بقلم المهندس/ فاروق شرف
إستشاري الترميم بالمشروع
عضو الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية
في أعماق هضبة سقارة… وعلى عمق يزيد عن ثلاثين مترًا أسفل سطح الأرض… كانت تقع واحدة من أخطر مناطق العمل الأثري والترميمي في العالم: غرفة دفن الملك زوسر.
هناك… حيث البئر الرأسي العملاق… وحيث التابوت الجرانيتي الفريد… وحيث السقف الحجري المعلق فوق رؤوس العاملين، والذي كان يكفي انهيار جزء صغير منه لحدوث كارثة إنشائية وبشرية هائلة.
فبعد زلزال عام 1992م… تعرض سقف غرفة الدفن لأضرار بالغة، وسقطت منه عشرات الأطنان من الأحجار المختلفة الأحجام فوق التابوت الجرانيتي، مما أدى إلى حدوث كسور ببعض مكوناته، وانهيار عدد كبير من القواعد الحجرية الحاملة له.
ولم يكن الخطر في الأحجار التي سقطت فقط… بل في الأحجار التي بقيت معلقة أعلى البئر، في حالة اتزان حرج للغاية، وكأنها تنتظر أي حركة خاطئة حتى تنهار بالكامل.
بدأت الأعمال أولًا بإزالة الرديم المتراكم داخل غرفة الدفن والبئر الرأسي يدويًا، وذلك حفاظًا على الأثر ومنعًا لحدوث أي اهتزازات إضافية قد تؤثر على استقرار التابوت أو سقف الغرفة.
وكانت عملية النقل تتم عبر الممرات السفلية التي سبق تنظيفها وتدعيمها وتأمينها، في واحدة من أكثر بيئات العمل صعوبة داخل أي مشروع ترميم أثري.
ومع الكشف التدريجي عن التابوت الجرانيتي… ظهرت الحقيقة الأخطر. فقد تبين أن التابوت نفسه يعاني من حالة عدم اتزان إنشائي نتيجة سقوط كتل الأحجار فوقه عبر العصور، مما استدعى تنفيذ أعمال تأمين عاجلة ومؤقتة للرديم أسفل التابوت، إلى حين إعادة دراسة نظام الاتزان بالكامل.
ولم تتوقف الدراسات عند حدود المعاينة البصرية فقط… بل تم إجراء: — مسح راداري لأرضية غرفة الدفن حتى عمق 20 مترًا. — دراسات جيوتقنية وجيوهندسية دقيقة. — قياسات مساحية وإنشائية لأحجار السقف والبئر. — وتحاليل لتحديد قدرة الأرضية الصخرية على تحمل السقالات وأعمال التدعيم.
أما التابوت الجرانيتي… فقد تم تأمينه باستخدام: الأخشاب العزيزي والدعامات الصلب التليسكوبية في نظام إحاطة كامل من الجوانب الأربعة، حتى آخر مدماك، في عملية تأمين تُشبه العمليات الجراحية الدقيقة لإنقاذ مريض في حالة حرجة.
لكن… ظل التحدي الأكبر قائمًا: كيف يمكن ترميم سقف غرفة الدفن نفسه؟
ذلك السقف الذي تبلغ مساحته نحو: 7 × 7 متر، ويحمل فوقه ملايين الأحجار المكونة لجسم الهرم المدرج بارتفاع يقارب 60 مترًا.
وكانت المفاجأة الهندسية المذهلة… أن السقف لم يسقط بالكامل رغم كل تلك الانهيارات، بل كوّن عبر الزمن ما يُعرف هندسيًا بـ: “الاتزان العقدي” نتيجة تشابك الأحجار وانضغاطها فوق بعضها بطريقة عبقرية، وهو ما ساهم في بقاء السقف قائمًا حتى لحظة الترميم.
ومن هنا… جاء القرار الأخطر: عدم هدم السقف، بل الحفاظ على هذا الاتزان وتقويته وتدعيمه باعتباره جزءًا أصيلًا من سلوك الهرم الإنشائي عبر آلاف السنين.
ولتنفيذ ذلك… أُقيمت سقالات معدنية خاصة ترتكز على الأرضية الصخرية لقاع غرفة الدفن، دون أي تحميل على التابوت الأثري نفسه، مع إنشاء مناسيب عمل خشبية لتأمين حركة الفنيين والمهندسين داخل هذا الفراغ العميق شديد الخطورة.
أما المرحلة الأكثر تقدمًا وإثارة… فكانت استخدام: الدعائم والوسائد الهوائية.
وهي تقنيات أمان عالية الدقة تُستخدم عالميًا في أخطر بيئات العمل، حيث تُوضع الوسائد الهوائية أسفل مناطق العمل لتقليل خطر الإصابات أو الصدمات المفاجئة أثناء التعامل مع الأحجار المعلقة.
وقد جرى اختيار هذه الوسائد وفق حسابات دقيقة: — لتحمل الأوزان. — وتغطية مناطق الخطر. — والعمل داخل فراغات محدودة للغاية. مع متابعة مستمرة لأي تغيرات أو تحركات بالأحجار أثناء التنفيذ.
ولم يكن هذا العمل مجرد ترميم سقف… بل كان مواجهة مباشرة مع الزمن والجاذبية والانهيار.
هنا… لم يكن العامل يعمل أسفل سقف عادي، بل أسفل أول بناء حجري عرفته الإنسانية.
وكل حجر كان يحمل فوقه: أربعة آلاف وسبعمائة عام من التاريخ.
الحقيقة… أن عبقرية المصري القديم لم تكن فقط في بناء الهرم، بل في الطريقة التي جعلته يصمد حتى يأتي يوم… يقف فيه أبناء هذا الوطن مرة أخرى، ليمنحوه فرصة جديدة للحياة.
وهكذا… تحولت غرفة الدفن من مكان يهدده الانهيار، إلى واحدة من أعقد وأعظم عمليات الترميم الأثري والإنشائي في العالم، لتظل سقارة… تهمس دائمًا: أن الحجر في مصر… ليس مجرد حجر.
|