بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
- الإجابة قد تدهشك: نعم.
توجد دلائل واضحة على أعمال ترميم قديمة.
* إعادة تثبيت أحجار.
* تدعيم جدران.
* إصلاح شروخ.
. من واقع خبرتي في الترميم: المصري القديم لم يكن مجرد بَنّاء… بل كان مهندس صيانة أيضًا.
. المفاجأة: فكرة الترميم ليست حديثة… بل ضاربة في عمق الحضارة.
الحفاظ على الأثر… تقليد مصري أصيل.
يوجد دليل علمي وأثري واضح يثبت أن المصري القديم لم يكن فقط منشئًا عظيمًا، بل كان أيضًا مرممًا وصائنًا واعيًا لأعماله، وأن مفهوم الترميم تطوّر تاريخيًا حتى وصل إلى ما نعرفه اليوم من أسس علمية ومواثيق دولية.
أولًا: الأدلة الأثرية على قيام المصري القديم بأعمال الترميم والصيانة:--------
-------------------------------
1) الصيانة الدورية للمنشآت : (Maintenance Culture)
تشير الدراسات الحديثة إلى أن المعابد المصرية لم تكن مباني مهجورة، بل كانت منشآت حية يتم صيانتها باستمرار، حيث:
- كان يتم تنظيف الجدران وإزالة السناج والأتربة.
- إعادة تثبيت طبقات الملاط.
- تجديد الألوان والطبقات الجصية.
- إصلاح التلف الناتج عن الرطوبة والأملاح
وقد ثبت أن:
“الحرفيين كانوا يقومون بإصلاح الجص والألوان والأحجار بشكل دوري”
وهذا يعكس وجود نظام صيانة وقائية مستمر يشبه ما نطلق عليه اليوم “Preventive Conservation”.
2) ترميم الشروخ والانفصالات وإعادة التجميع
أظهرت الفحوصات الحديثة لعدد من التوابيت والتماثيل:
- وجود إعادة تجميع لأجزاء مكسورة.
- استخدام مواد لاصقة بدائية.
- تثبيت أجزاء منفصلة بعد الكسر.
-إعادة استخدام التوابيت بعد تعديلها.
وقد ثبت أن:
- بعض التوابيت “تم تعديلها وإعادة استخدامها، كما أُجريت عليها أعمال ترميم قديمة "
وهذا دليل مباشر على:-----------
* معالجة الكسور.
* إعادة توظيف العناصر.
* تدخل إنشائي وليس تجميلي فقط.
3) ترميم المومياوات (Restoration of Organic Materials)
من أهم الأدلة العلمية:
- إعادة لف المومياوات المتضررة.
- إصلاح الأنسجة التالفة.
- إضافة مواد راتنجية لتعويض الفقد.
وتشير دراسة علمية حديثة إلى:
وجود “تقنيات ومواد ترميم استخدمها المصري القديم لمعالجة تلف المومياوات”
وهذا يثبت أن الترميم لم يكن معماريًا فقط، بل بيولوجيًا/ماديًا أيضًا.
4) إعادة نحت النقوش ومعالجة التآكل
من أهم صور الترميم:
- إعادة نحت النقوش المتآكلة (Recutting).
- إعادة كتابة الأسماء الملكية.
- إصلاح النصوص التالفة.
حيث:
كان يتم “إعادة نحت أو استبدال الأجزاء التالفة من النقوش”
وهذا يمثل ما نعرفه اليوم بـ الاستكمال الفني (Artistic reintegration)
5) الترميم الملكي : (Restoration Inscriptions)
النقوش الملكية نفسها تُعد دليلًا مباشرًا، حيث كان الملوك يعلنون:
“أعدت بناء ما تهدم”
“رممت ما خرب”
“أعدت الأمور إلى ما كانت عليه”
وهذا ليس مجرد دعاية سياسية، بل توثيق لأعمال ترميم حقيقية.
بل إن اكتشافًا حديثًا أظهر:
وجود نقش يشير إلى ترميم جدار بمعبد آمون في العصر الروماني .
6) الترميم الإنشائي الثقيل (Structural Restoration)
في الحالات الكبرى، كان يتم:
- إعادة تثبيت الكتل الحجرية.
- إعادة بناء أجزاء منهارة.
- تدعيم الأعمدة والجدران.
وتشير الدراسات إلى:
أن بعض المشروعات وصلت إلى مستوى “مشروعات هندسية ضخمة لإنقاذ المنشآت من الانهيار”
وهذا يعادل ما نسميه اليوم: Structural Conservation / Engineering Intervention
ثانيًا: قراءة تحليلية (برؤية ترميمية حديثة)
من خلال الأدلة السابقة، يمكن استنتاج أن المصري القديم مارس:
1) مستويات متعددة من الترميم:
* صيانة دورية (Preventive).
* ترميم جزئي (Remedial).
* ترميم إنشائي (Structural).
2) فهم مبكر لآليات التلف:
- الرطوبة. -الأملاح. -التآكل
- الكسر الميكانيكي
3) استخدام مواد وتقنيات:
- ملاط وجص.
- مواد لاصقة طبيعية.
- راتنجات إعادة تشكيل يدوي.
ثالثًا: الربط بالتطور الحديث لعلم الترميم
يمكننا صياغة خط تطور علمي كالتالي:
1) المرحلة القديمة (Ancient Egypt)
ترميم قائم على الخبرة العملية بدون
إطار نظري مكتوب مرتبط بالدين والسياسة (إعادة “ماعت”)
2) المرحلة الكلاسيكية والوسيطة
استمرار الإصلاح لكن دون منهج علمي واضح
3) المرحلة الحديثة (القرن 19–20)
- ظهور علم الترميم.
- فصل الترميم عن إعادة البناء.
4) المرحلة المعاصرة:
- استخدام التكنولوجيا (3D – الليزر – التحليل الكيميائي)
- تطبيق مواثيق دولية مثل:
- ميثاق ICOMOS
- ميثاق Venice Charter
إن الشواهد الأثرية والمادية والنصية تؤكد أن المصري القديم لم يكن مجرد منشئ للآثار، بل كان واعيًا تمامًا بضرورة صيانتها وترميمها، حيث مارس أشكالًا متعددة من التدخلات شملت الصيانة الدورية، وإصلاح الشروخ، وإعادة تجميع العناصر، وترميم المواد العضوية، بل وتنفيذ أعمال تدعيم إنشائي واسعة النطاق.
وقد تطورت هذه الممارسات عبر العصور حتى أصبحت اليوم علمًا قائمًا بذاته يعتمد على أسس منهجية وتكنولوجية متقدمة، ويخضع لمواثيق دولية تهدف إلى الحفاظ على أصالة الأثر وقيمته التاريخية.
قبل الترميم وبعده لجزء من مسلة چرانيت اسوان الوردي عليها نقوش غائرة وبارزة. |