بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتعانق الحجارة القديمة مع أصوات الحياة اليومية، يقف مسجد صغير في حجمه عظيم في قيمته التاريخية والمعمارية... إنه جامع الفكهاني أو الجامع الأفخر، أحد الشواهد الباقية على عبقرية العمارة الفاطمية، والذي يحمل بين جدرانه حكاية تمتد لأكثر من ثمانية قرون، تجمع بين التاريخ والدين والعمران الشعبي.
فعندما تمر بشارع المعز لدين الله الفاطمي بمنطقة الغورية، قد لا تدرك أن هذا البناء الهادئ يخفي خلف بساطته صفحات من تاريخ القاهرة؛ فقد كان شاهدًا على تغير العصور، من الدولة الفاطمية إلى الأيوبية والمملوكية ثم العثمانية، محتفظًا بروحه المعمارية رغم ما مر به من أحداث.
حكاية رقم(٣٣)
""""""""""""""""""""
البداية الفاطمية... ميلاد الجامع الأفخر.
* أنشئ الجامع في عهد الخليفة الفاطمي الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله سنة 543هـ / 1148م، ليكون جزءًا من النسيج الديني والعمراني للقاهرة الفاطمية.
* وقد عُرف رسميًا باسم الجامع الأفخر، بينما ارتبط اسمه الشعبي باسم "جامع الفكهاني" بسبب رواية شعبية متداولة عن رجل صالح كان يعمل في بيع الفاكهة، اشتهر بالكرم والعطاء، وقيل إنه كان يوزع من قنطار الفاكهة على الناس دون أن ينقص منه شيء، حتى ارتبط اسمه بالمسجد في ذاكرة أهل القاهرة.
وهكذا امتزج التاريخ بالرواية الشعبية، فأصبح للمكان اسم رسمي تحفظه الكتب، واسم آخر تحفظه قلوب الناس.
عبقرية المسجد المعلّق... عندما اجتمع الدين والاقتصاد.
* يُعد جامع الفكهاني من المساجد التي تنتمي إلى طراز المساجد المعلقة، وهي فكرة معمارية مميزة في القاهرة الإسلامية؛ حيث يرتفع جزء من المسجد فوق حوانيت ومحلات تجارية أسفله.
ولم يكن هذا الأسلوب مجرد حل إنشائي، بل كان يحمل فكرًا اقتصاديًا متقدمًا؛ فالمحلات كانت مصدر دخل ووقف يساعد على استمرار خدمة المسجد وصيانته، في نموذج رائع لتكامل العبادة مع الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
طبقات التاريخ على جدران المسجد.
* لم يبق الجامع على حاله منذ إنشائه، فقد مرت عليه عصور مختلفة تركت بصماتها عليه.
ففي العصر الأيوبي تعرض عدد من المساجد الفاطمية للإغلاق نتيجة الظروف السياسية والمذهبية، وكان جامع الفكهاني من بينها.
ثم عاد الاهتمام به في العصر المملوكي، حيث قام الأمير يشبك بن مهدي من أمراء السلطان الأشرف قايتباي بأعمال تجديد وزخرفة، كما أزيلت بعض المباني التي كانت تحجب رؤية المسجد وتؤثر على حضوره العمراني.
* وفي العصر العثماني أعيد تجديده سنة 1148هـ / 1736م على يد الأمير أحمد كتخدا مستحفظان الخربوطلي، لتستمر رحلة الحفاظ على هذا الأثر عبر القرون.
جمال معماري في بساطة ساحرة.
* رغم أن الجامع لا يعتمد على الزخارف الغنية، فإن جماله الحقيقي يكمن في تناسب عناصره وهدوء تصميمه.
يتكون المسجد من صحن منخفض مغطى، يتوسطه منور مثمن الشكل يسمح بدخول الضوء والهواء، وتحيط به أربعة إيوانات، أكبرها رواق القبلة.
أما المحراب فهو من أجمل عناصره؛ فهو محراب مجوف مكسو بالرخام، يزين عقده القاشاني، وتظهر به تربيعة تحمل عبارة "ما شاء الله"، في انسجام بين الزخرفة والخط والروح الدينية.
وللمسجد بابان، أحدهما بحري والآخر غربي، ويتميز الباب الغربي بكتابات كوفية حجرية تحمل الشهادة:
"لا إله إلا الله محمد رسول الله"
لتظل شاهدة على أصالة الفن الإسلامي في القاهرة.
من الإهمال إلى الحفاظ على الذاكرة.
* كغيره من آثار القاهرة التاريخية، مر الجامع بفترات احتاج فيها إلى العناية والترميم، فقد تم ترميم بعض عناصره مثل مصاريع الأبواب عام 1919م بواسطة لجنة حفظ الآثار العربية.
وتظل أعمال الصيانة والترميم ضرورة مستمرة للحفاظ على هذا الأثر الذي لا يمثل حجرًا فقط، بل يمثل جزءًا من ذاكرة المدينة وتاريخها.
قيمة الجامع في تاريخ القاهرة.
* تكمن أهمية جامع الفكهاني في أنه ليس مجرد مسجد أثري، بل وثيقة عمرانية حية تكشف كيف كانت القاهرة الإسلامية تبني مجتمعها؛ حيث يتداخل الوقف مع التجارة، والعمارة مع الوظيفة الاجتماعية، والدين مع حياة الناس اليومية.
فهو قطعة من روح شارع المعز، ذلك الشارع الذي تحول إلى متحف مفتوح يحكي تاريخ القاهرة من خلال مساجده ومدارسه وبيوته وأسواقه.
* وفي النهاية تبقى حكاية جامع الفكهاني درسًا في أن بعض الآثار لا تكمن عظمتها في ضخامة أحجامها، بل في قدرتها على حمل ذاكرة أجيال كاملة... فبين أحجاره البسيطة تختبئ حكاية مدينة اسمها القاهرة. |