كتب المهندس/ فاروق شرف
استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية
هناك آثارٌ نقرأ عنها في الكتب... وهناك آثارٌ نعيش معها سنوات من عمرنا.وتمثال أبو الهول لم يكن بالنسبة لي مجرد أثر عالمي، أو مقصدٍ لملايين الزائرين من مختلف أنحاء العالم، بل كان مدرسةً علميةً وموقعَ عملٍ عشت بين أحجاره، وشاركت في أعمال صيانته وترميمه أكثر من مرة، في فترات زمنية مختلفة، حتى أصبحت كل زيارة له تكشف لي سرًا جديدًا، وتمنحني درسًا جديدًا في عبقرية المصري القديم.
ولذلك، فإن هذه السلسلة لا تنقل معلومات من الكتب فحسب، وإنما تجمع بين الدراسة الأكاديمية، والخبرة العملية، والمعايشة الميدانية، لتقدم للقارئ رؤيةً علميةً مبسطة عن واحدٍ من أعظم وأشهر التماثيل في تاريخ الإنسانية.
مقدمة:
""""""""""
الحمد لله الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين... ثم أما بعد.
يشرفني أن أقدم هذه السلسلة العلمية، التي تتناول تجربتي العملية مع أحد أعظم التماثيل الأثرية في العالم، تمثال أبو الهول، الذي يُعتبر رمزًا خالدًا للحضارة المصرية القديمة، وعنوانًا لعبقرية النحات المصري القديم.
ومن خلال هذه السلسلة، أسلط الضوء على المراحل المختلفة التي عايشتها أثناء أعمال الترميم، بدءًا من الدراسات الأولية والتحاليل العلمية، مرورًا بالتحديات التي واجهتنا أثناء التنفيذ، وصولًا إلى الحلول التي طُبقت للحفاظ على هذا الأثر الفريد.
كما أهدف إلى تقديم رؤية علمية متكاملة تجمع بين الخبرة العملية والأسس الأكاديمية، ليستفيد منها الزملاء في مجال ترميم الآثار، وكذلك الأجيال القادمة من المرممين والباحثين، وكل من يعشق الحضارة المصرية.
لقد كانت تجربتي مع تمثال أبي الهول رحلة علمية وثقافية وإنسانية، تعلمت خلالها الكثير عن تقنيات النحت عند المصري القديم، وأساليب الترميم الحديثة، إلى جانب التحديات البيئية والمناخية التي تهدد هذا الصرح العظيم.
وأضع بين أيديكم خلاصة هذه التجربة بكل ما تحمله من دروس مستفادة، إيمانًا مني بأن الحفاظ على التراث لا يتحقق إلا بالعلم، والخبرة، والتعاون بين جميع المتخصصين.
|