الخميس, 30 يوليو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

التماثيل... حكايات مخبأة في ميادين القاهرة
الحكاية رقم (٢٤)

التماثيل... حكايات مخبأة في ميادين القاهرة
الحكاية رقم (٢٤)
عدد : 06-2026
بقلم المهندس/ فاروق شرف
مدير مشروع ترميم وصيانة تماثيل الميادين



كم مرة مررنا في ميادين القاهرة الكبرى أمام تمثال شامخ يتوسط الميدان، ثم مضينا في طريقنا دون أن نتوقف لنسأل:
من هذا الرجل؟
ولماذا اختير هذا المكان تحديدًا؟
ومن صاحب الفكرة؟
ومن الفنان الذي أبدع هذا العمل؟
وما الرسالة التي أرادت الدولة والمجتمع أن تبعثها للأجيال من خلال هذا التمثال؟

* الحقيقة أن تماثيل الميادين ليست مجرد كتل من البرونز أو الحجر تعلو قواعد مرتفعة، بل هي صفحات مفتوحة من تاريخ الوطن، تقف صامتة لكنها تروي حكايات طويلة من الكفاح والعلم والفن والسياسة.
فكل تمثال أقيم في ميدان عام لم يوضع مصادفة، بل جاء بعد دراسة ورؤية ورسالة أراد المجتمع أن يحتفظ بها في ذاكرته البصرية، لتظل حاضرة أمام أعين الناس كل يوم.
ولهذا تمتلئ ميادين القاهرة والإسكندرية ومدن مصر المختلفة بتماثيل الزعماء والمفكرين والعلماء والأدباء والفنانين وقادة الحركة الوطنية الذين أسهموا في تشكيل تاريخ مصر الحديث خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

* إن التمثال في الميدان ليس تكريمًا لشخص فقط، بل هو تكريم لفكرة.
- فتمثال الزعيم يرمز إلى الوطنية.
- وتمثال العالم يرمز إلى المعرفة.
- وتمثال الفنان يرمز إلى الإبداع.
- وتمثال القائد يرمز إلى التضحية.
ومن هنا أصبحت تماثيل الميادين نوعًا من الوثائق التاريخية المرئية التي تقرأها الأعين قبل الكتب.

* كما أن قواعد هذه التماثيل وما تحمله أحيانًا من نقوش أو رليفات أو كتابات تذكارية، تمثل سجلاً مختصرًا لفترة تاريخية كاملة، وقد تحمل مشاهد وطنية أو أحداثًا كبرى أو رموزًا سياسية تعبر عن روح العصر الذي أُقيم فيه التمثال.

* ومن الناحية العمرانية، تؤدي التماثيل دورًا بالغ الأهمية في تشكيل الفراغ المعماري للمدينة، فهي نقطة جذب بصري، وعنصر يربط بين الطرق والمحاور والميادين، ويساهم في منح المكان شخصيته الخاصة وهويته المميزة.

* ولهذا نجد أن اختيار موقع التمثال لا يقل أهمية عن اختيار الشخصية نفسها.
فقد يقام التمثال بالقرب من مكان عاش فيه صاحبه، أو في ميدان ارتبط بأحداث شارك فيها، أو أمام مؤسسة تمثل المجال الذي أبدع فيه.

* لكن هناك حقيقة قد لا يعرفها كثيرون...
أن معظم هذه التماثيل أصبحت اليوم آثارًا تاريخية في حد ذاتها.
فكما ندرس الآن تماثيل الحكام والملوك في العصور القديمة، سيأتي يوم يدرس فيه الباحثون تماثيل ميادين القاهرة باعتبارها وثائق فنية وثقافية تعبر عن مصر في القرن التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين.
وسيبحثون في ظروف إنشائها، والفنانين الذين نفذوها، والاتجاهات الفنية التي ظهرت فيها، والرسائل السياسية والثقافية التي حملتها.
إن التمثال لا يحفظ ملامح صاحبه فقط...
بل يحفظ ملامح العصر كله.
ولهذا فإن النظر إلى تمثال في ميدان عام ينبغي ألا يكون نظرة عابرة، لأن خلف كل تمثال حكاية...
وخلف كل قاعدة قصة...
وخلف كل وجه من البرونز أو الحجر تاريخ كامل من الأحلام والانتصارات والتحديات.

* والسؤال الذي يطرح نفسه:
كم تمثالًا مررنا به في حياتنا دون أن نعرف الحكاية التي يقف من أجلها منذ عشرات السنين؟
وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لاكتشاف مدينة نعيش فيها كل يوم... ولا نعرف أسرارها.
 
 
الصور :