كتب/ محمود فرحات
لطالما ارتبطت صورة أميرات مصر القديمة في أذهان الكثيرين بالحياة الملكية الفاخرة، إلا أن الدراسات الأثرية الحديثة بدأت تكشف جانبًا آخر أكثر إثارة، يتمثل في مشاركة بعض نساء الأسرة المالكة في أنشطة بدنية عنيفة وعسكرية متقدمة، وربما في القتال نفسه..
ومن أهم هذه الدراسات المنشورة مؤخراً، البحث العلمي الذي أعدته الدكتورة زينب حشيش وفريقها البحثي، والذي تناول التحليل لعظام أربع أميرات من عصر الدولة الوسطى، عُثر على رفاتهن داخل المجمع الجنائزي الملكي في دهشور..
وقد قدمت الدراسة أدلة بيولوجية وأثرية قوية تشير على أن تلك الأميرات تلقين تدريبات عسكرية منتظمة، وأن الأسلحة التي دُفنت معهن لم تكن مجرد رموز للمكانة الاجتماعية أو هدايا جنائزية، بل كانت أسلحة استُخدمت بالفعل..
اعتمد الباحثون على تحليل نقاط ارتكاز العضلات على العظام، وهى من أهم المؤشرات التي يستخدمها علماء الأنثروبولوجيا البيولوجية لإعادة بناء نمط النشاط البدني في حياة الإنسان القديم.. وأظهرت النتائج أن عظام الأذرع والكتفين لدى الأميرات تحمل علامات واضحة لاستخدام عضلي مكثف ومتكرر، يتوافق مع ممارسة الرماية بالقوس، وحمل الأسلحة، والتدريب البدني المستمر.
وتوضح الدكتورة زينب حشيش (المؤلفة الرئيسية للدراسة) أن أفراد الأسرة المالكة بمن فيهم النساء، شاركوا في أنشطة تتطلب قوة بدنية ومهارات عالية، مثل الرماية والصيد، وهو ما انعكس بوضوح على تركيبهم العظمى.. كما أن هذا الدليل يتوافق مع طبيعة الأسلحة المكتشفة داخل مقابرهن، مما يعزز الرأي القائل بأنها كانت أدوات عملية وليست مجرد مقتنيات رمزية.
وتكشف الدراسة تفاصيل لافتة عن كل أميرة. فالأميرة (إيتا) والتي توفيت بين سن الثامنة والعشرين والرابعة والثلاثين، امتلكت بنية عضلية قوية في الجزء العلوي من الجسم، وهو ما يشير إلى استخدامها المنتظم لأسلحة مثل الهراوات والخناجر.
أما الأميرة (خينمت) والتي تراوح عمرها بين الثلاثين والأربعين عامًا، فقد أظهرت عظامها علامات الإصابة بترقق العظام، إلا أن قوة الأربطة ومواضع اتصال العضلات كشفت استمرارها في ممارسة أنشطة بدنية تتطلب جهدًا كبيرًا.
وفي المقابل تكشف بقايا الأميرة (إيتاورت) والتي توفيت وهي في مقتبل العمر، عن إصابات قديمة في الأضلاع والقدمين التأمت قبل الوفاة، مما يشير إلى تعرضها لحوادث أو تدريبات عنيفة نجت منها، بينما تؤكد آثار الإجهاد العضلي أنها كانت تمارس الرماية بصورة احترافية..
وتُعد هذه النتائج ذات أهمية كبيرة، لأنها تقدم دليلًا ماديًا مباشرًا على أن بعض نساء البلاط الملكي لم يقتصر دورهن على المهام الاحتفالية أو الدينية، بل امتلكن تدريبًا بدنيًا وعسكريًا حقيقيًا. كما تدفع هذه الاكتشافات إلى إعادة النظر في كثير من التصورات التقليدية عن مكانة المرأة في مصر القديمة..
ولا تعني هذه الأدلة بالضرورة أن جميع الأميرات شاركن في المعارك، لكنها تشير بوضوح إلى أن التدريب على استخدام السلاح كان جزءًا من إعداد بعض نساء الأسرة المالكة، سواء لأغراض الصيد الملكي، أو الدفاع، أو المشاركة في ظروف استثنائية.
إن ما كشفت عنه عظام الأميرات اليوم هو شهادة صامتة على أن المرأة المصرية القديمة كانت قادرة على الجمع بين المكانة الملكية والقوة البدنية والمهارة العسكرية، لتضيف فصلًا جديدًا إلى تاريخ الحضارة المصرية التي لا تزال تكشف عن أسرارها مع كل اكتشاف أثري جديد.. |