الجمعة, 31 يوليو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

البئر الغامض فوق رأس أبي الهول
(الجزء الثالث)

البئر الغامض فوق رأس أبي الهول
(الجزء الثالث)
عدد : 07-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية


من بين جميع المواقف التي عشتها أثناء عملي في ترميم تمثال أبي الهول، تبقى لحظة صعودي إلى أعلى رأس التمثال واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا وإثارة في حياتي المهنية.

فليس كل يوم تتاح للإنسان فرصة الوقوف فوق رأس أشهر تمثال أثري في العالم، ومعاينة تفاصيل لا يراها ملايين الزائرين الذين يكتفون بالنظر إليه من أسفل.

ولا أنسى تلك اللحظة أبدًا... فقد كنت أقف فوق أثر تجاوز عمره أربعة آلاف وخمسمائة عام، صامدًا في وجه الزمن، وكأنه يروي بنفسه قصة الحضارة المصرية، ويشهد على عبقرية الإنسان المصري القديم.

هل يوجد بالفعل بئر فوق رأس أبي الهول؟

الإجابة ببساطة... نعم.

لقد أتيحت لي الفرصة أثناء أعمال الترميم أن أصعد إلى أعلى رأس التمثال، وأعاين بنفسي هذا التجويف الذي شغل أذهان الباحثين والمؤرخين وعلماء الآثار لعقود طويلة.

ويقع هذا التجويف أعلى الرأس، ولذلك لا يراه الزائر العادي، وقد قامت وزارة الآثار بتغطيته بباب معدني (من الصاج) لحمايته من العبث والعوامل الجوية.
ورغم كثرة الأساطير التي نُسجت حوله، فإن الباحث الحقيقي لا ينطلق من الخيال، بل من الدليل العلمي.

أصل البئر... ومتى ظهر؟

تشير أغلب الدراسات إلى أن هذا التجويف ليس جزءًا من التصميم الأصلي لتمثال أبي الهول، وإنما أُنشئ في فترة لاحقة.
ويرجح بعض الباحثين أنه كان محاولة لاستكشاف وجود فراغات أو ممرات داخل الرأس أو جسم التمثال، خاصة أن أبا الهول ظل محورًا للعديد من البعثات الأثرية والدراسات الاستكشافية عبر القرنين التاسع عشر والعشرين.
وتبلغ مساحة التجويف نحو متر × متر تقريبًا، ويقع في أكثر أجزاء الرأس صلابة، وربما ساعد ذلك على احتفاظ الرأس بحالة أفضل من كثير من أجزاء الجسم التي تعرضت لعوامل التدهور المختلفة.

لماذا أُنشئ هذا البئر؟

حتى الآن لا يوجد رأي علمي قاطع، وإنما ثلاث فرضيات رئيسية:-

أولًا: الفرضية الدينية أو الرمزية:
وترى احتمال استخدامه في أغراض شعائرية، إلا أن هذه الفرضية تظل ضعيفة لعدم وجود أي نقوش أو أدلة أثرية تؤيدها.

ثانيًا: الفرضية الهندسية:

وتُعد من أكثر الفرضيات منطقية، إذ ربما استُخدم التجويف لفحص استقرار الرأس أو متابعة أي تشققات داخل الكتلة الصخرية.

ثالثًا: الفرضية الاستكشافية:

وترجح أن بعض المستكشفين أو علماء الآثار قاموا بإنشائه خلال القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين، أثناء البحث عن ممرات أو حجرات خفية داخل التمثال، وهو أمر كان شائعًا في ذلك الوقت.

كيف جرت حمايته؟

حرصت وزارة الآثار المصرية على تغطية هذا البئر بغطاء معدني، لمنع أي تدخل غير مصرح به، ولحمايته من دخول المياه والأتربة والمخلفات التي قد تؤثر في الحجر الجيري مع مرور الزمن، وهو إجراء وقائي يهدف إلى:- الحفاظ على سلامة الأثر.

بين الحقيقة والأسطورة:
"""""""""""""""""""""""""""""""
لقد كان هذا البئر سببًا في ظهور عشرات الروايات التي تحدثت عن ممرات سرية وغرف خفية وكنوز مدفونة.
غير أن ما رأيته بنفسي، وما تؤكده الدراسات العلمية، يدعونا إلى التمييز دائمًا بين الفرضية والحقيقة.

فالعلم لا يقوم على الإثارة، بل على البرهان، ولا يجوز اعتبار أي رواية حقيقة تاريخية ما لم تسندها أدلة أثرية وعلمية قاطعة.
وهذه هي القاعدة التي تعلمتها طوال سنوات عملي في مجال ترميم الآثار... أن احترام الدليل هو أول الطريق إلى احترام التاريخ.

لماذا يتآكل هذا العملاق الحجري؟... عندما يخوض الزمن معركته مع الحجر.

كيف استطاع هذا العملاق أن يصمد أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام؟
والإجابة لا تقل إثارة عن السؤال...
فأبو الهول، رغم عظمته، يخوض معركة يومية مع الزمن، يواجه فيها قوى الطبيعة، وتأثير البيئة، وأحيانًا أخطاء الإنسان نفسه.
ومن واقع خبرتي العملية، أدركت أن نجاح أي مشروع لترميم أبي الهول يبدأ بفهم أسباب التدهور، لأن علاج الأثر لا يكون بإخفاء مظاهر التلف، وإنما بالقضاء على أسبابه.

أولًا: التآكل الطبيعي:
يرى معظم المتخصصين أن العوامل الطبيعية كانت وما زالت العامل الرئيسي في تدهور التمثال، ومن أهمها:
- الرياح المحملة بالرمال، التي تعمل كحبيبات صنفرة دقيقة تنحت سطح الحجر الجيري باستمرار.
- التغيرات اليومية في درجات الحرارة، وما ينتج عنها من تمدد وانكماش متكرر للحجر، يؤدي إلى ظهور الشروخ واتساعها.
- الأمطار والعوامل الجوية التي تعرضت لها هضبة الجيزة عبر فترات تاريخية مختلفة.

ثانيًا: تأثير المياه الجوفية:

ويرى فريق آخر من الباحثين أن الخطر الحقيقي جاء من أسفل التمثال.
فقد أدى ارتفاع منسوب المياه الجوفية، نتيجة التوسع الزراعي ومشروعات الري الحديثة، إلى زيادة الرطوبة داخل قاعدة أبي الهول.
ومع تبخر المياه، تتبلور الأملاح داخل مسام الحجر الجيري، فتولد ضغوطًا تؤدي إلى ضعف الحجر، وانفصال طبقاته، وسقوط أجزاء من سطحه.
ولهذا أجريت دراسات جيولوجية وهيدرولوجية متخصصة، ونُفذت مشروعات للحد من تأثير المياه الجوفية وتصريفها حفاظًا على سلامة التمثال.

هل هناك سبب واحد؟

ومن واقع الدراسة والخبرة الميدانية، أؤكد أن تدهور أبي الهول لم يكن نتيجة عامل واحد، وإنما نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، تشمل طبيعة الحجر الجيري، والرياح، والرطوبة، والأملاح، والمياه الجوفية، والتلوث، إلى جانب بعض التدخلات البشرية السابقة.

ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع ترميم لا يتحقق بمعالجة عامل واحد، بل بوضع خطة علمية متكاملة تتعامل مع جميع أسباب التدهور في آنٍ واحد.


 
 
الصور :