كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
حين يقف الزائر أمام تمثال أبي الهول، فإنه يرى أثرًا شامخًا صمد آلاف السنين، لكنه لا يرى المعارك التي خاضها هذا العملاق الحجري مع الزمن، ولا يدرك كم مرة تدخل الإنسان لإنقاذه.والحقيقة التي تعلمتها من عملي في ترميم أبي الهول أن كل عملية ترميم ليست بالضرورة عملية ناجحة.
* فقد تكون النية صادقة، والهدف نبيلًا، لكن اختيار المادة الخاطئة أو الأسلوب غير المناسب قد يسبب للأثر أضرارًا تفوق ما أحدثته عوامل الطبيعة نفسها.
ولذلك، فإن تاريخ ترميم أبي الهول لا يقتصر على قصص النجاح، بل يضم أيضًا تجارب أصبحت اليوم دروسًا تُدرَّس في علوم الترميم، لأنها أثبتت أن احترام الأثر يبدأ باحترام مادته الأصلية.
* ولكي نفهم ما حدث في العصر الحديث، لا بد أن نعود قليلًا إلى الوراء، لنتتبع رحلة ترميم أبي الهول عبر العصور.
الترميم في مصر القديمة... أول مشروع صيانة في التاريخ:
تشير الأدلة الأثرية إلى أن أول أعمال صيانة معروفة لتمثال أبي الهول تعود إلى عهد الملك تحتمس الرابع من الأسرة الثامنة عشرة، عندما أمر بإزالة الرمال التي كانت تغطي أجزاءً كبيرة من التمثال، عقب رؤياه الشهيرة التي خُلِّدت على لوحة الحلم القائمة بين كفي أبي الهول.
* ولم تكن إزالة الرمال مجرد عمل نظافة، بل كانت خطوة واعية للحفاظ على الأثر وإعادة الاعتبار إلى رمزيته الدينية والسياسية.
* وتشير شواهد أثرية أيضًا إلى أن التمثال شهد تدخلات محدودة في العصرين اليوناني والروماني، هدفت إلى معالجة بعض مظاهر التدهور والمحافظة على استقرار أجزائه الأكثر تعرضًا للعوامل الجوية.
ومع تعاقب العصور، استمرت الرمال في دفن أجزاء كبيرة من التمثال، ثم تعود حملات الكشف لتُظهره من جديد، حتى بدأت في القرن التاسع عشر مرحلة جديدة من الدراسات العلمية والتنقيب المنظم، لتدخل أعمال الترميم عصرًا مختلفًا يعتمد على البحث والتوثيق والتحليل.
لكن...
"""""""
هل كانت جميع التدخلات الحديثة موفقة؟
وهل كانت كل مواد الترميم ملائمة لطبيعة الحجر الجيري الذي نُحت منه أبو الهول؟
عندما يؤذي الترميم الأثر... درس قاسٍ من تاريخ أبي الهول.
"""""""""""""""""""""""""""""""""
قد تبدو هذه العبارة صادمة لأول وهلة...
هل يمكن أن يتحول الترميم، الذي هدفه إنقاذ الأثر، إلى سبب في زيادة تدهوره؟
للأسف... نعم.
وهذا ما تعلمته خلال سنوات عملي في ترميم الآثار، وما أكدته التجارب العلمية في كثير من المواقع الأثرية حول العالم.
* فالترميم ليس مجرد إضافة أحجار جديدة أو ملء فجوات أو تثبيت أجزاء متداعية، وإنما هو علم دقيق تحكمه قواعد دولية، أهمها احترام المادة الأصلية للأثر، واستخدام مواد تتوافق معها في خواصها الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية.
وقد مر تمثال أبي الهول، عبر تاريخه الطويل، بمحاولات ترميم عديدة، كان بعضها ناجحًا وأسهم في إنقاذه، بينما كشفت تجارب أخرى عن أخطاء أصبحت اليوم دروسًا مهمة في علوم صيانة وترميم الآثار.
الكسوة الحجرية... بداية الجدل.
"""""""""""""""""""""""""""""""""
* من أشهر هذه التدخلات أعمال الترميم التي نُفذت خلال فترة المهندس نبيل عبد السميع - ( رحمه الله )( الإدارة الهندسية )و التي تضمنت تنفيذ كسوة حجرية على جانبي تمثال أبي الهول، وتثبيتها باستخدام الأسمنت الأسود، وفق المفاهيم الفنية السائدة آنذاك.
ولا بد من التأكيد أن تقييم هذه الأعمال يجب أن يُفهم في إطار المعرفة العلمية المتاحة في ذلك الوقت، فقد تطورت علوم الترميم تطورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، وأصبحت المعايير الدولية اليوم أكثر دقة وصرامة في اختيار المواد وطرق التدخل.
لماذا لم يكن الأسمنت الأسود مناسبًا؟
"""""""""""""""""""""""""""""""""
تكمن المشكلة في أن الحجر الجيري، الذي نُحت منه أبو الهول، يختلف تمامًا في خصائصه عن الأسمنت الأسود.
فعندما تجتمع مادتان تختلفان في التركيب والخواص، تبدأ المشكلات في الظهور تدريجيًا.
ومن أهمها:
- اختلاف معدلات التمدد والانكماش مع تغير درجات الحرارة، مما يؤدي إلى نشوء ضغوط داخلية قد تسبب تشققات في الحجر الأصلي.
- عدم السماح بخروج الرطوبة المحتبسة داخل الحجر الجيري، وهو ما يؤدي إلى تراكمها، ثم تبلور الأملاح داخل المسام، فتضعف البنية الداخلية للحجر مع مرور الزمن.
- حدوث تفاعلات كيميائية بين الأسمنت والحجر الجيري، تؤثر في الطبقات السطحية للأثر.
الوزن... عامل لا يقل خطورة.
"""""""""""""""""""""""""""""""""
أضافت الكسوة الحجرية وزنًا جديدًا إلى أجزاء من جسم التمثال.
ورغم أن الهدف كان تدعيم الأثر، فإن أي إضافة إنشائية يجب أن تُحسب بدقة شديدة، لأن زيادة الأحمال على كتلة حجرية تعرضت لآلاف السنين من التعرية قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة.
كما أن هذه الكسوة غطت أجزاءً من السطح الأصلي، فأخفت بعض آثار النحت القديم، وهو ما يتعارض مع أحد أهم مبادئ الترميم الحديث، الذي يحرص على الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المادة الأصلية.
ولماذا أصبح الإصلاح أكثر صعوبة؟
"""""""""""""""""""""""""""""""""
من أكبر المشكلات التي واجهت المرممين بعد ذلك أن الأسمنت الأسود شديد الالتصاق بالحجر.
ولهذا فإن إزالته ليست عملية سهلة، بل تحتاج إلى تدخلات دقيقة للغاية، حتى لا يتعرض الحجر الأصلي لمزيد من التلف.
ومن هنا، أصبحت معالجة أخطاء الماضي أكثر تعقيدًا من تنفيذ الترميم نفسه.
التلوث... عدو خفي:
"""""""""""""""""""""""
ومع مرور الزمن، تفاعلت مكونات الأسمنت مع الملوثات الموجودة في الهواء، خاصة المركبات الكبريتية، فتكونت قشور وتراكمات ساهمت في زيادة تدهور كلٍّ من الكسوة الحجرية والحجر الجيري الأصلي.
وهكذا اجتمعت عدة عوامل لتؤكد أن اختيار مادة الترميم لا يقل أهمية عن تنفيذ عملية الترميم نفسها.
الدروس التي تعلمناها.
""""""""""""""""""""""""""""
لقد خرج علم الترميم من هذه التجربة بعدة مبادئ أصبحت اليوم من الثوابت، أهمها:
- استخدام مواد متوافقة مع طبيعة الحجر الأصلي.
- إجراء تجارب واختبارات معملية قبل تطبيق أي مادة على الأثر.
- الالتزام بمبدأ أقل تدخل ممكن، مع الحفاظ على أصالة الأثر وقيمته التاريخية.
- تفضيل المواد التي يمكن إزالتها أو تعديلها مستقبلًا إذا استدعت الضرورة، دون الإضرار بالمادة الأصلية.
ومن واقع تجربتي، أستطيع أن أؤكد أن ترميم الآثار ليس مجرد مهارة يدوية، بل هو مسؤولية علمية وأخلاقية.
فكل قرار يتخذه المرمم قد يظل أثره باقيًا لعشرات، وربما لمئات السنين.
ولهذا فإن احترام الأثر يبدأ دائمًا باحترام مادته الأصلية، وبالتواضع أمام التاريخ، فالمُرمم لا يضيف مجدًا لنفسه، بل يحافظ على مجد صنعه الأجداد.
وفي الجزء القادم...
سأنتقل من الحديث عن النظريات والمواد إلى قلب موقع العمل، لأروي كيف كانت تُدار أعمال ترميم أبي الهول يومًا بيوم، وكيف كنا نتعامل مع كل حجر، وكل شق، وكل قطعة مهددة بالسقوط، في تجربة ميدانية لا تُنسى، كشفت لي أن أعظم دروس الترميم لا تُكتسب من الكتب وحدها، بل من الوقوف أمام الأثر نفسه.
|