السبت , 31 أكتوبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

أسود قصر النيل...حراسٌ صامتون شهدوا تحولات الوطن
الحكاية رقم (٢٨)

أسود قصر النيل...حراسٌ صامتون شهدوا تحولات الوطن
الحكاية رقم  (٢٨)
عدد : 07-2026
كتب المهندس/ فاروق شرف
مدير مشروع ترميم تماثيل الميادين

أسود قصر النيل... ليست مجرد تماثيل برونزية تتزين بها مداخل الجسر، بل حراسٌ صامتون شهدوا تحولات الوطن، وراقبوا تغير وجه القاهرة جيلاً بعد جيل، حتى تحولت قصتهم إلى أسطورة من البرونز ما زالت تُروى حتى اليوم... حكاية.


كم مرة عبرت كوبري قصر النيل؟

وكم مرة توقفت أمام تلك الأسود البرونزية العملاقة التي تقف في شموخ على جانبي الكوبري، تتحدى الزمن منذ أكثر من قرن؟
ربما التقطت صورة بجوارها... وربما مررت أمامها عشرات المرات...لكن هل سألت نفسك يومًا: من الذي صنع هذه الأسود؟ ولماذا جاءت من فرنسا إلى مصر؟ وهل صحيح أن نحاتها انتحر بسبب خطأ اكتشفه طفل صغير؟

الحكاية تبدأ في القرن التاسع عشر...

عندما عاد الخديوي إسماعيل من رحلاته الأوروبية مبهورًا بعظمة ميادين باريس ولندن وروعة ما تضمه من تماثيل ونُصب تذكارية تجسد تاريخ الأمم ورموزها.

كان حلمه أن يجعل القاهرة قطعة من أوروبا دون أن تفقد هويتها المصرية.

فبدأ مشروعًا عمرانيًا هائلًا غيّر وجه القاهرة إلى الأبد، وشمل الشوارع والحدائق والقصور والكباري والتماثيل.

وفي إطار هذا المشروع كُلّف النحات الفرنسي الشهير ألفريد جاكمار، أحد أعظم نحاتي الحيوانات في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، بتنفيذ أربعة تماثيل ضخمة من البرونز على هيئة أسود.

ولم يكن الاختيار عشوائيًا... فالأسد منذ فجر التاريخ المصري رمز للقوة والحماية والسيادة.
وقد عرفه المصري القديم في تماثيل أبي الهول والأسود الحارسة لمداخل المعابد والقصور.
ولهذا جاءت الأسود الأربعة وكأنها امتداد حديث لتقليد مصري عريق يعود لآلاف السنين.
صُنعت التماثيل في فرنسا بدقة فنية استثنائية، ثم شُحنت بحرًا إلى الإسكندرية قبل نقلها إلى القاهرة.
وتشير الوثائق إلى أن تكلفتها بلغت نحو مائتي ألف فرنك تقريبًا، وهو مبلغ ضخم للغاية بمقاييس ذلك العصر.
لكن المفاجأة التي لا يعرفها كثيرون...
أن هذه الأسود لم تُصنع في الأصل لتقف فوق كوبري قصر النيل.
فبعض الدراسات التاريخية تشير إلى أنها كانت مخصصة لمشروع آخر ضمن مشروعات التجميل الكبرى التي شهدتها القاهرة الخديوية، ثم استقر الرأي في النهاية على وضعها عند مداخل كوبري قصر النيل لتصبح رمزًا بصريًا للقاهرة الحديثة.
وهكذا وقف أسدان عند كل مدخل من مداخل الكوبري الأربعة، يراقبون حركة المدينة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا.
ومع مرور الزمن...
أصبحت الأسود جزءًا من الذاكرة الوطنية للمصريين.
شهدت مواكب الملوك.
ورأت الاحتلال البريطاني.
وعاشت ثورة 1919.
وشاهدت قيام الجمهورية.
وعبرت أمامها أجيال متعاقبة من المصريين والسياح.
أما الحكاية الشهيرة التي تتردد كثيرًا عن انتحار النحات الفرنسي بعد أن أشار طفل إلى أن الأسود بلا شوارب...
فهي من الروايات الشعبية الطريفة التي انتشرت بين الناس، لكنها لا تستند إلى دليل تاريخي موثق.
فالمصادر المعروفة عن حياة النحات ألفريد جاكمار لا تذكر شيئًا عن هذه الواقعة، كما أن الفنان عاش سنوات طويلة بعد إنجاز هذه الأعمال الفنية.
لكن جمال الحكاية الشعبية يكمن في أنها تعكس مدى ارتباط المصريين بأسود قصر النيل حتى أصبحت جزءًا من التراث الشفهي للمدينة.
ومن الناحية الفنية...
فإن الأسود الأربعة تُعد من أروع نماذج النحت البرونزي الأوروبي في مصر.
وتتميز بدقة تشريح العضلات وقوة التعبير والحركة الهادئة التي تجمع بين الهيبة والوقار.
ولهذا لم تعد مجرد تماثيل تزين كوبريًا تاريخيًا.
بل تحولت إلى أحد أشهر رموز القاهرة الحديثة.
والحقيقة أن كثيرًا من الزائرين يلتقطون الصور مع الأسود دون أن يدركوا أنهم يقفون أمام شاهد فني وتاريخي تجاوز عمره المائة والخمسين عامًا.
شاهد رأى القاهرة تتغير عشرات المرات...
وبقي هو في مكانه.
يحرس النيل.
ويراقب المدينة.
ويحكي بصمت قصة عصر كامل من تاريخ مصر الحديثة.
ويبقى السؤال...
لو استطاعت أسود قصر النيل أن تتحدث ليوم واحد فقط...
فكم حكاية من حكايات القاهرة القديمة ستروي لنا؟
 
 
الصور :