كتب/فاروق شرف
مدير مشروع الترميم
حكاية الزعيم الذي أيقظ روح الوطن... فصنع له المصريون تمثالًا من الوفاء لا من البرونز، لأنه لم يكن مجرد رجلٍ عابر في التاريخ، بل كان قصة وطنٍ كاملة اسمها مصطفى كامل.
كم مرة مررت بجوار تمثال الزعيم مصطفى كامل في قلب القاهرة؟
وكم مرة رفعت عينيك إليه لتسأل: من هذا الرجل الذي ما زال يقف شامخًا فوق قاعدته منذ عشرات السنين؟ ومن الذي صنع هذا التمثال؟ ولماذا قرر المصريون أن يخلدوه في أحد أشهر ميادين العاصمة؟
الحكاية تبدأ في قرية صغيرة بمحافظة الغربية...
* في الأول من رجب سنة 1291هـ الموافق 14 أغسطس 1874م، وُلد مصطفى كامل بقرية كتامة الغابة التابعة لمركز بسيون، لأبٍ كان ضابطًا بالجيش المصري. ولم يكن أحد يتوقع أن يصبح هذا الطفل بعد سنوات قليلة أحد أشهر رموز الحركة الوطنية المصرية.
* منذ صغره ظهرت عليه علامات الذكاء والجرأة والثقة بالنفس، فالتحق بالمدرسة الخديوية، التي كانت آنذاك من أرقى المدارس المصرية، وهناك بدأ يمارس الخطابة ويقود زملاءه في مناقشات وطنية وأدبية كشفت مبكرًا عن شخصية استثنائية.
* ولم يكد يبلغ السادسة عشرة حتى حصل على الشهادة الثانوية، ثم التحق بمدرسة الحقوق عام 1891م، حيث أتقن اللغة الفرنسية، وبدأ رحلته في الدفاع عن القضية المصرية داخل الوطن وخارجه، حتى أصبح صوته من أكثر الأصوات الوطنية تأثيرًا في مطلع القرن العشرين.
لكن المدهش أن مصطفى كامل لم يعش طويلًا...
فقد رحل عام 1908م وهو لم يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره.
ورغم قصر حياته، ترك أثرًا يفوق أعمارًا طويلة، حتى شعر المصريون بعد رحيله أنهم فقدوا رمزًا وطنيًا كبيرًا أعاد إيقاظ الروح الوطنية في نفوسهم.
وكانت مصر وقتها تعيش حالة فريدة من النهضة الوطنية.
فالشعب كان يكتتب من أمواله الخاصة لإنشاء المشروعات القومية الكبرى؛ فساهم في تأسيس الجامعة الأهلية، ودعم إنشاء بنك مصر، وشارك في إقامة تمثال نهضة مصر، ولم يكن غريبًا أن يهب المصريون أيضًا لتخليد ذكرى مصطفى كامل.
وهكذا بدأت حملة اكتتاب شعبية واسعة لإقامة تمثال للزعيم الوطني.
لم يكن مشروع حكومة... ولا قرار سلطة... بل كان مشروع شعب أحب رجلًا دافع عن وطنه حتى آخر يوم في حياته.
وتولى الزعيم الوطنى محمد فريد الإشراف على تنفيذ المشروع، وتم الاتفاق مع النحات الفرنسي الشهير "ليوبولد سافين" لإنجاز التمثال في أوروبا.
وبعد اكتماله أُرسل إلى مصر، إلا أن الظروف السياسية حالت دون الكشف عنه فور وصوله، فظل محفوظًا لفترة حتى تقرر إزاحة الستار عنه في احتفال وطني كبير تخليدًا لذكراه.
ويُعد التمثال من الأعمال الفنية المميزة في تاريخ النحت الحديث بمصر.
فقد صُنع من جزأين رئيسيين، ويظهر فيه مصطفى كامل مرتديًا ملابسه الرسمية، واقفًا وقفة الخطيب الواثق من رسالته، مستندًا بيده اليسرى إلى تمثال أبي الهول، بينما ترتفع سبابة يده اليمنى في إشارة رمزية إلى الوطن، وكأن صوته ما زال يتردد:
«بلادي... بلادي... لكِ حبي وفؤادي».
ولم يكن اختيار الموقع عشوائيًا.
فقد أقيم التمثال في الميدان الذي يحمل اسمه اليوم، عند تقاطع شارعي محمد فريد وقصر النيل بوسط القاهرة، وسط مجموعة من المباني التاريخية التي شهدت جانبًا مهمًا من تاريخ مصر الحديث.
وعلى قاعدة التمثال نُقشت بعض من أشهر عباراته التي لا تزال حاضرة في الوجدان المصري، ومنها:
• لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا. • لا يأس مع الحياة ولا معنى للحياة مع اليأس. • الأمل هو دليل الحياة والطريق إلى الحرية. • أحرارًا في أوطاننا كرماء مع ضيوفنا. • إن الأمة التي لا تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع أمة محكوم عليها بالتبعية والفناء.
وربما لا يعرف كثيرون أن للزعيم مصطفى كامل متحفًا بمنطقة الخليفة بالقرب من ميدان صلاح الدين، مديرته الصديقة الفاضلة الدكتورة / نادية أحمد صاحب الخبرة الكبيرة فى الادارة العملية والثقافية.
كما لا يزال منزله قائمًا بحي الخليفة ايضا بالقرب من شارع الصليبة، شاهداً على حياة أحد أبرز أبناء مصر في العصر الحديث.
والحقيقة...
أن تمثال مصطفى كامل ليس مجرد كتلة من البرونز فوق قاعدة حجرية.
إنه رسالة وطنية صامتة.
رسالة تذكرنا بأن بعض الرجال قد يرحلون مبكرًا، لكن أفكارهم تبقى حية بين الناس، وأن الأمم العظيمة لا تخلد أبطالها بالكلمات فقط، بل تحفظ ذكراهم في ميادينها ووجدان أبنائها.
ولهذا ظل مصطفى كامل واقفًا في قلب القاهرة...
لا يخطب في الجماهير كما كان يفعل قديمًا،
بل يترك لتاريخه أن يتحدث نيابة عنه.
فهل ما زلنا نقرأ رسالته كما قرأها المصريون قبل أكثر من قرن؟ |