بقلم المهندس/ فاروق شرف
لم تكن القاهرة المملوكية مجرد مدينة تعج بالمساجد والمدارس والخوانق، بل كانت كتابًا مفتوحًا من الحجر، يروي سيرة السلاطين والأمراء الذين تركوا بصماتهم على صفحات التاريخ.
ومن بين هذه الصفحات يقف مسجد السلطان شاه بحي عابدين شاهدًا على حكاية أثرية فريدة، جمعت بين أمير مملوكي وسلطان عظيم، وبين البناء والاندثار ثم البعث من جديد.
* يقع المسجد في شارع غيط العدة بالقرب من قصر عابدين، في منطقة كانت يومًا جزءًا من الامتداد العمراني للقاهرة المملوكية.
* ويرجع أصل المسجد إلى الأمير سلطان شاه بن قرا، أمير الطبلخانة في عهد السلطان الأشرف شعبان بن حسين، والذي أنشأ مسجده سنة 767هـ / 1365م ليخدم سكان المنطقة وليحمل اسمه وفق تقاليد كبار الأمراء في ذلك العصر.
لكن الزمن لم يرحم البناء الأول، فبعد أكثر من قرن تعرض المسجد للضعف والتهدم، حتى جاء السلطان الأشرف قايتباي، ذلك السلطان الذي ارتبط اسمه بأجمل عمائر العصر المملوكي الجركسي، فأمر بهدم المسجد القديم وإعادة تشييده بالكامل سنة 880هـ / 1475م، ليولد المسجد من جديد في صورة معمارية أكثر نضجًا وإبداعًا، مع احتفاظه باسم مؤسسه الأول.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية...
* فالمسجد القائم اليوم ليس بناء الأمير سلطان شاه، بل هو في الحقيقة أحد آثار السلطان قايتباي المعمارية التي تحمل بصمته الفنية الدقيقة. ولهذا يعد المسجد نموذجًا مهمًا من نماذج عمارة أواخر العصر المملوكي، عندما بلغت العمارة الإسلامية في مصر ذروة نضجها الفني والهندسي.
* وتتجلى روعة المسجد في واجهته الحجرية المشيدة من الحجر الجيري المنحوت بعناية، ومدخله البارز ذي الطراز المملوكي المميز، ومئذنته الرشيقة التي تعكس فلسفة عمارة قايتباي القائمة على التوازن بين القوة والخفة. كما يضم المسجد محرابًا مزخرفًا ومنبرًا خشبيًا وعناصر زخرفية هندسية ونباتية وجصية تعبر عن الذوق الفني الراقي لذلك العصر.
* وقد اعتمد البناؤون على الحجر الجيري القادم من محاجر المقطم، مع استخدام المونة الجيرية التقليدية والأخشاب الطبيعية والجص والرخام، وهي مواد أثبتت قدرتها على البقاء لقرون طويلة رغم ما تعرضت له من عوامل التلف المختلفة.
* ومع مرور الزمن تعرض المسجد، شأنه شأن كثير من آثار القاهرة التاريخية، لعوامل قاسية من الرطوبة والأملاح والتلوث البيئي واهتزازات المرور والتعديات العمرانية، مما أدى إلى تدهور أجزاء من عناصره المعمارية والزخرفية.
لكن السؤال الذي ظل يتردد بين المهتمين بالآثار:
لماذا تأخرت أعمال الترميم الشامل للمسجد؟
والإجابة لا تكمن فقط في التمويل أو الدراسات الهندسية، بل في واحدة من أعقد المشكلات الأثرية التي تواجه المرممين عند التعامل مع المباني التاريخية المفككة.
فالمسجد يحتوي على أعمدة حجرية مركبة، يتكون العمود الواحد منها من عدة أسطوانات وكتل حجرية متراكبة، لكل قطعة أبعادها الخاصة وحالتها الإنشائية المختلفة عن باقي القطع.
ومع غياب التوثيق الدقيق لبعض مراحل الفك القديمة، أصبح من الضروري إجراء أعمال رفع معماري وتوثيق هندسي وأثري تفصيلي لكل حجر وكل جزء من أجزاء الأعمدة قبل التفكير في إعادة التركيب.
** ففي علم الترميم لا يكفي أن نعيد الحجر إلى مكانه، بل يجب أن نعرف موضعه الأصلي واتجاهه ووظيفته الإنشائية وعلاقته ببقية العناصر المعمارية.
ولهذا استغرقت الدراسات والتوثيق وقتًا طويلًا لضمان إعادة تركيب العناصر وفق أسس علمية صحيحة تحافظ على أصالة الأثر وقيمته التاريخية.
وهنا تتجلى واحدة من أهم قواعد الترميم الحديث:
"إن التوثيق الجيد نصف عملية الترميم."
فالحجر الذي ظل قائمًا أكثر من خمسة قرون يستحق أن يعود إلى مكانه الصحيح، لا إلى مكان يشبهه فقط.
واليوم يظل مسجد السلطان شاه شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ القاهرة المملوكية، وعلى عبقرية السلطان قايتباي الذي أعاد بناءه، كما يظل مثالًا حيًا على أن الحفاظ على الأثر ليس مجرد أعمال بناء أو صيانة، بل هو علم دقيق يجمع بين التاريخ والهندسة والعمارة والترميم.
** وأخيرآ .. أقرأ الفاتحةوالترحم على الصديق والزميل احمد حسن الذى فك الشفرة.
|