الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

حرب الوعي ضد سارقي التاريخ ..

حرب الوعي ضد سارقي التاريخ ..
عدد : 06-2026
كتب : محمود فرحات

لم تسلم حضارة من محاولات التزوير عبر التاريخ، لكن ما تواجهه الحضارة المصرية القديمة مؤخراً يتجاوز مجرد القراءات الخاطئة إلى هجمة أيديولوجية منظمة.. يقود هذه الهجمة تيار المركزية الأفريقية أو ما يُعرف بالأفروسنتريك (Afrocentricity) وهو تيار يسعى جاداً لتجريد المصريين المعاصرين من إرثهم، واغتصاب هوية أرض كمت عبر سردية عرقية تزعم أن المصريين القدماء ينتمون حصراً للعرق الأسود، وأن السكان الحاليين ما هم إلا محتلون للمكان وآثاره وأمجاده..!!

فما هي جذور هذه الحركة؟؟ وكيف تحولت من عباءة الحقوق المدنية إلى راديكالية العرق؟؟

الجذور والنشأة (من البحث عن الذات إلى التعصب العرقي)..!!

في جوهرها تُعرّف الأفروسنتريك نفسها كنموذج فكري يسلط الضوء على الهوية والمساهمات الأفريقية في التاريخ العالمي.. وترتكز أدبياتها على اتهام المجتمع العلمي الغربي بالاستهانة بالثقافات الأفريقية، والمشاركة في مؤامرة واعية أو غير واعية لطمس إنجازاتها.. لكن خلف هذا الشعار التحرري، تحورت الحركة لتصبح تياراً متمحوراً حول التعصب العرقي لأصحاب البشرة السوداء.. وبدأت الحركة بالبحث عن أي صلة تربطها بالحضارات القديمة، وانتهت بنسب كل إنجاز بشري على القارة السمراء لمن ينحدرون من أصول زنجية فقط.. واليوم تذهب بعض أجنحة الحركة المتطرفة إلى حد المطالبة بإقصاء كل ما هو غير أسود في أفريقيا، مستهدفة الأمازيغ، الناطقين بالعربية، والأفريكناز (ذوي الأصول الأوروبية في الجنوب).. وتاريخياً تعود جذور الحركة إلى مطلع القرن العشرين مع حراك المثقفين والنشطاء من أصول أفريقية في أمريكا وأوروبا.. ورغم خفوتها النسبي، إلا أنها عادت لتشتعل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بالتزامن مع حركات التحرر الأفريقية، لتتمركز في الجامعات الأمريكية والأقليات السوداء حول العالم..

الآباء الروحيون للحركة..

شُيِّدت السردية الأفروسنترية على أكتاف أسماء بارزة صاغت ملامح هذا الفكر، ومنهم:
- ماركوس جارفي (Marcus Garvey):
الناشط الجامايكي ومؤسس حركة "العودة إلى أفريقيا". أعلن نفسه رئيساً مؤقتاً للقارة التي لم يزرها قط، تاركاً إرثاً ملهماً لأتباعه.

- ويليام دو بوا (W. E. B. Du Bois):
أول أمريكي من أصل أفريقي ينال الدكتوراه، ومؤسس حركة "نياجرا" للحقوق المدنية، والتي وُصفت لاحقاً بتبني توجهات حادة تجاه البيض.
- مارتن برنال (Martin Bernal):
المؤرخ البريطاني-الأمريكي وصاحب الكتاب المثير للجدل "أثينا السوداء" (Black Athena)، والذي ادعى فيه وجود تأثيرات أفريقية-مصرية جذرية في الحضارة الإغريقية (المفارقة أن جده لـُأمه هو السير آلان جاردنر، أحد أعظم علماء اللغة المصرية القديمة).
- إيفان فان سيرتيما و جون هنريك كلارك:
كلاهما روج لفكرة أن الفلاسفة اليونانيين سرقوا نظرياتهم من الأفارقة، وأن هناك حضارات أفريقية مفقودة تم طمسها عمداً.
- هنري ويليامز (Henry Williams):
المحامي الذي نظم المؤتمر الأفريقي الأول في لندن عام 1900 لمواجهة العنصرية والمطالبة بالحكم الذاتي للمستعمرات.
- الشيخ أنتا ديوب:
يُعتبر المؤرخ السنغالي شيخ أنتا ديوب، الأب الروحي الحقيقي للشق الفرعوني في الحركة. اقترح ديوب إعادة بناء الثقافة الأفريقية اعتماداً على مصر القديمة (كما فعلت أوروبا مع اليونان ورومانيا).. وفي أطروحته عام 1954، جادل بأن مصر كانت أمة سوداء بالكامل، مستخدماً تحليلات مجهرية لنسب الميلانين في جلد المومياوات (من حفائر مارييت) ليجزم -دون سند علمي معترف به- بأن المصريين القدماء زنوج، واتهم ديوب المؤرخين البيض باختراع مصطلحات مثل البحر المتوسط أو الشرق الأوسط لطمس هذه الهوية الزنجية..

- موليفي أسانتي:

في الثمانينات ظهر موليفي أسانتي ليكون المؤسس التنفيذي للحركة المركزية الإفريقية في كتابه المبكر (بلاغة الثورة السوداء-1969)، حيث وضع أسانتي أربع استراتيجيات شكلت لاحقاً اللبنات الأولى للفكر الأفروسنتري:

▪️ التشهير: تشويه سمعة الخصم بلغة قاسية.
▪️ التشييء: توجيه مظالم جماعة معينة نحو عِرق أو أمة أخرى عبر السخرية.
▪️ الخرافة والأساطير: اختلاق رموز دينية وقوى روحية لإثبات استقامة الثوري الأسود بقوة التاريخ.
▪️ الشرعية: استخدام الخطاب الثوري كسلاح نفسي لتبرير النشاط الفكري والسياسي.

طوّر أسانتي ثلاثية فكرية تنسب الحضارة الإنسانية بالكامل للزنوج وتستثني الآخرين.. بل إنه ذهب إلى حد المطالبة بنبذ الأديان السماوية (الإسلام والمسيحية واليهودية) معتبراً إياها ديانات دخيلة لا تناسب الأفارقة، مطلقاً مقولته الشهيرة: "إن لم يستطع إلهك التحدث إليك بلغتك فهو ليس إلهك"، داعياً الزنوج للعودة إلى الأساطير المصرية القديمة مثل إيزيس وأوزوريس.. ويرى أسانتي أن حركة التاريخ بدأت من الأهرامات التي بناها السود قبل ميلاد المسيح وقبل الفتح العربي لمصر، وأن أثينا سرقت علومها من كمت، محارباً بذلك على جبهتين، الغرب الذي يتهمه بسرقة الحضارة، ومصر الحديثة التي يسعى لتجريدها من ماضيها..

الحقيقة العلمية في مواجهة التزييف..!!

يرتكز الفكر الأفروسنتري على قراءات مغلوطة للآثار المصرية، لعل أبرزها تفسيرهم لمشاهد (مواكب تسليم الجزية) في المعابد.. علمياً وأثرياً هذه المناظر توثق الأقاليم الخاضعة للإمبراطورية المصرية القديمة، حيث يسير في الموكب ممثلون من الشام وجزر المتوسط (شمالاً)، والقبائل الليبية (غرباً)، وبلاد النوبة وبونت (جنوباً)، وهم يقدمون خيرات بلادهم للملك المصري، مما يؤكد التمايز العرقي والملامحي الواضح الذي رصده المصري القديم بينه وبين جيرانه..

فيلم كليوباترا وجماعة (كمت تور) وأسباب بداية الضجة الحالية؟؟

انتقلت المواجهة من الكتب الأكاديمية إلى الفضاء العام الرقمي مع عرض منصة "نتفليكس" لفيلم وثائقي عن الملكة كليوباترا، أظهرها ببشرة زنجية. الفيلم الذي أخرجته جادا بينكيت سميث (المعتنقة للفكر الأفروسنتري) أثار موجة غضب مصرية عارمة؛ كونه طُرح كوثائقي يفترض التزامه بالحقائق التاريخية (كليوباترا ذات أصول مقدونية بطلمية)، وليس كعمل درامي خيالي..
ولم يتوقف الأمر عند السينما لكنه امتد إلى السياحة الأيديولوجية، من خلال مجموعات مثل (كمت تور) بقيادة المرشد الأمريكي كابا، الذي قاد مجموعات سياحية إلى مصر في صيف 2024 لتقديم شروحات داخل المعابد تخدم أجندة الحركة، معتمدين على أسماء مصرية قديمة (مثل حتب ونفرتيتي) في محاولة بائسة لاصطناع رابط روحي وتاريخي مع الأرض..!!

وأمام هذه الحرب الثقافية الناعمة، لم يعد الصمت خياراً..!! ويجب علينا إتخاذ آليات حقيقية للمواجهة، ويمكنني التوصية بما يلي..

1/ صياغة سردية مصرية خالصة:

عدم الاعتماد على السرديات التاريخية الأوروبية أو الغربية، وتمصير علم المصريات ليعبر عن الذات المصرية واستمراريتها..

2/ الهجوم العلمي المضاد بلغات متعددة:

إطلاق حملات نشر علمي ومواد وثائقية تترجم إلى الإنجليزية والفرنسية وغيرها، يديرها متخصصون مصريون لمخاطبة الوعي العالمي..

3/ تطوير مناهج التاريخ:

تدريس التاريخ المصري القديم في المدارس دون مواربة أو اعتبارات عرقية أو دينية، وبأسلوب يعيد ربط الوجدان المعاصر بأبطال ورموز مصر القديمة..

4/ إحياء المظاهر الثقافية:

تعزيز اتصال الأجيال الجديدة بحضارتهم من خلال الأسماء، العمارة، التصاميم، والمظاهر الحياتية، لقطع الطريق على محاولات السطو الممنهج على هويتنا الوطنية..