بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
أسفل جبل المقطم…
وفي قلب منطقة الإباجية،
يقف مسجد صغير هادئ…
يكاد يختفي وسط المقابر والبيوت القديمة.
لكن هذا المسجد الصامت…
يحمل واحدة من أغرب حكايات العمارة الفاطمية في القاهرة.
إنه مسجد اللؤلؤة،
أو كما يسميه البعض: “مسجد لالا” أو “اللولوة”.
المفاجأة التي لا يعرفها كثيرون…
أن المسجد يعود إلى العصر الفاطمي،
وقد أنشأه الخليفة: الحاكم بأمر الله
حوالي سنة 406هـ / 1015م تقريبًا.
أي أن عمره يتجاوز ألف عام تقريبًا.
لكن لماذا سُمّي: “اللؤلؤة”؟
هناك أكثر من رواية…
أشهرها أن المسجد كان يبدو قديمًا فوق ربوة المقطم وكأنه: “لؤلؤة بيضاء معلقة بين الجبل والسماء”.
بينما يرى بعض الباحثين أن الاسم جاء من دقة زخارفه الفاطمية وبساطة تكوينه المعماري النادر.
أما كلمة: “لالا”
فهي على الأرجح تحريف شعبي قديم لكلمة: “لؤلؤة”.
ومع الزمن تغيّر النطق بين العامة.
* الحكاية الأغرب…
أن المسجد لم يُبنَ وسط مدينة مزدحمة كما نراه اليوم.
بل كان وقت إنشائه في منطقة هادئة شبه منعزلة أسفل الجبل،
وكان المقصود منه أن يكون: “مسجدًا للتأمل والخلوة والعبادة”.
ولهذا يشعر زائره حتى الآن بغرابة المكان…
فأنت تقف داخل مسجد فاطمي عمره ألف سنة،
بين المقابر والصخور،
وكأن الزمن توقف هناك.
* الوصف المعماري للمسجد
يُعد مسجد اللؤلؤة من المساجد الفاطمية الصغيرة نسبيًا، لكنه يحمل روح العمارة.
* الفاطمية الخالصة:
- جدران حجرية بسيطة. - عقود مدببة
- ومئذنة كانت تُعد من العلامات المميزة للمكان
ويقال إن المسجد كان مكونًا من طابقين بسبب طبيعة الأرض الصخرية المرتفعة،
وهو أمر نادر نسبيًا في عمارة المساجد الفاطمية القديمة.
-ومن يزور المسجد اليوم؟
المكان يُعد مزارًا معروفًا لدى بعض أتباع طائفة: البهرة.
ويأتيه زوار من:
- الهند. - واليمن. -البحرين وإيران
- ودول أخرى لارتباطهم بالتراث الفاطمي في القاهرة.
- كما يزوره بعض عشاق العمارة الإسلامية والباحثين عن: “القاهرة المنسية”.
* أما عن الترميم…
فالمسجد مر بفترات طويلة من الإهمال الشديد،
حتى إن بعض التقارير الصحفية القديمة تحدثت عن اختفاء أجزاء منه وسط المقابر المحيطة به.
لكن لاحقًا تمت به أعمال ترميم وصيانة محدودة، خصوصًا مع اهتمام طائفة البهرة بعدد من الآثار الفاطمية بالقاهرة.
ومع ذلك…
مازال كثير من الناس لا يعرفون أصل هذا المسجد ولا قيمته التاريخية.
* الحقيقة…
أن أخطر ما يواجه بعض الآثار ليس الهدم…
بل: “النسيان”.
ومسجد اللؤلؤة: واحد من تلك الآثار التي اختبأت طويلًا خلف الجبل والمقابر، حتى كاد التاريخ نفسه أن ينساها.
الخلاصة…
. مسجد الست لولا، والمعروف رسمياً باسم مسجد اللؤلؤة، هو أثر إسلامي يعود إلى العصر الفاطمي، ويقع في منطقة مقابر سيدي عمر بحي الأباجية أسفل جبل المقطم.
. التسمية: سُمي بـ "اللؤلؤة" قديماً لأن له قبة كانت تُضاء ليلاً فتصبح ساطعة وسط الجبل كاللؤلؤة. أما أهالي المنطقة فيطلقون عليه اسم "الست لولا" لوجود حكايات شعبية تربطه بقبر ابنة المقوقس (قيرس).
. لسنا أمام مسجد صغير فقط…
بل أمام شاهد نادر من زمن الدولة الفاطمية،
مازال يقف في صمت منذ أكثر من ألف عام،
يحرسه الجبل… وتحيطه الحكايات.
سؤال أخير…
-----------------
لو دخلت هذا المسجد وقت الغروب… بين صمت المقابر وظلال المقطم…هل ستشعر بالرهبة؟ أم بالسكينة؟
|