بقلم : فاروق شرف
من الظهر إلى العصر… لحظات بين زمنين
من الظهر إلى العصر في مجمع الرواق الأزهري بالمظلات – أو كما يسميه الناس حبًا وقربًا مسجد الرحمن – يتبدل الإحساس بالوقت، وكأن الدقائق لا تُقاس بعقارب الساعة، بل بخشوع القلوب.
وما أجمل أن يكون للإنسان في يومه موعدان متقابلان مع السماء…
موعدٌ عند الظهيرة، وموعدٌ عند ميل الشمس،
بينهما تهدأ الروح… وتستقيم الخطى.
مقدمة:
---------
في قلب شبرا، حيث تتعانق الحركة اليومية مع نبض الإيمان، يرتفع مجمع الرواق الأزهري بالمظلات شامخًا كعلامة مضيئة في المشهد العمراني المعاصر، ومَعلَمٍ دينيٍّ وثقافيٍّ يجمع بين أصالة الانتماء الأزهري وروح العمارة الإسلامية المتجددة. ليس هذا المجمع مجرد مسجد تُقام فيه الصلوات، بل هو مؤسسة متكاملة تتجسد فيها رسالة العلم والدعوة والخدمة المجتمعية، في إطار معماري يعكس الفخامة والانضباط والهيبة.
لقد جاء هذا الصرح ثمرة مسيرة طويلة من الصبر والعمل والإيمان، حتى اكتمل بناؤه ليغدو منارةً للقرآن الكريم، ومنبرًا للوسطية والاعتدال، وبيتًا من بيوت الله يحتضن القلوب قبل الأجساد. تتجلى في قبته المركزية ومآذنه الشاهقة رمزية العلو والسمو، بينما يفيض فضاؤه الداخلي بسكينةٍ تنبع من اتساعه وتناغم عناصره وتناسق زخارفه.
وانتماؤه إلى الأزهر الشريف يضفي عليه بعدًا رساليًا يتجاوز حدود المكان، ليصبح امتدادًا حيًّا لتاريخ علمي عريق، وحلقةً في سلسلة إشعاعٍ دينيٍّ وفكريٍّ امتد لقرون. فهو يجمع بين العبادة والتعليم، وبين الجمال المعماري والوظيفة المجتمعية، في صورةٍ تعكس مفهوم المسجد في الحضارة الإسلامية باعتباره مركزًا للحياة بكل أبعادها.
من هنا، فإن دراسة هذا المجمع لا تنحصر في توصيف كتلته المعمارية أو نظامه الإنشائي، بل تمتد إلى فهم دوره الحضاري ومكانته في الوجدان المحلي، بوصفه شاهدًا على قدرة العمارة المعاصرة على استلهام التراث دون أن تفقد خصوصيتها الزم
النبذة التاريخية:
* بدأ إنشاء مسجد الرحمن في منطقة المظلات – شبرا (القاهرة) عام 1980م، عندما وضعت جمعية الهداية الإسلامية بالسويس (حافظ سلامة) حجر الأساس للمشروع تحت اسم «مسجد الرحمن»، وكان يعتمد بالكامل على تبرعات أهالي المنطقة وجهود تطوعية.
* استمرت مراحل البناء لقرابة 47–50 عامًا، وشهد المشروع مراحل بطء في التنفيذ، مع حملات شائعات هدم وتأجيلات بسبب نقص التمويل، حتى تم استكماله وافتتاحه رسميًا يوم 16 فبراير 2026م بحضور كبار قيادات الأزهر، بعد نقل تبعيته إلى الأزهر الشريف ليدخل ضمن مشروع الرواق الأزهري، فصار يُعرف رسميًا باسم «مجمع الرواق الأزهري بالمظلات.
* يمثل المسجد صرحًا دينيًا ومعماريًا بارزًا في المنطقة، وقد عبر أهالي شبرا عن فرحتهم الغامرة بإقامته وإقامة أول صلاة جمعة فيه بعد عقود من الانتظار.
التحديات في عملية البناء:
شهد المشروع خلال مراحل بنائه الطويلة عدة تحديات، أبرزها:
اعتماد التمويل الذاتي على تبرعات السكان والمخلصين فقط، مما أثر على انتظام وتيرة العمل.
* الاستمرار في البناء على مدى أجيال من العاملين والمتبرعين، قبل أن يحظى أخيرًا بالدعم الرسمي عند انتقال تبعيته إلى مؤسسة الأزهر.
*المساحة والمكونات المعمارية:-------------
المشروع متميز من الناحية المعمارية، ويُظهر لمسات كلاسيكية حديثة في الطراز الإسلامي. تفاصيله كالتالي:
- المساحة والسعة:
تبلغ مساحة المشروع حوالي 4000 متر مربع.
ويتسع المسجد لحوالي 15,000 مصلٍ في مجموع أجزائه (شاملة المصليات الداخلية والخارجية).
- عناصره المعمارية:----------------
أربع مآذن عالية، يبلغ ارتفاع كل منها حوالي 110 مترًا، ما يجعله من بين أعلى المآذن في مصر.
- مجموعة من القباب تشمل:
. قبة رئيسية كبيرة.
. 4 أنصاف قباب.
. 4 قباب متوسطة.
. 7 قباب صغيرة.
(وترتبط جميعها بزخارف طاقية ونقوش إسلامية حديثة).
- الطراز المعماري:-----------------
يعتمد الطراز المعماري الإسلامي الكلاسيكي مع لمسات معاصرة تبرزه التفاصيل والزخارف الهندسية الدقيقة.
- الاختصاصات والاستخدامات:--------------
هذا المجمع ليس مجرد مسجد للصلاة، بل يشتمل على وظائف متعددة تخدم المجتمع، منها.
- الصلاة والعبادة:------------------
يُستخدم لأداء صلوات المسلمين الخمس، بالإضافة إلى صلاة الجمعة التي أقيمت لأول مرة بعد افتتاحه رسميًا في فبراير 2026.
- المعهد الأزهري
يحتوي المجمع على معهد أزهري تعليمي تابع للأزهر الشريف، يهدف إلى نشر العلوم الدينية، تعليم القرآن، والوعظ والإرشاد داخل المجتمع.
- المؤسسات الخدمية: ---------------------
مستشفى خيري في الدور الأرضي بسعة تخدم ما يقرب من 100 سرير، وهذا جزء من الخدمات الاجتماعية المرتبطة بالمجمع.
- خدمات مجتمعية:--------------
يشمل المجمع دار مناسبات ودار مسنين، ما يُمنحه دورًا اجتماعيًا وثقافيًا، ليس فقط العبادي.
أولاً: المكونات الداخلية:------
* التخطيط الهندسي:
يتبع المسجد نظام التخطيط المركزي المغطى بقبة رئيسية تتوسط بيت الصلاة.
المسقط العام أقرب إلى المربع أو المستطيل المنتظم، مع امتداد عرضي يسمح باستيعاب أكبر عدد من المصلين.
* القبة الرئيسية ترتكز على رقبة أسطوانية بها نوافذ إضاءة علوية تسمح بالإضاءة الطبيعية.
تحيط بالقبة أنصاف قباب وقباب ثانوية تُحقق تدرجًا بصريًا شبيهًا بالمساجد العثمانية في معالجتها الفراغية.
يوجد فصل واضح بين:
- بيت الصلاة الرئيسي
- مصلى السيدات (غالبًا في طابق علوي أو جناح مستقل)
- المداخل الجانبية المتعددة لتسهيل الحركة وقت الجمعة والمواسم.
المحراب:
- المحراب غائر في حائط القبلة.
- مُعالج بزخارف هندسية ونباتية حديثة.
- يُرجح استخدام الرخام أو الجرانيت المصقول في تبطينه.
تعلوه زخارف كتابية قرآنية غالبًا بخط الثلث.
محاط بإطار زخرفي بارز لإبراز مركزية القبلة.
المنبر:
- المنبر ثابت وملاصق لحائط القبلة.
- غالبًا مصنوع من الخشب المعالج أو الرخام المركب.
- يتضمن درابزين مزخرف بنقوش هندسية.
يتوج بقبة صغيرة أو تاج زخرفي بسيط.
تصميمه أقرب للمعالجة المعاصرة المستلهمة من الطراز المملوكي ولكن بتنفيذ حديث.
الأروقة
لا يعتمد المسجد نظام الصحن المكشوف التقليدي.
الأروقة داخلية تحيط ببيت الصلاة.
تقوم على أعمدة خرسانية مكسوة بالحجر أو الرخام.
الأقواس نصف دائرية أو مدببة بطابع إسلامي حديث.
تُستخدم لتوسعة الاستيعاب أثناء الزحام.
ثانيًا: العناصر المعمارية التفصيلية.
الحوائط المزخرفة
الحوائط الداخلية مكسوة بالرخام أو الحجر الصناعي.
توجد أشرطة كتابية قرآنية أعلى مستوى النظر.
زخارف هندسية مفرغة في بعض مناطق الشرفات.
معالجة حديثة لا تعتمد الحفر العميق بل الزخرفة السطحية.
* الأعمدة وخامتها وطولها:
الهيكل إنشائي حديث (خرسانة مسلحة).
الأعمدة غالبًا:
خرسانية
مكسوة برخام أبيض أو بيج
الارتفاع التقريبي داخل بيت الصلاة يتراوح بين 12–18 مترًا حتى منسوب بداية القبة.
التيجان بسيطة، أقرب إلى الطراز المقرنص المختزل.
* الأرضيات:
- رخام مصقول أو جرانيت.
- ألوان هادئة (بيج – أوف وايت – رمادي فاتح).
- مرصوف بخطوط تحدد صفوف الصلاة.
في بعض المناطق مفروش بسجاد للصلاة.
* المرافق التعليمية والدعوية:
نظرًا لتبعية المجمع إلى الأزهر الشريف، فهو لا يقتصر على كونه مسجدًا للصلاة، بل يؤدي دورًا تعليميًا واضحًا:
هل توجد مكتبة إسلامية؟
نعم، يوجد ضمن المجمع أنشطة تعليمية أزهرية.
غالبًا توجد قاعات مخصصة للدروس وحلقات العلم.
قد تتوفر مكتبة داخلية تخدم طلاب الرواق الأزهري (تحتاج توثيق ميداني دقيق لتحديد حجمها ومحتواها).
دور تحفيظ القرآن الكريم
يُستخدم المجمع ضمن منظومة "الرواق الأزهري" في:
- تحفيظ القرآن الكريم.
- تعليم التجويد.
- تصحيح التلاوة.
- عقد الدروس الشرعية.
- تقام حلقات للكبار والصغار.
يشرف عليها محفظون معتمدون من الأزهر.
* قراءة تحليلية معمارية مختصرة:
من منظور هندسي ومعماري:
- المبنى حديث إنشائيًا بالكامل.
- لا ينتمي إلى طراز أثري تاريخي، بل هو محاكاة معاصرة للعمارة الإسلامية التقليدية.
- يغلب عليه الطابع الاحتفالي في الارتفاعات (المآذن العالية والقباب المتعددة).
- الفراغ الداخلي يعتمد على الاتساع والإنارة الطبيعية.
أولًا: التقييم المعماري النقدي الاحترافي
١- الهوية المعمارية:
المسجد ينتمي إلى فئة العمارة الإسلامية المعاصرة ذات المرجعية التاريخية، أي أنه لا يمثل طرازًا تراثيًا أصيلًا، بل يعيد توظيف عناصر تقليدية (القبة – المئذنة – الأقواس – الزخارف الهندسية) داخل إطار إنشائي حديث من الخرسانة المسلحة.
الإيجابيات:
- وضوح المحور القبلي وهيمنة القبة المركزية بصريًا.
- معالجة احتفالية للكتلة الخارجية عبر التدرج الهرمي للقباب.
ارتفاع المآذن يمنح حضورًا بصريًا قويًا في أفق شبرا.
- الاتساع الداخلي يحقق الراحة الوظيفية للمصلين.
الملاحظات النقدية:
- الزخارف أقرب إلى التكسية السطحية منها إلى التكوين البنائي العضوي كما في العمارة المملوكية.
-:غياب الصحن المكشوف يقلل من التدرج الفراغي التقليدي.
- بعض التفاصيل الزخرفية تعتمد على التكرار الهندسي الصناعي أكثر من التشكيل الحرفي اليدوي.
٢- المعالجة الداخلية:
الفراغ الرئيسي واسع ومفتوح، قليل الأعمدة نسبيًا، ما يعزز الرؤية الأفقية.
القبة المركزية تؤدي وظيفة رمزية أكثر من كونها عنصرًا إنشائيًا ضروريًا (لأن الأحمال الحقيقية محمولة على هيكل خرساني).
استخدام الرخام والألوان الفاتحة يمنح إحساسًا بالسمو والنقاء البصري.
توزيع الإضاءة (طبيعية + صناعية) متوازن لكنه يعتمد على التكنولوجيا الحديثة وليس الفتحات التقليدية العميقة.
*التحليل الإنشائي التخميني للقباب والأحمال
التحليل تقديري مبني على أنظمة البناء الشائعة في المساجد الحديثة بمصر.
١- النظام الإنشائي المرجح
.الهيكل الأساسي: خرسانة مسلحة Frame System
. الأعمدة: خرسانية بقطاعات كبيرة نسبيًا
. الكمرات: ساقطة أو مخفية داخل السقف
. القبة: قبة خرسانية مسلحة رقيقة (Shell Dome).
٢- القبة الرئيسية
إذا افترضنا:
قطر القبة ≈ 18–22 متر
سمك القشرة الخرسانية ≈ 20–30 سم
الأحمال:
. حمل ذاتي للقبة
. حمل تشطيبات (رخام/جبس/دهانات)
. حمل رياح (مؤثر مهم نظرًا للارتفاع)
. حمل زلزالي (القاهرة نطاق متوسط الخطورة الزلزالية).
وجود Ring Beam أسفل القبة ضروري لمنع قوى الشد الأفقية.
المآذن:
ارتفاع يقارب 100+ متر (وفق المتداول إعلاميًا).
تحليل إنشائي مبدئي:
تعمل كـ Cantilever عمودي.
تتعرض إلى:
عزوم رياح كبيرة.
تأثيرات ديناميكية.
تحتاج إلى:
نواة خرسانية داخلية.
تسليح رأسي كثيف.
أساسات عميقة (خوازيق غالبًا).
* الأساسات المتوقعة:
نظرًا لطبيعة تربة شبرا القريبة من النيل:
. تربة طميية رخوة نسبيًا.
. المرجح استخدام:
. خوازيق خرسانية أو
. لبشة مسلحة سميكة جدًا.
رمضان في شبرا… بين الزحام والسكينة
شبرا ليست حيًا عاديًا؛ إنها شريان ممتد تتقاطع فيه الحياة بكل صورها.
شوارعها مزدحمة بالسكان، والمحال، والحافلات، والسيارات، وعربات الأقاليم، ويخترقها المترو الذي لا يتوقف، فتظل الحركة فيها دائبة حتى قبيل الإفطار وبعد التراويح.
يمر الهيئة القومية للأنفاق بخطوطه أسفل الأرض، ويعلو فوقها ضجيج المركبات المتجهة إلى المحافظات، فتبدو المنطقة وكأنها عقدة مواصلات لا تنام.
ومع ذلك… في لحظة الأذان، يتبدل الإيقاع.
يتوقف العابر مسرعًا ليلحق بصلاة المغرب.
تخف حدة الضجيج قليلًا.
وتتحول حركة الناس من حركة عبور إلى حركة قصد.
في هذا السياق الحضري الصاخب، يكتسب المسجد قيمة مضاعفة؛
فهو ليس فقط مكانًا للعبادة، بل ملاذ روحي داخل كتلة عمرانية كثيفة.
قبابه ومآذنه لا تعلو فقط في السماء، بل تعلو فوق صخب الحياة اليومية.
المفارقة الرمضانية
رمضان في شبرا يحمل مفارقة فريدة:
نهار مزدحم بالحركة والسرعة.
وليل رمضاني يفيض بالأنوار والتراويح والسكينة.
حين تم افتتاح المسجد في السادس من رمضان، بدا المشهد وكأنه إعلان رمزي بأن الروح قادرة على أن تجد موضعها حتى في أكثر البيئات ازدحامًا.
فبين ضجيج المركبات وصخب المترو، يرتفع صوت القرآن من الداخل، فيخلق مجالًا سمعيًا وروحيًا يعلو على الضوضاء.
القيمة العمرانية للحدث
افتتاح هذا الصرح في رمضان لم يكن توقيتًا عابرًا؛
بل هو توظيف ذكي للحظة اجتماعية وروحية يبلغ فيها الإقبال على المساجد ذروته، خاصة في منطقة كثيفة كالمظلات، حيث الحاجة إلى فضاء واسع يستوعب آلاف المصلين.
وهكذا أصبح المجمع:
نقطة ارتكاز دينية في محيط مواصلاتي.
مساحة اتزان روحي في بيئة متحركة باستمرار.
وعلامة معمارية تضبط الإيقاع البصري في أفق شبرا.
---------------------------------
دعواتي: فاروق شرف. |