرمم الحجر بوقت طويل.
فكل خطوة تُبنى على دراسة، وكل قرار يسبقه تحليل، وكل مادة تُستخدم لا بد أن تخضع للاختبار، لأن الخطأ في ترميم أثر بحجم أبي الهول قد يبقى أثره عشرات السنين، وربما قرونًا.
وعندما شاركت في أعمال ترميم أبي الهول، أدركت أننا لا نقف أمام تمثال عادي، بل أمام سجل جيولوجي وأثري وتاريخي بالغ التعقيد، ولذلك لم يكن هناك مكان للاجتهاد الشخصي أو القرارات المتسرعة.
المعاينة... أول خطوة نحو العلاج:
قبل تنفيذ أي أعمال، كانت تبدأ مرحلة المعاينة الدقيقة.
وكنا نفحص كل جزء من جسم التمثال، ونسجل أماكن الشروخ، ومناطق الضعف، والكتل الحجرية المفككة، وآثار الأملاح والرطوبة، وكل تغير يطرأ على سطح الحجر الجيري.
وكانت هذه المرحلة أشبه بما يقوم به الطبيب قبل وصف العلاج؛ فنجاح العلاج يعتمد أولًا على دقة التشخيص.
الحجر يتحدث... ولكن بلغته الخاصة:
قد تبدو أحجار أبي الهول متشابهة للعين المجردة، لكنها في الحقيقة تختلف في الصلابة والكثافة ودرجة التماسك.
فقد نُحت التمثال من طبقات جيولوجية متعددة، ولكل طبقة خصائصها وسلوكها أمام عوامل الزمن.
ولهذا كان من الضروري دراسة طبيعة كل طبقة قبل اتخاذ أي قرار ترميمي، لأن ما يصلح لجزء قد لا يصلح لجزء آخر.
التوثيق... ذاكرة لا يجوز أن تخطئ:
من أهم مراحل العمل توثيق الحالة الأثرية.
فكل شق، وكل فجوة، وكل كتلة حجرية، كانت تُسجل بالرسم والقياس والتصوير، حتى يصبح لدينا سجل علمي دقيق يوضح حالة التمثال قبل التدخل وأثناءه وبعده.
وهذا التوثيق لا يخدم المشروع الحالي فقط، بل يمثل مرجعًا علميًا للأجيال القادمة من المرممين والباحثين.
القرار الأصعب:
أصعب ما يواجه المرمم ليس تنفيذ العمل...
بل اتخاذ قرار متى يتدخل؟... ومتى يمتنع عن التدخل؟
ففي علوم الترميم الحديثة، ليس كل تلف يجب إخفاؤه، وليس كل جزء مفقود ينبغي استكماله.
بل إن المحافظة على أصالة الأثر تقتضي أحيانًا الاكتفاء بتثبيت الحالة ومنع التدهور، دون إضافة ما قد يغيّر من شخصية الأثر أو تاريخه.
وهذا ما يجعل ترميم أبي الهول مسؤولية علمية وأخلاقية في الوقت نفسه
قبل أن نُرمم الحجر... كان علينا أن نفهمه
على امتداد سنوات عملي في ترميم الآثار، تعلمت قاعدة لا تقبل الاستثناء:
"الحجر لا يُعالج قبل أن يُفهم."
وهذه القاعدة كانت أكثر وضوحًا عندما تعلق الأمر بتمثال أبي الهول.
فقد سبقت أعمال الترميم دراسات علمية وبيئية مكثفة، شارك فيها متخصصون في الجيولوجيا والهندسة والترميم، بهدف التعرف إلى الأسباب الحقيقية لتدهور التمثال، وعدم الاكتفاء بعلاج مظاهر التلف فقط.
الدراسات البيئية... قراءة ما لا تراه العين:
ركزت الدراسات على تحليل تأثير المناخ والبيئة المحيطة بأبي الهول، خاصة:
- الرطوبة.
- الرياح المحملة بالرمال.
- التغيرات الحرارية بين الليل والنهار.
- التلوث الجوي.
- تأثير المياه الجوفية.
وقد أثبتت هذه الدراسات أن تدهور الأثر لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين عوامل طبيعية وبيئية متعددة استمرت آلاف السنين.
التكنولوجيا في خدمة التاريخ"
ولم تعد الدراسات تعتمد على الملاحظة البصرية فقط، بل استُخدمت تقنيات حديثة، مثل التصوير ثلاثي الأبعاد، وأجهزة الرادار، وغيرها من وسائل الفحص غير المتلف، لدراسة التكوينات الصخرية، وتحديد مناطق الضعف والتآكل دون المساس بالأثر.
وقد مثلت هذه الوسائل نقلة نوعية في أساليب صيانة الآثار، لأنها وفرت معلومات دقيقة كان من المستحيل الحصول عليها بالطرق التقليدية.
أخطر التحديات البيئية:
أظهرت الدراسات أن أخطر ما يهدد أبا الهول يتمثل في:
- التعرية الناتجة عن الرياح والرمال.
- التلوث الصناعي وتأثيره الكيميائي في الحجر الجيري.
- ارتفاع الرطوبة والمياه الجوفية وما ينتج عنه من تبلور الأملاح داخل الحجر.
ولذلك لم يكن الهدف من الترميم مجرد إصلاح التلف، بل معالجة أسبابه قدر الإمكان، حتى لا تتكرر المشكلة بعد سنوات قليلة.
ما تعلمته من أبي الهول
* كل يوم عمل قضيته أمام هذا العملاق الحجري كان يضيف إلى خبرتي درسًا جديدًا.
وأدركت أن نجاح الترميم لا يتحقق بكثرة المواد المستخدمة، بل بعمق الفهم، ودقة الدراسة، واحترام الأثر.
فالحجر، مهما بدا صامتًا، يروي قصته لمن يعرف كيف يقرأها.
وفي الجزء القادم...
سنفتح واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ أبي الهول...
هل الأنف المفقود كُسر فعلًا على يد جنود نابليون؟ أم أن الحقيقة مختلفة تمامًا؟
سأعرض الروايات المختلفة، وأناقش الأدلة التاريخية والأثرية، وصولًا إلى الرأي الأقرب إلى الحقيقة.
|