الخميس, 30 يوليو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

طلعت حرب... الرجل الذي غيّر وجه الحياة في مصر
حكاية رقم (٢٦)

طلعت حرب... الرجل الذي غيّر وجه الحياة في مصر
حكاية رقم (٢٦)
عدد : 07-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
مدير مشروع ترميم تماثيل الميادين


كم مرة مررت بميدان طلعت حرب في وسط القاهرة؟
وكم مرة نظرت إلى ذلك الرجل الواقف في هدوء فوق قاعدته الحجرية، دون أن تسأل نفسك:
من هذا الذي استحق أن يحمل أحد أشهر ميادين مصر اسمه؟
ومن هذا الذي أقامت له القاهرة تمثالًا في قلبها، ليظل شاهدًا على قصة كفاح لم تكن بالسلاح ولا بالسياسة وحدهما، بل بالاقتصاد والعمل والإيمان بقدرة المصريين على بناء وطنهم بأيديهم؟


الحكاية تبدأ قبل أكثر من قرن ونصف...

في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1867 وُلد محمد طلعت حسن محمد حرب، الذي سيعرفه التاريخ فيما بعد باسم: طلعت حرب باشا، أو كما يلقبه المؤرخون: أبو الاقتصاد المصري الحديث.


في ذلك الزمن كانت مصر تعيش تحت سيطرة اقتصادية أجنبية شبه كاملة، فالمصارف الكبرى والشركات والمؤسسات الاقتصادية المهمة كانت في أيدي الأجانب، بينما كان المصري يعمل ويكدح دون أن يمتلك أدوات اقتصاده أو يتحكم في مقدرات بلاده.
كبر طلعت حرب وهو يدرك هذه الحقيقة المؤلمة.


درس الحقوق وتخرج عام 1889، وعمل في عدد من الوظائف الإدارية والقانونية المهمة، لكنه كان يحمل في عقله مشروعًا أكبر من أي وظيفة.
- كان يحلم بأن يرى اقتصاد مصر في أيدي المصريين.
- وكان يعلم أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا باستقلال اقتصادي.
ومن هنا بدأت الفكرة...
فكرة بدت للكثيرين آنذاك أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.

- أن يكون لمصر بنك يحمل اسمها ويديره أبناؤها ويمول مشروعاتها الوطنية.
وبعد نجاح ثورة 1919 وارتفاع الروح الوطنية بين المصريين، وجد طلعت حرب اللحظة المناسبة لتحقيق حلمه الكبير.
- وفي عام 1920 وُلد بنك مصر.
لم يكن مجرد بنك...
بل كان بداية مشروع نهضة اقتصادية كاملة.
فما إن تأسس البنك حتى بدأت الشركات الوطنية تظهر تباعًا.
- شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى.
- شركة مصر للنقل البري.
- شركة مصر للنقل النهري.
- شركة مصر للتأمين.
- شركة مصر للمناجم والمحاجر.
- شركة مصر للبترول.
- شركة مصر للسياحة.


بل وحتى شركة مصر للطيران التي أصبحت أول شركة طيران في الشرق الأوسط.
وكان يؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المصانع.
- فأنشأ مطبعة مصرية وطنية لدعم الثقافة والفكر.
- كما آمن بقوة الفن والسينما في تشكيل وعي الشعوب، فأسس شركة مصر للتمثيل والسينما، ثم أقام ستوديو مصر الذي أصبح أحد أهم الصروح الفنية في تاريخ السينما العربية.
لقد كان ينظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة متكاملة.
- مصنعًا ومدرسة. - كتابًا ومسرحًا.
- طائرة وسفينة. - عاملًا وفنانًا.
- وطنًا يتحرك إلى الأمام.


لكن الطريق لم يكن سهلًا.فمع اتساع مشروعاته الوطنية واجه ضغوطًا هائلة من المصالح الأجنبية التي لم تكن ترى بعين الرضا قيام اقتصاد وطني مستقل.


وفي عام 1940 تعرض بنك مصر لأزمة مالية عنيفة، وتعرض طلعت حرب لضغوط سياسية واقتصادية كبيرة انتهت باستقالته من البنك الذي أسسه بجهده وفكره.


وبعد عام واحد فقط...
رحل الرجل عن الدنيا في أغسطس 1941. لكن الأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها. ولهذا بقيت شركاته ومؤسساته شاهدة على مشروع وطني غير وجه الاقتصاد المصري لعقود طويلة.


وعندما أرادت الدولة المصرية تكريم هذا الرجل الاستثنائي، صدر القرار بوضع تمثال له في قلب القاهرة.


وفي عام 1960 تحول اسم ميدان سليمان باشا إلى ميدان طلعت حرب، ونُصب التمثال في موقعه الحالي ليصبح أحد أشهر معالم وسط القاهرة.

وقد أبدع في نحته الفنان المصري الكبير فتحي محمود، أحد أبرز تلاميذ المثال العظيم محمود مختار.
فجاء التمثال معبرًا عن شخصية صاحبه.
- وقفة واثقة. - ملامح هادئة.
- ونظرة تتطلع إلى المستقبل.


وكأن الرجل ما زال يراقب من فوق قاعدته حركة الحياة في القاهرة التي أحبها وعمل من أجل نهضتها.
والحقيقة أن قيمة هذا التمثال لا تكمن في البرونز الذي صُنع منه...بل فيما يرمز إليه.

فهو يخلد رجلًا أثبت أن بناء الأوطان لا يكون فقط في ساحات القتال، بل أيضًا في المصانع والبنوك والمدارس والموانئ وشركات الطيران.

ولهذا لم يصبح طلعت حرب مجرد اسم في كتاب التاريخ. بل تحول إلى مدرسة وطنية كاملة. مدرسة تقول إن الأمم القوية تُبنى بالعلم والعمل والإنتاج والإرادة.

وعندما تمر يومًا بميدان طلعت حرب...لا تنظر إلى التمثال باعتباره أثرًا فنيًا فحسب.بل انظر إليه باعتباره شاهدًا صامتًا على رجل حلم بمصر قوية اقتصاديًا...فترك وراءه مشروع وطن ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.

ويبقى السؤال:إذا كان تمثال الميدان يخلد ذكرى الرجل...فهل ما زلنا نحافظ على الحلم الذي عاش ومات من أجله طلعت حرب؟
 
 
الصور :