كتب المهندس/ فاروق شرف
هذه الرؤية خاصة بي وبالأستاذ الدكتور حسن فهمي ( رحمة الله عليه) من خلال أكثر من مناقشة علمية تمت بمكتبه بالدقي، حيث كان الحوار دائمًا حول عبقرية المصري القديم في الربط بين الفكر الهندسي والعمارة والعقيدة، وكيف أن كل حجر في آثارنا يحمل وراءه قصة علمية تحتاج إلى قراءة متأنية.
* عند دراسة المقبرة الجنوبية للملك زوسر داخل مجموعته الجنائزية بسقارة، فإننا لا ننظر إليها فقط كعنصر رمزي مرتبط بعقيدة الخلود، ولكن يمكن قراءتها أيضًا من منظور هندسي وإنشائي باعتبارها تجربة مبكرة سبقت تنفيذ أول بناء حجري ضخم في التاريخ.
فالمهندس المصري القديم قبل أن يرفع كتلة الهرم المدرج إلى ارتفاع يقارب 60 مترًا، كان يحتاج إلى معرفة دقيقة بطبيعة الموقع، وخصائص الهضبة الصخرية، وقدرة الطبقات الجيولوجية على تحمل الأحمال الهائلة.
ومن هنا تأتي أهمية المقبرة الجنوبية؛ فقد مثلت حفرًا عميقًا داخل الصخر وصل إلى نحو 30 مترًا، مما أتاح دراسة طبيعة الطبقات الحجرية، والتعرف على تجانس الصخور، ومناطق الضعف والفواصل الطبيعية داخل الحجر الجيري.
كما أن تنفيذ الممرات والحجرات المنحوتة في أعماق الهضبة كان بمثابة اختبار عملي لقدرة الصخر على مقاومة الضغوط، ودراسة سلوك الأسقف والجوانب الصخرية، وكيفية تأمين الفراغات الداخلية تحت سطح الأرض.
أما وجود التابوت الجرانيتي الضخم داخل بئر الدفن، فيمثل جانبًا هندسيًا بالغ الأهمية؛ لأنه يعكس قدرة المصري القديم على التعامل مع الأحجار الصلبة والثقيلة، ونقلها وتركيبها داخل فراغ عميق بدقة شديدة، وهي خبرة ستظهر لاحقًا في العديد من المنشآت الملكية الكبرى.
كما أن التشابه بين بعض عناصر المقبرة الجنوبية وعناصر الهرم المدرج، سواء في التخطيط الداخلي أو استخدام القيشاني الأزرق، يشير إلى وجود ارتباط فكري وتقني بينهما، وكأن هذه المقبرة كانت مرحلة من مراحل تطور الفكر المعماري قبل الوصول إلى الشكل الهرمي الكامل.
* ومن هنا يمكن القول إن المقبرة الجنوبية كانت تجمع بين وظيفتين متكاملتين: الأولى: وظيفتها العقائدية كجزء من منظومة الخلود للملك زوسر. والثانية: دورها الهندسي كخبرة عملية ساعدت في فهم الموقع والصخر وتقنيات الحفر والبناء.
وخلال مناقشات علمية مع عدد من المتخصصين في علم الآثار، طُرح تساؤل مهم: إذا كان بئر الدفن الرئيسي موجودًا داخل الهرم المدرج، فما الوظيفة الحقيقية للمقبرة الجنوبية بكل عناصرها ومكوناتها؟
وكان التفسير الأثري الشائع أنها جزء من الفكر الجنائزي للملك زوسر، وقد ارتبطت بحفظ الأحشاء والرموز الملكية والأشياء المرتبطة بالطقوس الجنائزية، مع وجود ارتباط معماري بينها وبين الهرم المدرج.
أما من المنظور الهندسي، فهناك قراءة أخرى ترى أن المقبرة الجنوبية قد تكون مثلت مرحلة استكشافية مبكرة للموقع؛ إذ إن حفر بئر عميق داخل الهضبة واختراق طبقاتها الصخرية أتاح للمهندس المصري القديم دراسة طبيعة الأرض، وخصائص الصخور، ومدى قدرتها على تحمل الأحمال قبل البدء في تنفيذ الهرم المدرج كأول بناء حجري ضخم في التاريخ.
وبذلك يمكن النظر إلى المقبرة الجنوبية باعتبارها نقطة التقاء بين الفكر العقائدي والهندسي؛ أثرًا يحمل رسالة الخلود، وفي الوقت نفسه يكشف عن عقل معماري كان يدرس الأرض قبل أن يبني فوقها. :::
هذا المكان يجعل الفكرة تظهر كـ اجتهاد هندسي مبني على قراءة للموقع وليس كبديل للتفسير الأثري، وهذا يعطيها قوة علمية واحترامًا أكبر أمام المتخصصين.
إن عبقرية المصري القديم لم تكن في بناء الحجر فقط، بل في قراءة الأرض قبل أن يبني فوقها... فكان يدرس الصخر كما يدرس المهندس المعاصر موقعه، ويخطط للمستقبل قبل أن يضع أول حجر.
ولهذا تبقى المقبرة الجنوبية واحدة من أعمق الحكايات المختبئة داخل مجموعة زوسر؛ أثر لا يحكي فقط عن الموت والخلود، بل عن عقل هندسي سبق عصره بآلاف السنين.
حكاية وراء أثر... حيث يتكلم الحجر بلغة العلم.
|